سلطان العامر: ما طبيعة العلاقة بين إيران وداعش//الياس حرفوش: عشائر الأنبار وهزيمة داعش

300

عشائر الأنبار وهزيمة «داعش»
 الياس حرفوش/الحياة/02 حزيران/15

يتحدث الجنرال ديفيد بترايوس بخبرة العارف عن وضع العراق وعن تمدد «داعش». وبسبب هذه الخبرة ومعرفته بتعقيدات الوضع العراقي، فهو يرى أن مواجهة التنظيم الإرهابي لن تنجح فقط عن طريق استخدام القوة، بل لا بد أن ترافق ذلك خطوات سياسية باتجاه قيام علاقة جديدة بين الحكم في بغداد والسنّة في مناطق سيطرة «داعش»، وخصوصاً في محافظتي صلاح الدين والأنبار، كي يكونوا هم في موقع المواجهة الأساسية، وليكون ممكناً قطع الطريق على ادعاءات التنظيم انه يتحدث باسمهم ويدافع عن مصالحهم.

كلام مشابه قاله قبل فترة قصيرة الجنرال مارتن ديمبسي رئيس هيئة أركان الجيوش الأميركية المشتركة بعد زيارة قام بها إلى بغداد، قال: «عندما حلقت على متن مروحية فوق بغداد كان بالإمكان رؤية الكثير من الأعلام والشعارات التابعة لميليشيات شيعية معروفة من دون رؤية العلم العراقي بينها إلا نادراً… إن جهود الحرب ضد الدولة الإسلامية محكوم عليها بالفشل إذا لم تنجح حكومة بغداد في الالتزام بتعهداتها تجاه السنّة في أن تكون حكومة لجميع العراقيين».

مثل هذا الكلام كرّره كثير من المحللين، في إطار فهم ومعالجة الحالة التي نشأت بفعل تمدد «داعش» في مساحات أوسع في كل من سورية والعراق. لكن أهميته على لسان بترايوس تعود أساساً إلى أن الرجل خبر بنفسه المواجهة مع الإرهاب في العراق عندما كان قائداً للقوات الأميركية هناك خلال الاحتلال، بين عامي 2006 و2008. ومنذ غيابه عن المسرح السياسي، بعد استقالته من إدارة وكالة الاستخبارات الأميركية (سي آي إي) عام 2012 بسبب فضيحة أخلاقية، لم ينقطع اهتمام بترايوس بالشأن العراقي، من خلال زياراته المتكررة لهذا البلد، ولقاءاته مع المسؤولين في العشائر، الذين سبق أن عمل معهم في إطار مسؤولياته هناك.

في حديثه الأخير المسهب إلى هيئة الإذاعة البريطانية، يعقد بترايوس مقارنة بين «قاعدة» الزرقاوي و «داعش» البغدادي. وعلى عكس ما يظن كثيرون، يقول إن «القاعدة» كانت أشد خطراً من «داعش»، لأن جذورها كانت أكثر عمقاً في العراق وعدد عناصرها العراقيين أكبر، فيما يضم «داعش» عدداً أكبر من المقاتلين العرب والأجانب، وصلاته مقطوعة بالتالي مع العشائر السنّية، ما يعني أن إمكان استقطابها ضد التنظيم سيكون مهمة أسهل بكثير من تلك التي واجهت القائد الأميركي السابق. ويوضح أن من الضروري أن تكون لدى سنّة العراق دوافع لدعم قيام العراق الجديد بدلاً من دعم من يقاتلون ضده.

وبعكس ما صرح به وزير الدفاع الأميركي آشتون كارتر أخيراً بعد سقوط الرمادي، من أن ضباط الجيش العراقي وعناصره لا يملكون النية للقتال، يرد بترايوس بأن هذه القوات قاتلت دفاعاً عن العراق، وماتت أعداد كبيرة من أفرادها في سبيل ذلك، وأكثر بكثير مما خسر الأميركيون، لكنها تحتاج الى قيادة جيدة وإلى دعم سياسي ومعنوي، وإلى قناعتها بأن هناك من يحمي ظهرها عندما تذهب إلى الجبهة.

