محمد سلام/هل ستتعاون أميركا مع بشار؟

521

هل ستتعاون أميركا مع بشار؟
محمد سلام/
الأربعاء 27 آب 2014

نعم ولكن. نعم. ستتعاون أميركا مع بشار الأسد، ولكن فقط عندما ينسحب إلى دويلته العلوية، وستكون حجتها لتبرير هذا “التعاون” هي “حماية ألأقلية العلوية”، تماما كما تتعاون مع رئيس كردستان العراق مسعود بارزاني لحماية الأقلية الكردية. وهناك من يتساءل: “هل سيكون التعاون الأميركي حينها عنوانه حماية الكيان العلوي، أم حماية بشار رئيساً للكيان العلوي؟” وهو سؤال كبير وعميق لا يجيب عنه إلا حجم المصالح التي يمكن للدويلة العلوية أن تقدمها للأميركيين، وهذا يتضح من مساحة الدويلة، والموارد التي ستكون تحت سيطرتها عندما تكتمل شكلاً. أميركا لن تدعم بشار رئيساً لسوريا. هذه لا تستطيع تبريرها للأميركيين، على المستويين السياسي والشعبي. لأن التعاون من بشار رئيساً لسوريا يتطلب إلغاء مروحة قوانين أميركية صدرت على مدى عشر سنوات، بدءاً بقانون محاسبة سوريا وإستعادة سيادة لبنان ووصولاً إلى تحديث لوائح الإرهابيين السوريين من المسؤولين الحاكمين، كل المسؤولين الحكوميين والأمنيين والمستشارين المحيطين ببشار.

أميركا ليست دولة عربية، ورئيسها أكان إسمه أوباما أم جورج بوش، ليس حاكما عربياً من العالم الثالث عشر تحت الصفر. لا يستطيع الرئيس الأميركي أن يلغي قوانين أقرّها مجلسا الشيوخ والنواب. لذلك يرجح ألا تؤيد أميركا بشار الأسد بصفته رئيساً لدولة سوريا. النقاش الدائر في أميركا اليوم هو: هل نؤيد بشار رئيساً للإقليم العلوي، أم نؤيد حماية الإقليم العلوي، ونترك للعلويين أنفسهم إختيار رئيس إقليمهم، أو كانتونهم أو دويلتهم، بغض النظر عما سيكون إسمها. الثابت الوحيد في كل السياسة الأميركية والخليجية هو أن لا تعاون ولا دعم لبشار الأسد بصفته السورية المركزية.

أميركا لا تعنيها التخريفات التي تقسّم الطغمة الحاكمة في سوريا إلى جناحين، جناح يرغب البعض بتسميته الجناح العربي ويضم بشار وعلي المملوك وماهر الأسد وسفيرهم لدى لبنان علي عبد الكريم علي. وجناح، يرغب البعض بتسميته الجناح الإيراني، يتزعمه العميد حافظ مخلوف ومن معه، وهو إبن خال بشار وشقيق “رجل الأعمال” رامي مخلوف.

الجناحان، من وجهة نظر أميركا والغرب، يعكسان حقيقة الصراع العلوي-العلوي على قيادة … الدولة العلوية، لا أكثر ولا أقل.

المهم ألا يصدّق بعض العرب أن أحد الجناحين عربي والثاني إيراني. فتأييد أي من الجناحين العلويين، عملياً، لا يحقق لأميركا والغرب والعرب أيضاً الهدف الذي حدده أوباما في مقابلته مع الصحافي فريدمان وهو تقديم ترضية جدية “للسنة الغاضبين” في العراق وسوريا، مع التشديد على ضرورة إرضاء السنّة في حالتيهم، الأقلية الغاضبة في العراق والأكثرية الغاضبة في سوريا.

على هذه القاعدة تمت إطاحة نوري المالكي من هرمية السلطة المركزية في العراق، وعلى هذه القاعدة ستتم إطاحة بشار من مركزية السلطة في سوريا. ما يعني عمليا الإطاحة بالحكم المركزي في العراق وسوريا.

