علي الحسيني/خطاب نصرالله: بين التهويل وحرف الذاكرة

380

خطاب نصرالله: بين التهويل وحرف الذاكرة
علي الحسيني/المستقبل
18 آب/14

ضمن سلسلة إطلالاته المتكررة ذات النمط الواحد أطل أمس الأول الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصرالله بمناسبة الذكرى الثامنة لحرب تموز 2006، وكعادته التي درج عليها منذ سنوات لم يأتِ السيد في كلامه بأي جديد إن من خلال دعوته اللبنانيين للوقوف يداً واحدة في وجه الإرهاب مروراً بضرورة انتخاب رئيس للبلاد ووصولاً الى التنبه من الخطر القادم من «داعش» واخواته.

لقد نسى السيد نصرالله تماماً أن الأخطار التي تطرق اليها خلال حديثه هي بالمجمل والمفرق من صنع حزبه، فهو من انقلب على الدستور والأعراف وهو من صادر القرارين السياسي والعسكري، وهو من أوصل البلاد الى حالتها هذه، وهو أيضاً من استجلب الإرهاب من الخارج ووضعه في حضن اللبنانيين ليعود ويدعوهم بعدها لمحاربته بعدما عجز هو نفسه عن القيام بالمهام الموكلة اليه من النظامين السوري والإيراني داخل الحدود السورية.

في بداية حديثه شرح نصرالله مطولاً أهمية «انتصار» تموز الذي ما كان ليحصل برأيه لولا صمود الأهالي. وهنا لا بد من العودة الى ذلك التاريخ الذي فرغت فيه الضاحية الجنوبية والقرى الجنوبية والبلدات والمناطق البقاعية من أهلها وناسها بعدما سويا الحجر بالأرض فمنهم من غادر باتجاه الأراضي السورية وقسم منهم توجه الى جبل الزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط بالإضافة الى العائلات التي نزحت الى بيروت وجبل لبنان الشمالي. فعن أي صمود تحدث سماحته؟

ثم توجه نصرالله بالتحية الى كل مهجر كان واثقاً من العودة الى منطقته ومنزله لكنه لم يُدرك أن عدداً كبيراً من هؤلاء آثروا الرحيل عن مناطقهم إما طوعاً أو إكراهاً. هل يعلم السيد أن عدداً لا يُستهان به من الأهالي الذين ينتمون الى طائفة معينة قد خيرتهم شركة «وعد» التي كلفها حزبكم بإعادة إعمار الضاحية إما أن يدفعوا لها التعويضات التي منحتهم اياها الدولة على أن تتكفل هي بالترميمات وإما أن يتكفل صاحب العقار نفسه بإعادة إعمار ما دمرته إسرائيل لكن قسماً منهم قرر بيع عقاره بعدما دخلت المحسوبيات في شكل الترميمات وهيكل الإعمار إن لجهة المكاتب والمنازل التي استحدثت داخل كل مبنى لصالح متنفذين في الحزب أو لجهة الأنفاق والسراديب التي أُعدت لحرب قادمة لصالح الحزب أيضاً.

هذا في الضاحية الجنوبية، أما في عدد من قرى البقاع والجنوب فيعلم السيد نصرالله أن كماً هائلاً من المنازل الفخمة والبيوت المتواضعة قد دمرتها إسرائيل بعدما كان الحزب استخدمها إما مخازن لسلاحه وإما حماية لمنصات صواريخه التي كانت تُطلق من جانبها. وقد فوجئ معظم أصحاب هذه المنازل بالأسباب التي أدت الى تدميرها خصوصاً أنهم من المغتربين يمضون معظم الفترات خارج البلاد وهو السبب الرئيس الذي مكن الحزب من استخدامها بهذه الطرق غير الشرعية.

واتهم الأمين العام لـ«حزب الله» في حديثه مجموعة من الدول العربية التي «تآمرت» على المقاومة ومنها دول ما زالت بصمات خيرها على لبنان ومؤسساته واضحة حتى الساعة. لكن في ظل ازدواجية المعايير التي يطرحها الحزب لا بد من التذكير بقصة كان السيد أول مَن أخرجها للإعلام بلسانه وتقول إنه بعد انتهاء حرب تموز جاءه أحد الأمراء العرب الذي كانت تربطه به يومها علاقة أكثر من ممتازة قبل الثورة السورية وقال عنه يوماً إنه محل ثقة ليُخبره عن تورط بلد عربي شقيق بهذه الحرب وتآمره على «حزب الله»، لكن بعد فترة من الزمن عاد نصرالله ليصف الأمير الصديق بالكذب والخيانة وبالعمالة لإسرائيل لمجرد أنه وقف بوجه النظام السوري ودعمه للثورة.

ونفى نصرالله خلال الإطلالة أن تكون مقاومته ذات صبغة مذهبية واعتبر أن هناك محاولات لصبغها بهذا الطابع. وهنا لا بد من السؤال عن الأسماء أو العناصر الذين لا ينتمون الى مذهبية «المقاومة» الحالية فهل هناك فعلاً مقاومون مسيحيون أو سنة أو دروز ينضوون تحت عباءة «المقاومة» في جنوب لبنان اليوم؟. وعن قتل «داعش» لأبناء جلدته ألا يُذكر حديث السيد بقتل المقاومة لمقاومين أبطال ومفكرين لا مجال لذكر أسمائهم بهدف أحادية السيطرة على المقاومة في لبنان تمهيداً لبناء المشاريع الخاصة؟.

ومن جملة دفاعه عن «مقاومة» حزبه في مواجهة «المخططات» التي تستهدفها رأى أن هناك حملة واسعة تُشن على هذه المقاومة بهدف إحداث انشقاق بينها وبين اللبنانيين. اللبنانيون ليسوا بحاجة الى مَن يحرّضهم على المقاومة فالمقاومة على قدر عالٍ من لبس هذا الدور وكفيلة بالقيام بهذا الأمر يوم انقلبت على لبنانيتها ووجهت سلاحها الى الداخل فقتلت من قتلت واحتلت المؤسسات والساحات وانقلبت على الأعراف والدستور والعيش المشترك حتى أصبحت عبئاً ثقيلاً عليهم.

وفي محاولة منه لزرع الرعب في نفوس المسيحيين أفرد نصرالله مساحة واسعة في حديثه حول المذابح التي يرتكبها تنظيم «داعش» ودعوته لهم أن يتنبهوا من مخطط يجري إعداده لتهجيرهم من الشرق وقد يمتد الى لبنان. في هذه الحال لا بد من العودة الى العام 2000 يوم تحرر لبنان من الاحتلال الإسرائيلي يومها دعا نصرالله عناصره الى ذبح العناصر المتعاملة مع إسرائيل قائلاً بالحرف الواحد «اذبحوهم في فراشهم» وهي الكلمة الأساس التي أدت يومها الى فرار مئات العائلات من القرى الحدودية وتحديداً المسيحية منها باتجاه إسرائيل حتى بات هناك جيل إسرائيلي جديد من أصل لبناني.

أما في الشق الثاني أي دعوته المسيحيين الى التنبه لمؤامرة تهجيرهم، فقد ذكّر المتابعين بخطاب قديم للسيد يقول فيه: «كسروان وجبيل مناطق للمسلمين وقد جاءها المسيحيون غزاة وقد جاءت بهم الامبراطورية البيزنطية ليكونوا شوكة في الخاصرة».