هل وصلت هذه النصائح إلى إدارة الرئيس أوباما وإلى المسؤولين عن متابعة الوضع العراقي؟ لا يتردد بترايوس في الإجابة بأنه نقل مواقفه هذه، النابعة من تجربته، إلى المسؤولين قبل أكثر من عام، ولكن لم يأخذ بها أحد. كما لا يخفي خلافه مع الإدارة الحالية بشأن تقييم الدور الإيراني في العراق وفي سائر دول المنطقة. فعلى عكس الإيجابيات التي يرى أوباما أنه يمكن الحصول عليها من خلال التقارب مع طهران، يخلص بترايوس إلى القول: ايران تحقق التقدم في المنطقة من خلال الفوضى، فهي تستفيد من الفوضى وفي الوقت ذاته تنشرها لتحقيق هيمنتها الإقليمية. ويضيف أن هناك أسباباً كثيرة تدعو إلى الحذر البالغ من تطوير العلاقات الأميركية مع إيران.كلام خبير يعرف الوضع العراقي من كثب، كان يمكن أن تفيد تجربته في رسم سياسة أميركية أفضل، ليس في العراق وحده بل في مناطق أخرى أيضاً. لكن نصائحه لا تلقى إلا آذاناً صمّاء في واشنطن، كما يعترف بنفسه.

 

ما طبيعة العلاقة بين إيران و«داعش»
 سلطان العامر/الحياة/02 حزيران/15

في الأيام الماضية، شنّ تنظيم داعش عمليتين في المنطقة الشرقية، استهدفت الأولى مسجداً في بلدة القديح في القطيف، أما الثانية فأحبطها الأبطال عبدالجليل ومحمد الأربش ومحمد بن حسن بن عيسى قبل أن تصل إلى مسجد آخر في حيّ العنود في الدمام.

العمليتان تتبعان الأسلوب نفسه، الذي يتبعه «داعش» في أماكن انتشاره: السعي أولاً لإسقاط هيبة الدولة وقدرتها على حفظ الأمن وحماية أرواح الناس، وخلق حال من الاستقطاب على أساس طائفي بين المكونات الداخلية، وعبر هاتين الخطوتين تتشكل بيئة مناسبة لهذا التنظيم في أن يتدخل؛ لكي يطرح نفسه حامياً للسنة ضد أعدائها من المذاهب الأخرى.

اختلفت ردود الفعل إزاء هذه العمليات، فإلى جانب الكثرة التي حاولت أن تحمّل «التحريض الطائفي» جانباً كبيراً من مسؤولية العمل، كان هناك أولئك الذين يتفننون في لعبة «من المستفيد؟» من كل حدث، مستنتجين وقوف إيران خلف هذه الأحداث، بل خلف تنظيم داعش بأكمله. إذ تمضي الحجّة كالآتي: إن استهداف المملكة في هذا الوقت الحرج لا يفيد إلا إيران وأدواتها الطائفية في المنطقة، وعبر تبني سرديّة قوات الجيش الحر في سورية التي تحاول تقديم داعش؛ باعتباره عميلاً للنظام السوري، تجد هذه الحجّة الكثير من الأدلة على أن هذا التنظيم ليس إلا «بعبعاً»، خلقته إيران من أجل حماية تحالفاتها ومصالحها في المنطقة.

إضافة إلى العداء الوجودي مع الكيان الصهيوني، يجد العرب أنفسهم اليوم في حال صراع مع كل من إيران وتنظيم داعش، ولئن كان الصراع مع العدو الصهيوني واضحاً؛ باعتباره صراعاً مع محتل للأرض لا جدال حول شرعيّة مقاومته، فإن الصراع مع إيران و«داعش» يأخذ طبيعة مختلفة، ومن الضروري فهم طبيعة العلاقة بين هذين الكيانين، إذ من دون هذا الفهم الدقيق ستصبح كل المعالجات التي نتقدم بها بلا قيمة، بل قد تكون مضرة.