ويتردد في الكواليس الدولية أن أميركا “غضبت” من مصر لأنها روّجت لدى بعض الدول الخليجية نظرية جناح بشار العلوي العربي، لذلك كشفت أميركا دور سلاحي الجو المصري والإماراتي في قصف أهداف بليبيا. أميركا ليست حريصة على السنّة، فهذا ليس من أدبياتها ولا من إهتماماتها ولم يكن يوماً مدرجاً على سلّم أولوياتها ولم يكن السنّة يوماً قيمة في بنك الإهتمامات الأميركية.

أميركا قلقة جدياً من تنامي الغضب السني. دخل السنّة أفق الإهتمام الأميركي فقط من زاوية قلق العم سام من غضبهم. وهذا الغضب هو التعريف الأميركي الرسمي للحالة السنية في الشرق الأوسط. وأميركا تسعى لإحتواء هذا الغضب السني كي لا يكبر أكثر … ويهدد أكثر. لذلك فإن أميركا ترى أن أي تسوية قادرة على الثبات والإستمرار يجب أن تكون لها “نكهة سنية” ترضي الغاضبين … وتحمي الخائفين.

لذلك فإن أي تسوية علوية النكهة، وإن بإستعارة هوية عربية من القاموس القومي الذي دفن في صحارى التخلف والإستبداد، تزيد من غضب الغاضبين السنّة ولا تحمي الأقليات الخائفة، علوية كانت أم غير علوية. ولا بد من إشارة موضوعية في هذا الصدد إلى أن الرئيس المشير عبد الفتاح السيسي، مع كل إحترامنا وتقديرنا لشخصة وموقعة، ليس جمال عبد الناصر. ومصر ال 2014 ليست مصر تموز (يوليو) العام 1952. مصر ال 2014 إسترجعت شعار “تحيا مصر” الذي كان سائداً قبل حقبة الضباط الأحرار، ورمت في سلة المهملات شعار الثورة “فلتسقط الإمبريالية.” مصر إستعادت مصريتها ولم تعد تذوب في “أمة عربية” تريد إسقاط الإمبريالية. مصر جزء من السوق العالمية.لذلك وجب إدراك خطورة أبعاد التأكيد الأميركي بأن طيران مصر الحربي قصف أهدافاً في ليبيا.

فهل تنزلق مصر في زمن “لا أمة عربية” إلى المستنقع الليبي كي تنهزم كما هُزمت في المستنقع اليمني يوم كانت تحظى بغطاء “الأمة العربية” التي تريد أن تسقط الإمبريالية؟؟؟

هل ما زالت مصر تغنّي “الأرض بتتكلم عربي” في زمن تعددت لغات الأرض فصارت تتكلم سني وشيعي وعلوي ومسيحي ومذهبي بالعربية والتركية والإنكليزية والفرنسية والإيطالية والبرتغالية والإسبانبة والروسية والأمازيغية والفارسية وغيرها ؟هل تعتقد مصر أن بإستطاعتها إلتقاط ثمرة سقطت على الأرض وإهترأت، فتعيدها إلى غصنها بعدما لفظتها شجرتها … وتستعيد لها نضارتها؟

صحيح أن إعادة تظهير دور الأزهر خطوة مهمة بإعتباره الجامعة الإسلامية الوحيدة في العالم التي تعلّم طلابها كل المذاهب الإسلامية، ومن ضمنها “المذهب الجعفري”. وصحيح أن للمصريين موقف عاطفي-ديني خاص من أهل البيت، ولكن الصحيح أيضاً أن للمصريين موقف سلبي جداً من حملة التشيع التي قادتها إيران، وإن تحت مسمّى أهل البيت، والصحيح أيضاً وأيضاً أن للأزهر موقف سلبي جداً من “الحركة النصيرية” لا يشفع لها عنده تحدثها اللغة … العربية. صحيح أن مصر تواجه معارضة شعبية أو تمرداً شعبياً دينياً أو مؤامرة –سمّها ما شئت- من قبل الأخوان المسلمين، بغض النظر عن الموقف من “الأخوان” سلباً وإيجاباً. ولكن، ماذا يمكن أن يحدث إذا قرر”الأخوان” ربط ميدانهم المصري بالميدان الليبي بعدما ربط طيران السيسي أجواء مصر بالأجواء الليبية؟

(صفحة كلام سلام)