نظام من تمثال/علي الحسيني

860


اضغط هنا لمشاهدة فيديو اسقاط تمثال حافظ الأسد في مدينة درعا السورية

https://www.youtube.com/watch?v=9flGn0y2_d0

نظام من تمثال
علي الحسيني
المستقبل
31.12.14
شكّل هدم تمثال الرئيس السوري السابق حافظ الاسد في محافظة درعا مع بداية الثورة السورية منعطفا جديدا في حياة السوريين الذين كسروا بعملهم هذا جدار خوف سكنهم لاكثر من خمسين عاما، كما شكّل تحوّلا مفصليّا في حركة الثورة السلمية في حينه قبل ان يستدرجها النظام الى ما هي عليه اليوم، حيث أدرك الشعب السوري كلّه ان من يحكمه ويتحكم بمفاصل حياته اليومية ليس سوى وهم من السهل انتزاعه فيما لو تحققت الارادة الجماعية.

مشهد اقتلاع أول تمثال لحافظ الاسد في سوريا على يد جموع من الاهالي الغاضبين في درعا مازال ماثلا في أذهان العالم عموما والسوريين خصوصا فهي اعطت الثورة زخما ودفعا الى الامام بحيث صار من المستحيل معها العودة عن المطالب المحقة او الإنكفاء الى الوراء حتى للو كلّفهم هذا الفعل مزيدا من أرواحهم. كما ان المشهد بحد ذاته اعاد بالشعوب الى العام 2003 يوم اقدم المواطن العراقي كاظم الجبوري مع مجموعة من رفاقه على هدم تمثال الرئيس العراقي الراحل صدام حسين في بغداد بعد دخول القوات الاميركية الى العراق. وفي كلتا الحالتين لم يكن هناك سوى معنى واحد لما حصل زوال انظمة البعث ونظريّاتها من الوجود.

من خلال القاء نظرة على مجمل الاحداث التي مرّت بها سوريا منذ استلام الرئيس الحالي بشار الاسد للسلطة عن طريق التوريث يتبيّن ان اقتلاع تمثال والده لم يكن اول الاعتراضات على طريقة حكم النظام البعثي للبلاد، فقد سبق هذا الفعل عملية مشابهة نوعا ما عندما اقدم ابن الثماني عشر عاما، المواطن الكردي فهد مجدل بنكو من بلدة عامودا في قضاء القامشلي، على كسر رأس تمثال الاسد الأب في قريته بمطرقة من حديد، واللافت في حينه ان من قام بتزويد الشاب بالمطرقة لم تكن سوى عجوز تسعينية تُدعى عينات قيل أن زوجها قُتل دهساً بسيارة تابعة لأحد مرافقي الاسد الأب وقد مُنعت مع عائلتها يومها من إقامة مراسم عزاء للزوج.

اليوم وبعد اكثر من خمسين عاما على بناء نظام آل الاسد يتبين للمواطن السوري تحديدا ان هذا النظام لم يكن سوى مجموعة من الاحجار توزعت على بناء القصور الفخمة والمنتجعات الخاصة والتماثيل العائدة لآل الأسد في محاولة لتخليد الأشخاص تصل في بعض الاحيان الى التقديس. وهذا ما روّج له نظام الأب من خلال مجموعات تُشبه شعراء البلاط وبعض المفكرين لإظهار الرئيس وكأنه المناضل الأوحد وصانع سوريا الحديثة ومُلهم الاجيال وبأنه الزعيم العربي الوحيد القادر على استعادة القدس من الصهاينة على غرار ما قام به صلاح الدين.

في محاولة منه لرفع مسؤولية عن الاسد الأب في ترهيب الشعب السوري يقول الكاتب والصحافي باتريك سيل إن الفضل في النقلة التي عرفتها حملة تعظيم الأسد الأب وترقيتها إلى مستوى التقديس تنسب إلى وزير إعلامه الشهير أحمد إسكندر أحمد الذي أدار الإعلام السوري منذ العام 1974 وحتى وفاته عام 1983. لكن بالطبع ان فكرة تعظيم الاسد هذه لم تكن لتلقى طريقها نحو التنفيذ لو لم يكن هناك قبول وترحيب من الأسد نفسه وهذا ما تدل عليه شعارات «القائد الخالد» التي أغرقت المدن السورية قبل رحيله وبعده.

وفي لمحة موجزة منذ بدء الثورة السورية يتبيّن أن أولى ردّات فعل الشعب السوري تجاه النظام الحاكم تمثلت بكسر تماثيل عائلة الاسد من الاب مرورا بنجله الراحل باسل وصولا الى الرئيس الحالي إضافة الى تحطيم الصور والمجسمات الحجرية التي تمثل العائلة الحاكمة والمشاريع التي قاموا بتنفيذها. وكدليل واضح على اهمية الحجر بالنسبة الى هذا النظام والفكر الذي انتجه حرق منزل رئيس شعبة الأمن السياسي رستم غزالي في بلدة قرفة بالقرب من مدينة الشيخ مسكين على يد أزلامه كي لا يُصبح غنيمة بيد المسلحين وهذا يُعيدنا بالذاكرة الى بداية الثورة يوم أقدم بعض الشبيحة التابعين للنظام على هدم تمثال في احد احياء دمشق كعمل استباقي من يقوم الثوار بذلك بأعتبار ان هدم الحجر بالنسبة اليهم يُعتبر من الكبائر اما قتل البشر فلا يتعدى كونه فعلا عاديا.

من المعروف ان النظام السوري ومنذ عهد الأب كان أفرد الى جانب العمل البلدي بعض الوظائف المخصصة للعناية بالتماثيل والاهتمام بها بشكل مستمر مع حراستها ومنع الاقتراب منها. وعلى سبيل المثال لا الحصر لا بد من التذكير ببلدة دير عطية في القلمون التي كانت تتواجد فيها فرقة من الجيش النظامي بقيادة العقيد مازن الكنج الذي جهد في الدفاع عن البلدة وأقام إتفاقا مع مع الثوار يضمن لهم سلامتهم مقابل الانسحاب منها مع العلم ان دير عطية لم تشكل موقعا استراتيجيا للنظام إنما كان يتواجد فيها اعلى تمثال لحافظ الاسد يبلغ ارتفاعه سبعة امتار وكانت القيادة السورية فرضت اوامر حاسمة على الكنج طالبته بإسترجاع دير عطية بأي ثمن.

وفي السياق نفسه ترد الكاتبة ليزا وادين في كتابها «السيطرة الغامضة» على تبرئة «سيل» للأسد في ما خص الشعارات والتماثيل والمجسمات التي شكلت نوعا من أشكال العبودية بحق المواطن السوري، فتقول «إن ما يبدو مهما في حملة تعظيم شخصية حافظ الأسد أنها استطاعت أن تحوّل الاهتمام من الحزب والسلطة إلى شخص الرئيس نفسه، فلا صورة تعلو على صورته، وحتى الشعارات والأفكار والمفاهيم التي سبقته بدت من صنعه ومن لدنه«. وتضيف أن بين نظامي الأب والابن تغيرت شعارات «المقاومة» ولم يتغير محتواها ففي عهد الأب كانت هناك شعارات «الصمود والتصدي» و»التوازن الإستراتيجي» مع إسرائيل، الذي لم يتحقق قط، فيما تميز عهد ابنه في شعار «الممانعة».