الياس بجاني تعليق على مقالة: “كنيسة للشيعة”/الإستيد نبيه كالبيك وليد تنقصه جرأة المواجهة

389

تعليق على مقالة الإعلامي نديم قطيش التي في أسفل

الإستيد نبيه كالبيك وليد تنقصه جرأة المواجهة
الياس بجاني/28 أيار/15

تحليل مهم يضع الإصبع بواقعية على الجرح النازف داخل الطائفة الشيعية. أما فيما يخص الإستيذ نبيه وإن كان الرجل ملماً بالسياسة اللبنانية منذ 30 سنة وما يزيد، وشاطر و”حربوق”، إلا أنه لن يكون المنقذ الذي سيقود سفينة الطائفة الشيعية إلى بر الأمان لأنه للأسف مثله مثل صديقه النائب وليد جنبلاط لا يغامر ولا يقفز من سفينة هو على متنها قبل أن تغرق كلياً، وربما مثل جنبلاط أيضاً يتوهم بفاعلية ثقافة الانتظار على ضفاف الأنهر لرؤية جثث الأعداء تمر. كل التجارب منذ العام 1975 مع الإستيذ في أطار المواقف والتحالفات والأكروبتية والممارسات لا تشجع، وبالتالي من الصعب أن يقوم بدور خشبة خلاص لا كنسية ولا غيرها. في الخلاصة، نرى بالتحليل الشخصي أن أي مراهنة جدية وفاعلة على الإستيذ نبيه للخروج من محور الشر-السوري الإيراني والإنحياز للدولة اللبنانية قبل الانكسار الحتمي والمحسوس والمعاش لهذا المحور هو رهان قد يكون معدوم 100%. يبقى أن العجائب أمر محتمل دائما، وكل الآمال على انقلاب للإستيذ يمكن وضعها فقط وفقط في خانة العجائب.!!

كنيسة للشيعة
نديم قطيش/المدن/الخميس 28/05/2015 

في الحلقات الاخيرة من الحروب الأهلية اللبنانية، حربان فرعيتان حكمت نتائجهما الجزء الأكبر من تاريخ لبنان الممتد منذ اتفاق الطائف وحتى اغتيال ابرز أركانه الرئيس الشهيد رفيق الحريري في ١٤ شباط ٢٠٠٥.

الاولى هي الحرب المارونية المارونية بين الجنرال ميشال عون، قائد الجيش اللبناني الأسبق، وبين سمير جعجع قائد ميليشيا القوات اللبنانية آنذاك. والثانية هي الحرب الشيعية الشيعية التي كانت ترجمة لصراع النفوذ السوري الايراني في لبنان وانتهت بهزيمة الاسد وإمساك ايران بورقة المقاومة في جنوب لبنان.

انهكت حرب الموارنة الطرفين المسيحيين الاقوى واستنزفت ما بقي من المارونية السياسية وعناصر قوتها ومنعتها في الدولة وفي المجتمع. ثم كان اتفاق الطائف، تلاه استكمال حافظ الاسد تصفية ما بقي من روح مسيحية في البلاد. نُفي عون وسُجن جعجع، ودخل الموارنة والمسيحيون في حمى الاحباط السياسي!

لم يجد المسيحيون من يتلقف سقوطهم في هاوية الهزيمة العسكرية والسياسية، بعد انهيار مشروعهم السياسي الذي اغتيل في شخص الرئيس بشير الجميل، ونُكل بجثته بالتقسيط في عهد الرئيس امين الجميل وصولاً الى الطائف وما تلاه.

وما كان لهم ان يقوموا من سقوطهم لولا عاملين. العصب الصراعي للموارنة الناتج عن طبيعة علاقتهم الوجودية مع الكيان اللبناني، والكنيسة بما هي وزارة خارجية ودفاع الوجود المسيحي.

باكراً بدأت تتكون للمسيحيين شبكة حماية تتلقف سقوط مشروعهم السياسي، وتمنع ارتطامهم القاتل بأرض الواقع السياسي القاسية. بدءاً من القوى التي تحلقت حول بكركي رفضاً لقوى الامر الواقع المسيحية قبل الطائف، والتي حولت وظيفتها الى معالجة ذيول الهزيمة العسكرية وصولاً لبيان المطارنة الموارنة في أيلول عام ألفين بعد خروج اسرائيل من جنوب لبنان، والذي شكل برنامج عمل سياسي لحراك وطني بقي يتنامى حتى ١٤ آذار ٢٠٠٥. وبين اللحظتين مرت حركة اعادة انتاج الدور المسيحي والخروج من الهزيمة بمنحنيات ومحطات كثيرة ابرزها معركة الصمود والمواجهة التي انطلقت من رحم توقيف سمير جعجع، وزيارة البابا يوحنا بولس الثاني الى لبنان في ايار ١٩٩٧، وما اندلع بغية حصولها من مواجهة قاسية مع حافظ الاسد، ثم لقاء مار روكز الذي للمفارقة كان يدفع باتجاه خيار قبول انسحاب اسرائيل من جزين فيما كانت سوريا الاسد والمقاومة تدافع عن بقاء الاحتلال! ولا يفت المراقب العصب الذي شكلته الجامعات، وتحديدا الجامعة اليسوعية التي كانت خطابات رئيسها الأب سليم عبو، ولا تزال، النصوص المرجعية الاولى حول السيادة اللبنانية.

