الـيـاس الزغـبـي/الجيش اللبناني

499

الجيش اللبناني
الـيـاس الزغـبـي
لبنان الآن/30 آب/14

مرّة أُخرى، يتعرّض الجيش اللبناني لاختبارٍ قاسٍ جديد، في انتمائه ودوره وعقيدته القتاليّة.
الاختبارات متلاحقة في الآونة الأخيرة، لا يكاد يخرج من واحد حتّى يدخل في ثان وثالث ورابع .. من النهر البارد شمالاً إلى العديسة جنوباً، ومن عبرا إلى عرسال-1، فعرسال-2..
ولعلّ محنة عرسال هي الأشدّ وضوحاً في كشف طبيعة التجربة التي يواجهها الجيش بوحداته القتاليّة الميدانيّة، وليس بحسابات الاستخبارات المحليّة والإقليميّة.
فما يجري في عرسال منذ شهر يفضح فكَّي الكماّشة التي تحاول الإطباق عليه: حملة عليه من الداخل تلاقي الهجمات عليه من الجرود، في تقاطع مثير بين قوّات بشّار الأسد و”حزب الله” من جهة، وقوّات “داعش” و”النصرة” من جهة ثانية. ولا شيءَ مفاجئ، فالأربعة فروع لأصلٍ واحد.
ميدانيّاً، لا يستطيع أحد أن يفسّر انكفاء آلاف مقاتلي النظام والحزب عن المنطقة التي أُطلقت فيها يد آلاف المسلّحين، وترك الجيش وحيداً في المواجهة، وكأنّ المطلوب بوضوح هو ترويض الجيش وإجباره على التحوّل إلى مجرّد فصيل في “جبهة الممانعة والمقاومة”.
ولا يخفى أنّ النظام والحزب عملا طويلاً لتحقيق هذا الهدف، على الأقلّ 18 سنة من قيادة أميل لحّود ورئاسته، وبذلا جهوداً كبيرة لتغيير عقيدة الجيش وانتمائه ودوره عبر اختراقات في بنيته التاريخيّة وطبيعة تركيبته الوطنيّة وتدريبه وتسليحه.
لكنّ 6 سنوات أُخرى برئاسة ميشال سليمان، بعد قيادته للجيش، حالت دون تحقيق غايات الثنائي المذكور، سواء في الأداء العسكري الرصين خلال انتفاضة الاستقلال، أو في حرب البارد، وصولاً اليوم إلى “حروب” عرسال.
ولم تكن دعوة سفير النظام إلى تطبيق “الاتفاقات الأمنيّة والعسكريّة” بين البلدين سوى تعبير عن الخطّة لإعادة الجيش إلى دائرة القرار “الممانع” بعدما لمس النظام وإيران و”حزب الله” قدرته على المواجهة منفرداً، وتكريس انتمائه اللبناني واحتضانه من بيئته الوطنيّة الأساسيّة وتمويله وتسليحه من العرب والغرب. والدعوة تشكّل ضغطاً على لبنان كي يُعيد علاقته مع النظام تحت شعار محاربة “داعش”.
وقد استخدم هؤلاء واجهتهم المسيحيّة (ميشال عون وتيّاره)، بما تعنيه من علاقة تقليديّة بالجيش، كي يُعيدوا المؤسّسة العسكريّة اللبنانيّة إلى بيت الطاعة. وذهبوا بعيداً في التشكيك والتشويه والدسّ، إلى حدّ الترويج لقيام ميليشيا مسيحيّة بقيادة “حزب الله” بحجّة التصدّي لـ”داعش”.
وقد أحبط وعي المسيحيّين المؤامرة في مهدها، وسارع مسيحيّو البقاع إلى فضح الإشاعة وتأكيد وقوفهم بصلابة وراء الجيش كقوّة شرعيّة وحيدة للدفاع عن لبنان بمسيحيّيه ومسلميه، خارج “الميليشيات العابرة للحدود”. وإذا شذّ بعض مسيحيّي عون، فلن يكونوا أكثر من شرذمة ملحقة تشبه الشراذم التي شذّت سابقاً.

والمؤسف في هذه الخطّة المبرمجة أنّ عون انخرط فيها، تشكيكاً بالقيادة وترويجاً للسلاح الميليشيوي، ليس فقط بحكم ارتباطه الشديد بـ”محور الممانعة”، بل بما دغدغه من تباعد بين “حزب الله” وقائد الجيش، لجهة الحظوظ في كرسيّ الرئاسة!
والمريح في كلّ هذه الخطط والاختبارات، هو تماسك الجيش وازدياد مناعته، في السياق التاريخي المعروف عنه منذ تأسيسه على يد قائده الأوّل فؤاد شهاب.
ولا يخفى تصاعد العطف الشعبي حوله، خصوصاً في البيئة التي راهنوا على شقّه عنها(السنّة)، وتمثّل عرسال نموذجها الحيّ، والهبات السعوديّة اتجاهها الحاسم. والنتيجة الوطنيّة الواضحة هي أنّ الجيش فوق الاصطفافين الميليشيويّين: “داعش” و”حزب الله”.
ويزيد في الارتياح، التلاحم المتجدّد بين البيئة المسيحيّة الواسعة والجيش، بعدما أعملوا طويلاً خناجرهم بينهما، منذ “حرب الإلغاء” 1990، وعملوا طويلاً أيضاً على احتكار أبوّته ومحبّته، وتوظيف شهاداته.
لا شكّ في أنّ ما يبذله الجيش من تضحيات وأثمان، ليس بسيطاً أو عابراً، لكنّه ثمن تثبيت الحالة اللبنانيّة السياديّة، وتأكيد وحدة اللبنانيّين وراءه.
وأهمّ ما تحقّقه هذه التضحيات كشف زيف المتاجرين بشعار دعم الجيش، وانقلابهم ضدّه فور إعطائه إشارات أُولى عن تحرّره من وصايتهم.
إنهيار الرهان على إلحاق الجيش بـ”الممانعة” بات حقيقة.
….وكذلك الرهان الآخر على احتكاره في حلم الرئاسة