بيار جبور/”فيني” والرفاق… والضربة الموجعة للسوريين عند جسر كور

1162

VENI والرفاق… والضربة الموجعة للسوريين عند جسر كور
بقلم بيار جبور/موقع القوات اللبنانية
21 شباط/15

http://www.lebanese-forces.com/2015/02/20/veni-kour/

إنها المقاومة اللبنانية التي قامت بواجباتها على كامل التراب الوطني فاندفع شيبها وشبابها ومراهقيها يدافعون دفاع الابطال عن بلداتهم ومدنهم من دون السؤال لماذا نحن، او القول هذه البلدات لا تعنينا.

بعد اقرار مجلس الوزراء في 28 حزيران 1978 خطة أمنية حددت بموجبها انتشار الجيش اللبناني من جسر المدفون شمالاً حتى بيروت جنوباً، على ان تتسلّم القوات السورية العاملة في ذلك الوقت تحت اسم “قوات الردع العربية” الامن شمالاً. وبعدها استدعت المقاومة اللبنانية مسؤوليها في منطقة البترون وأبلغتهم بسحب اسلحتهم الثقيلة والمتوسطة الى منطقة جبيل، كما تم سحب المقاتلين.

لكن السوريين واعوانهم بدأوا بتنفيذ مجازر خلال تقدمهم ومنها مجزرة وادي كفتون في 24 آب 1978 حيث كمن السوريون لثمانية  شبان وقتلوهم. بعد المكمن بدأ السوريون يسيّرون دوريات بحجة البحث عن المسلحين الذين كمنوا للشبان وبدأت التحرشات بالأهالي.

في 25 آب 1978 دخل السوريين عبر محورين الى منطقة البترون صعوداً من الساحل نحو وسط وجرد البترون. المحور الاول من أميون بأتجاه ديربلا وبساتين العصي، والمحور الثاني من تحوم عبر سمار جبيل نحو وسط جرد البترون. حيث نشبت بعض المناوشات الصغيرة بين السوريين والمقاومة اللبنانية وسقط للسوريين قتيل.

وهنا تبدأ قصتنا حيث يروي أحد المقاومين الاشاوس و يدعى VENI: “كنت في بيروت استمع الى نشرات الأخبار وأذا بملحق  إخباري فحواه أن القوات السورية تهاجم منطقة وسط البترون، فإذا بي اهرع الى صديقٍ لي يسكن معي في ذات البناء وهو من بلدة بترومين الكورانية وسألته هل سمع الأخبار وما هي معلوماته عن الهجوم الذي تتعرض له منطقة البترون الوسطى وهل يأتي معي الى “ميفوق” مركز قيادة الشمال في تلك الفترة في مدرسة ميفوق الكائنة في ساحة البلدة فوافق. وهكذا مررنا على رئيس قسم كوسبا الكتائبي وأخذناه معنا حيث كنت أنا المسؤول العسكري في ذلك الوقت للقسم.

وصلنا الى ميفوق بعد حوالى الساعتين من الوقت وبدأنا نسأل الموجودين في القيادة عن معلوماتهم عن الهجوم وكانت الاجوبة مختلفة نظراً لصعوبة الاتصالات واتساع بقعة العمليات. فجأة وصلت سيارة مسرعة بشكل جنوني، وتوقفت امامنا فعرفت سائقها انه أدمون صهيون المسؤول العسكري لمنطقة البترون وكان الدكتور جعجع عرّفني عليه في بشري منذ فترة غير بعيدة حيث بادرني: “VENI أين مجموعتك؟. سألته: لماذا؟ أجابني: ان بلدة “كور” تتعرض لهجوم من السوريين ونحن بحاجة الى كل عنصر يستطيع القتال. أجبته نحن ثلاثة. قال لي أجمع ما تستطيع من المقاتلين وأنا انتظرك في بلدة “بجدرفل”  قرب الكنيسة وهناك التقيت بصديق لي يدعى ميشال انطون من “قنات” ومعه مقاتلين، حيث ذهبنا سوياً والتقينا ادمون صهيون في كنيسة “بجدرفل” و شرح لي الوضع العسكري وبأن السوريين قد طوقوا بلدة “كور” التي يوجد فيها الاطفال والنساء والشيوخ. واردف قائلاً: انها قصة حياة او موت وعلينا ان نفعل شيئاً، “كنت ارسلت معك هؤلاء الشباب الذين معي” وكان معه مجموعة تعدادها حوالى الاربعين مقاتلاً مسلحين بالكامل، ولكن اوضح لي ان الشباب لم يذقوا طعم النوم منذ ثلاثة ايام وليسوا بكامل جهوزيتهم للمواجهة ولكن نحن بحاجة لعملية كومندوس لنخفف الزحف السوري ونأخره. استأذنته لخمس دقائق حيث قلت للآخرين الذين بمعيتي: “صحيح انها ليست بلدتنا ولكنّ هناك اطفالا ونساء مسيحيين يتعرضون للقتل، فكما كل ابناء المقاومة أتوا من مختلف المناطق اللبنانية ليساعدوا في تحرير شكا والكورة ها نحن هنا نرد لهم الجميل”.