اما حروب الشيعة فكان ثمة من أدار نتائجها وإفرازاتها بكفاءة عالية، ولو على حساب دماء آلاف الشباب من الطائفة. أنتج التفاهم الايراني السوري معادلة التعايش بين المليشيات الشيعية الذي تطور الى ما يعرف بلغة اليوم “الثنائي الشيعي”. على عكس الموارنة لم يخرج الشيعة من الحكم. بل نتج عن حروبهم وامتصاص نتائجها مكافاءات ضخمة ومكتسبات لا حصر لها. كما ان حربهم على عكس حرب الموارنة، لم ينتج عنها انهيار للمشروع السياسي بل تعديل ميزان القوى بين المكونات الحاملة له.

اليوم، يقف الشيعة امام استحقاق بالغ الخطورة، لا يشبه استحقاقات كثيرة مرت. فحزب الله، يشم رائحة فشل رهاناته على ما يمكن تحقيقه في سوريا، ويصطدم اصطداما مروعاً بالأوهام حول قوته، وقدرته على التقرير في مصير خرائط الشرق الاوسط، بعد ان تحول مشروع حزب الله الى المشروع السياسي الوحيد للشيعة، او المشروع الطاغي لهم وعليهم.

هو جواد منهك، ورطته ايران في كل السباقات، في الإقليم، بما يفوق طاقته وطاقة الشيعة على الاحتمال. وهو، على الأرجح، يتجه الى مصير مشابه لمصير المليشيات المسيحية، لناحية سقوط مشروعه، وهذا ما هو أخطر على مصير لبنان ومستقبله كما حذرنا نصرالله نفسه، وهو صادق في تحذيره. فمن يتلقف الشيعة بعد سقوط المشروع العسكري والامني والسياسي لحزبهم الحاكم؟ وهو بالمناسبة سقوط بفعل عاملين، الفشل في حماية الاسد ونظامه، مهما طال الزمن قبل سقوطه، ونتائج التفاهم النووي الذي لا بد وان يضمن مصالح اسرائيل، مع ما يعنيه من احالة المقاومة ضمناً على التقاعد النهائي.

منذ تورط حزب الله في سوريا وحرب نظامها على شعبه، بدا واضحاً ان سماوات تفصل بين شهية الرئيس بري لهذه الحرب وبين شهية حزب الله، وحافظ بري بدهاء سياسي كبير على عدم إعطاء موقف مؤيد لدخول الحرب، محتفظاً لنفسه بكلام عام عن الحل السياسي بين السوريين. وفي الكثير من الأحيان بدا صمته كثير الكلام، وأعلى دوياً من أصوات المشتبكين مع حزب الله في لبنان والمنطقة. مراراً كانت عين التينة هي المكان الذي تخرج منه الصورة والموقف المناقض في العمق لتوجه حزب الله. فحين افتتح امين عام حزب الله حسن نصرالله، هجومه على الملك السعودي، فتح بري أبواب الرئاسة الثانية للسفير السعودي علي عواض العسيري ثلاث مرات في اقل من أسبوعين. وفي ذروة تحشيد نصرالله للحرب في سوريا بوصفها حرب وجود للشيعة، كما معركة صفين، تجاسر بري بنفي مشاركته في القلمون، قائلاً خلف الأبواب الموصدة ما يرشحه لان يكون “مرشد شيعة السفارة”، لو صح ان ثمة شيئا اسمه شيعة السفارة. اذ يكفي ان لا يشارك بري في هذه المعركة كي تسقط عنها صفة معركة الوجود، وليؤكد على مقتطفات أساسية مما يقوله خصوم حزب الله.

الواضح ان بري، في هذه اللحظة الحرجة التي تُرسم فيها مصائر برمتها في المنطقة، يبعث بإشارات تمايز عميق عن حزب الله، وينحاز بوضوح اكبر الى مساحته، الاقرب دوماً الى منطق النظام السياسي اللبناني بكل علله ونواقصه. الاكيد ان تاريخ التجارب السابقة مع رئيس المجلس لا تبعث على الثقة كثيراً او الأمل بأنه قد يذهب بعيداً في خيارات تخلق للشيعة في لبنان شبكة أمان تتلقف سقوطهم مع سقوط مشروع حزب الله. وهو لطالما بعث برسائل متناقضة، أفقدت الرهان عليه الكثير من المصداقية. كل هذا صحيح. لكن المتغير ان لا سوريا اليوم في حساباته.

إشارات نبيه بري ليست بسيطة، وادارته للتمايز الدقيق، والخطير، أعقد بكثير من أن يحكم عليها من الان، لا بمفاعيل التجربة الماضية ولا بتفكير رغبوي حول المستقبل بسبب ضيق الخيارات الى حدود الانعدام.

ليس للشيعة كنيسة تتلقف سقوطهم مع سقوط مشروع حزب الله. هل يكون نبيه بري كنيستهم؟