بيار جبور/معركة وادي أبو جميل … والوصول إلى برج المر

1188

 معركة وادي أبو جميل … والوصول إلى برج المر
بيار جبور

برج المر

اساطير البطولة والعنفوان تبقى في الذاكرة الجماعية للشعوب التي عايشوها وخاصةً اذ كانت هذه الاساطير للدفاع عن ارض الوطن ومرتع الطفولة. المقاومة اللبنانية لم تعتدِ على أحد انما دافعت عن نفسها دفاع الابطال ليبقى لبنان سيداً حراً مستقلاً.

صيف 1976 كان صيفاً حاراً على المستوى الميداني في بيروت، الفلسطنيون في اوجهم وهم يظنون ان لا مفر من احتلال لبنان “ليصلوا بعدها إلى استعادة فلسطين”، فكانوا يشعلون الجبهات هم وحلفاؤهم تارة بقصف مجنون و طوراً بقنص الابرياء والآمنين في منازلهم و خاصةً الموجودين على خطوط التماس وليس لديهم الامكانيات لينتقلوا الى اماكن أخرى حيث الهدوء وحماية انفسهم.

الدولة مشلولة تركت شعبها يعاني غزو الغرباء وهي لا تحرك ساكناً بسبب الانقسام السياسي والطائفي وتوارث المشكلات حتى انفجرت اخيراً بوجهها، ولكن ليست هي التي تحملت العواقب بل المواطنون العزل ودفعوا اثماناً باهظة.

كانت مدرسة “الاليانس” في وادي ابو جميل تقع في ذلك الوقت ما بعد خطوط التماس المرسومة في باب ادريس صيف 1976 بين مقاتلي “الكتائب” والفلسطنيين وحلفائهم، ومن هناك كان القنص شبه يومي على باب ادريس والذي كان يوقع شهداء و جرحى من سكان باب ادريس.

عندها اتخذ القرار وكان المسؤول عن تنفيذه رئيس منطقة الرميل الشهيد فرج عبيد. فأخذ يعد العدة والخطة واللوجستية لإطلاق هجوم نوعي على المدرسة وتحريرها وجعل الفلسطنيين يتراجعون إلى الوراء لإراحة السكان الآمنيين من اعمال القصف المباشر و القنص.

بعد استكماله الخطة أوعز إلى الرفيق خريستو حصري أمر فصيلة رجال شديدي البأس في منطقة التباريس وابلغه نيته بالهجوم على مدرسة “الاليانس” في وادي ابو جميل.

نظر خريستو إلى فرج نظرة الواثق من نفسه حيث كان فرج متوقعاً أن خريستو لن يرفض المهمة وهي مهمة تعتبر صعبة نظراً لموقع المدرسة والتحصينات الفلسطينية، خصوصاً ان قتال الشوارع من أصعب أنوع القتال نظراً للألتحام القريب بين المقاتلين.

استمهل خريستو رئيسه لتجميع الشباب وتحضير الاسلحة المناسبة وشرح الخطة والتأكد أن كل عنصر في الفصيلة يعرف دوره في مراحل الهجوم كافةً، وبعد التأكد من فهم كل مقاتل دوره واكتمال التحضيرات اللوجستية حددت ساعة الصفر والتي كانت تقضي بتركيز دوشكا تطال الاماكن الظاهرة من المدرسة والتي تشكل خطراً على المقاتلين وعند اطلاق اول صندوق ذخيرة يبدأ الهجوم الجبهي الذي كان محوره يمتد حتى مدخل المدرسة وهنا اسلحة المساندة تحرف نيرانها على المتاريس التي تشكل عائق لتقدم المقاتلين.

بدأ التقدم على محور واحد وهنا فتحت نار جهنم على المهاجمين الذين كان عددهم حوالى الـ 120 عنصراً وفق رواية أحد الجرحى الفلسطنيين ولكن هذه النيران لم توقف زخم الهجوم وما هي إلا خمس دقائق حتى كانت الفصيلة المهاجمة على مدخل المدرسة بإمرة خريستو حصري، وهناك دارت معركة من غرفة إلى اخرى حيث كان الفلسطنييون يفرون مثل أحد اصابه مسّ هم لم يصدقوا اعينهم بأن رجال “الكتائب” قاموا بهجومٍ جبهي واخترقوا دفاعاتهم واصبحوا داخل متاريسهم بعدد صغير من المقاتلين ولشدة الذهول بدأوا بالفرار أذ خيل اليهم بأن هناك مئات المقاتلين يهاجمونهم، (في العلم العسكري أن عدد المهاجمين يجب ان يكون 3 على واحد) ولكن في هذه المعركة بقي العلم على الرف واحتفظت الاوراق بحبرها لإن الذي يقاتل دفاعاً عن ارضه لا توقفه أي مشكلة او تخفف من عزم.

بعد تحرير المدرسة وتطهير كل الطوابق والغرف والممرات والتأكد من عدم وجود أي مسلح غريب لإن الفلسطنيين فروا من المعركة إلى داخل بيروت الغربية. هنا تكشّفت قوة المعركة حيث سقط 20 قتيلاً للفلسطنيين وعدد من الجرحى.

اراد خريستو ان يستغل النصر قرر بعد التشاور مع رفاقه اكمال الهجوم وهنا كانت النقطة الفاصلة اذ تبين ان الفلسطنيين واعوانهم تراجعوا مسافات كبيرة إلى الوراء. اكمل الهجوم حتى وصل الى برج المر وهذه الواقعة تعتبر حدثاً غير مسبوق في الحرب اللبنانية، مما دفع الشيخ بيار الجميل – وبعد اطلاعه على الوضع وكيف قامت فصيلة خريستو بالهجوم وطهرت مدرسة “الاليانس” وتابعت هجومها حتى وصلت برج المر – بأن يتصل بخريستو قائلاً له: “لقد تخطيت الخطوط الحمر أني آمرك بالانسحاب وبلهجة شديدة فيها من التأنيب والوعيد”، ولكن خريستو لم ينسحب مما دفع بكرم عبيد الى الحضور على رأس قوة من الـ “ب ج” وقال لخريستو بأن يذهب هو مقاتليه للأستراحة بعد هذا الهجوم القوي.

جمّع خريستو فصيلته وغادر الى مقره في التباريس حيث بعدها انسحب عبيد ومعه مقاتلي الـ “ب ج” الى الخطوط الاساسية في باب ادريس – و مبنى “لسان الحال”. وبعدها طلب فرج عبيد الانسحاب الى التباريس حيث بقيت هذه الخطوط حتى انتهاء الحرب اللبنانية. وكان الانسحاب لحصر الانفلاش وتركيزاً للجبهة ويذكر بأن في هذه المعركة لم يسقط اي شهيد او جريح.

مرة أخرى صاحب الحق سلطان، مهما تجمعت جحافل الاعداء يبقى الحق هو الدافع الذي يحرك المشاعر والاردات الطيبة والخيرة. هكذا كان ابطالنا هكذا كنّا نحن وهكذا انتم ايها الجيل الجديد يجب ان تكونوا.

خريستو حصري مع الشيخ بشير الجميل