شرح لي “صهيون” ان السوريين موجودون على “كواع عين عيّا” ومهمتك ضرب السوريين الذي هم في ذلك المكان وانسحابك الى الخطوط الصديقة (عرفت هذه العملية لاحقاً بأسم عملية جسر كور) حيث يتم فرملة الزحف السوري السريع. قلت له: “حسناً و لكن أنا غريب عن المنطقة لذا اريد “دالول” يعرف المنطقة. فإذا بأحد الصبية المقاومين تبرع بأن يدلنا على الطريق والتي يعرفها عن ظهر قلب انها مرتع صباه ولم يتصور يوماً أن آلة القتل الأسدي ستصل الى هنا. لم يكن لديَّ الخيار أذ انه الوحيد المتوفر، فقال لي أحد الموجدين العجزة ” هل انت مجنون، انها مهمة انتحارية لن يرجع منها أحد. أجبته: سيدة حماطورة معنا ولن تتركنا وحدنا يوم كنا في عز الصبا ولن تدعنا الآن. فصلبّنا يدنا على وجهنا وانطلقنا وقلنا ” يا سيدة حماطورة وابنك يسوع كونوا معنا”.

بعد حوالى نصف ساعة سيراً في الاحراج، قال لي “الدالول” هل رأيت نهاية  بساتين اشجار الزيتون هذه، هي “كواع عين عيا” في الاسفل”. قلت له: شكراً الآن يمكنك العودة. ولكنه أصر ورفض لذا ابقيته في المكان الذي سننطلق منه مجدداً نحو الهدف لأني لا استطيع ان اضمن له سلامته فوافق على مضض.     انحدرنا من التلة بوضعية الحذر، ولكن السوريين رأونا من التلال المتمركزين عليها و المشرفة على تلك المنطقة فأمطرونا بوابل من الصواريخ من المضادات وقذائف الهاون حيث أخذنا ملجأ للتدرء من الرصاص و القصف، أحد الرفاق المشاركين صارحني: “هل من المفيد أن نكمل المهمة؟”. أجبته: “نحن في منتصف الطريق أذ لم نكمل المهمة، هؤلاء المعترين في كور دمهم في رقبتنا الى الابد”. لذا قال لي: فلنكمل الطريق.

وهكذا زحفنا حوالى 500 متر الى الطريق الرئيسة حيث لم نعد مرئيين من العدو حتى نهاية بساتين الزيتون حيث اتضحت الصورة أكثر: السوريون في كل مكان  العسكر يستريح على الارض والآليات والسيارات الصغيرة وسيارة مدنية للقوميين وحلفائهم الآخرين. وفي الأجواء طائرات الهليكوبتر تحوم فوق المنطقة وهي تنزل القوات الخاصة على جبل كور. هنا بعد تقدير موقف سريع أشرت الى العناصر الخمسة الذين بمعيتي بالتحرك نحو الهدف لضرب الآليات بقذيفتي “ب 7″، و كانت المسافة الفاصلة حوالى الـ 600 متر اذ لم نستطع ان تقترب اكثر نظراً لجغرافية المكان. وأيضاً لتأمين طريق انسحاب آمن وهكذا أطلقت القذيفة الاولى واتبعتها بقذيفة ثانية اصبت بها شاحنة ذخيرة حيث فجرت، وبدء الرصاص يأز فوق رؤوسنا وهنا بدأنا بأطلاق الرصاص لتغطية انسحابنا من المنطقة المشرفة عليهم خوفاً من وجود قوات خاصة في الجوار.

قفلنا راجعين الى بلدة الدوق، حيث مررنا على “الدالول” الذي انتقل الى نقطة حددت له سابقاً وأخذناه معنا، وراح يصرخ فرحاً: لقد اصبحت الآن  رجلاً. عدنا الى ميفوق حيث قدمنا “ادمون صهيون” الى القيادات الحزبية حيث نلنا التهاني وهكذا اسفرت العملية عن فرملة الزحف السوري على كور. وبعدها قفلنا راجعين الى بيروت. اسفرت العملية عن عشرات القتلى والجرحى في صفوف السوريين الذين فرملوا الهجوم على كور خوفاً من التعرض لمكامن من قوات المقاومة اللبنانية.

الابطال هم من رسموا في قلوبهم خط المعركة، فلبوا النداء ودافعوا بقوة الايمان وبصلابة عن أرضهم وناسهم رغم التفاوت في العديد والعتاد، فسطروا البطولات المجيدة في وجه عدو غاشم آت من صحراء الجهل، عطش لدماء اللبنانيين جميعاً. لعل كتاباتي تنصف بعض منهم وهذا غيض من فيض.