يمكن نقض الحجّة القائلة بأن «داعش» حليفةً لإيران بطريقتين: لنبدأ من سورية، فداعش هناك ينظر إلى نفسه باعتباره دولة قائمة. وهو بهذا التصوّر يختلف جوهريّا عن كل الكتائب العسكرية في سورية، التي ترى أن واجبها يكمن في انتزاع السلطة من النظام السوري. وهذا الفرق في التصوّر بين طبيعة عمل هذين الفريقين ينتج فرقاً في الأولويات والأهداف؛ فلئن كانت الأولوية لدى الكتائب الثورية السورية هو إسقاط نظام الأسد، فإن الأولوية لدى «داعش» هو مد نفوذ الدولة، وستختار الاتجاه الأسهل والأقل كلفة وضد الجهة التي تنافسها أكثر في تمثيل السنّة، لهذا يكون هذا التنظيم حريصاً على قتال هذه الكتائب أكثر من حرصه على قتال النظام؛ ليس لأنه عميل له، بل لأن تصوره عن نفسه كدولة يجعل من قتال الثوّار أولوية أكثر من قتال النظام.

بالنسبة إلى «داعش»، لو لم يتبق في الساحة إلا النظام السوري، فإنه يتصور أن كل السنة سيجدون فيه خياراً أفضل من النظام، ومن ثم تكون الأولوية قتال من ينافسه على تمثيل السنة. وبالنسبة إلى النظام السوري فهو يعلم أنه إذا لم يتبق في الساحة إلا «داعش»، فإن كل العالم سيفضله ويدعمه، ولهذا فإن مصدر التهديد الرئيس بالنسبة إليه هو الكتائب التي يصنفها العالم بأنها «معتدلة»، فهذه هي التي تقدم نفسها خَيَاراً أفضل للعالم، ومن ثم فإن الأولوية تقضي بإزالتها قبل «داعش»، ولاسيما أن التحالف الدولي يقصف هذه الأخيرة ليل نهار. فما يبدو أنه تواطؤ أو تحالف، إنما هو في حقيقة الأمر تماثل أولويات، فبطريقتين مختلفتين توصَّل النظام و«داعش» إلى أن أولوياتهما تكمن في قتال الكتائب، وهذه النتيجة لم تمنع وجود قتال بين الطرفين.

لننتقل إلى العراق الآن، فهنا يتجلى كيف أن الحجة التي تقول إن «داعش» حليف لإيران متهافتة، فالقتال هنا يتم -تحديداً- بين الكتائب الشيعية المدعومة من إيران وبين «داعش»، والقتال هنا ليس قتالاً عادياً، بل قتال شرس جديد زُهقت فيه أرواح المئات.

هل هذا يعني أنه لا رابط بين إيران و«داعش»؟ الجواب: بلى، والرابط هنا هو تقصير الدول العربية في أداء دورها. فإيران و«داعش» ما كان لهما أن يحظيا بما يحظيان به من نفوذ لو أن الدول العربية قامت بواجباتها تجاه أمتها وشعوبها، وهي الواجبات التي تتضمن الدفاع عن قضية فلسطين، ودعم القوى الثورية ضد الاستبداد، وإجراء الإصلاحات الضرورية نحو مزيد من الحريّة والعدالة. من دون تبني هذه السياسات، سيستمر «داعش» وإيران في استغلال الفراغ الذي يخلفه غياب الدولة العربية، والتنوع المذهبي من أجل تقديم أنفسهم مدافعين عن هذه الطائفة أو تلك، ومتبنين قضايا العرب الرئيسة.

إن الاعتداءات التي حدثت في المنطقة الشرقية لا يمكن فهمها من دون النظر إلى ما يحدث في المنطقة ككل، وإن الخطوة الأولى لمنع تكرارها وحماية الأوطان منها، هو بأن تتعاون الدول العربية بالقيام بالدور الإقليمي المطلوب منها، وإجراء الإصلاحات الضرورية التي تمنع وجود أي منفذ أمام القوى الأجنبية؛ لممارسة أي نوع من الهيمنة على الدول العربية.

فكما أن هذه الاعتداءات دفعت بالكثيرين نحو الالتفاف حول الرابطة الوطنيّة باعتبارها طوق النجاة، أمام محاولة تسييس الفروقات المذهبية، فإنها يجب أن تدفعهم إلى الالتفاف حول الرابطة القومية، وتأدية الدور الضروري؛ لإيقاف هذه الحروب بالشكل المنحاز للطرف الذي يحمل مشروعاً يتجاوز خياري «داعش» واستبداد النظام السوري