الكاتب والمخرج يوسف ي. الخوري/رسالة تثقيفية في التاريخ، وتوعوية ولبنانوية للسيد سليمان فرنجية: سأحدّثك يا سليمان بيّك عن جدّك سليمان الفخامة

767

رسالة تثقيفية في التاريخ، وتوعوية ولبنانوية للسيد سليمان فرنجية: سأحدّثك يا سليمان بيّك عن جدّك سليمان الفخامة…

وليشهد على كلامي التاريخ، لا قيامة للبنان إلّا بانتهاج فكر الجبهة اللبنانيّة، وبالتزام قيمها الإنسانيّة والوطنيّة، وبالاقتداء بصلابتها في مواجهة الأزمات والمحن.

سأحدّثك عن جدّك سليمان الفخامة…
الكاتب والمخرج يوسف ي. الخوري/16 حزيران/2022

سليمان بَيك، أو “سليمِى”، كما اعتاد الزغرتاويون مناداتك، لطالما حسدتك على الشهامة والنبل اللذَين تتمتّع بهما، بالرغم من انعدام تقديري لخطّك السياسي. أتذكّرك يوم التقيتَ بالصدفة على درج بكركي بـستريدا جعجع واستدرتَ لإلقاء التحيّة عليها. وأتذكّر أوّل مرّة صافحتَ فيها نديم الجميّل أمام مقرّ البرلمان. ويوم تصالحت مع سمير جعجع، انهمرت دموعي، وقلت لزوجتي الجالسة بقربي: “قلّةٌ هم الذين يتمتّعون بنعمة المسامحة كَـسليمان، وأنا أعتقد أنّ الروح القدس يفعل فعله في هذا الرجل”.

بالأمس، في الذكرى الرابعة والأربعين لمجزرة إهدن، عُدتَ تنبشُ مآسي الماضي وكأنّك سليمان بَيك آخر، غير ذاك الذي تميّز بتعاليه على الجراح الشخصيّة خِدمةً لمَصلحة الجماعة الكبيرة ولِـلمّ الشمل. هذا التبدّل المُفاجئ في موقفك يعنيك وحدك ولا أتوقّف عنده. أمّا الأسباب التي تدّعي أنّها أدّت إلى حصول المجزرة، فهي غير صحيحة ولا يجوز تركها تمرّ، خصوصًا أنّها مُضلّلة وتُسيء إلى الجبهة اللبنانيّة.

الخلاف بين لواء المردة وحزب الكتائب، حينذاك عام 1978، كان خلافًا على تقاسم الخوّات من معامل الإسمنت في شكّا، ولا علاقة له بما تزعم أنّه كان صراعًا داخل الجبهة اللبنانيّة بين أعضاء انعزاليين تقسيميين وآخرين مع الصيغة وميثاق العيش المشترك. إذا كنتَ تلمّح بأنّ الكتائب هم التقسيميون والانعزاليون، وأنّ جدّك سليمان الفخامة هو المتمسّك بالصيغة، فلتعلم أنّ العكس هو الصحيح، إذ خلال اجتماع الجبهة في سيّدة البير بتاريخ 22/1/1977، أراد الأعضاء، وعلى رأسهم جدّك، التصويت على إقامة نوع من الحكم الذاتي للمناطق المسيحية، والمفارقة كانت أنّ الشيخ بيار الجميل هو مَن رفض الفكرة برمّتها، وأطاح بالتصويت. من يومها سقط مشروع الحكم الذاتي نهائيًّا عن طاولة الجبهة.

لست هنا اليوم لتبرير أفعال حزب الكتائب أو الدفاع عنه، فهذا الحزب أحلَّ ببلدتي الصفرا مآسي وويلات أفظع من تلك التي ارتكبها في إهدن، أمّا الجبهة اللبنانيّة فمِن حقّ رجالاتها علينا أن نحفظ ذكراهم، وأن نقتدي بأفعالهم الوطنية دفاعًا عن سيادة لبنان، وأن نقطع دابر الأكاذيب والإشاعات المُسيئة لدورهم الذي لولاه لَمَا كنّا اليوم هَهُنا، ولَمَا كان لبنان.

مصادر عدّة، ومرجعيّات مختلفة التقيتُها، تؤكّد يا سليمان بيك، أنّ جدّك سليمان الفخامة كان من المؤيّدين لإقامة منطقة حكم ذاتي للمسيحيين. هل كان جدّك غير وطني؟ معاذ الله! هل كان مبادرًا في موضوع التقسيم؟ لا وألف لا! هل كان مقتنعًا بهذا الطرح؟ أجزم بأنّه في وقت من الأوقات، ما كان بيده حيلة تُثنيه عن هكذا طرح!

ماذا كان جدّك، فخامة الرئيس، ليفعل أمام هجمة المخرّب ياسر عرفات الذي، في اتّصال هاتفي رصده جهاز التنصّت في شعبة المخابرات، قال لصائب سلام: “إذا كان طوني وصونيا يُريدان الاحتفاظ بجزء من البلاد، فلا يهمّ، وسيكون الباقي لنا ولكم…”، وفي الاتّصال نفسه هدّد عرفات بأن “الدماء ستجري للركب في بيروت”.

ماذا كان جدّك الرئيس ليفعل حين أعلنت “الجبهة المساندة للمقاومة الفلسطينيّة”، بقيادة كمال جنبلاط، عن قرارها “عزل حزب الكتائب سياسيًّا في العالم العربي ومقاطعته اقتصاديًّا وماليًّا” بهدف إضعاف المسيحيين لأنّهم كانوا عائقًا في وجه الفلسطينيين وحلفائهم السنّة واليساريين ممَّن أرادوا تخريب لبنان والنيل من سيادته!؟ قبل أن تحكم سليمان بيك، عليك أن تعرف أنّ جبهة المساندة هذه قوامها 23 (ثلاثة وعشرون) حزبًا وتجمّعًا عربيًّا ويساريًّا، ومدعومة من حركة “فتح” الفلسطينيّة.

ماذا كان جدّك ليفعل حين حمّل رشيد الصلح، في بيان استقالة حكومته، حزبَ الكتائب وحدَه المسؤوليّة عن حادثة بوسطة عين الرمانة، وجدُّك يعرف أنّ اتّهام الصلح المباشر للكتائب هدفه إرضاء كمال جنبلاط والأحزاب اليساريّة، والفعاليّات السياسيّة السنّيّة، والفلسطينيين، كما هدفه الدفع أكثر في اتّجاه عزل الكتائب وإضعاف المسيحيين؟

ماذا كان جدّك ليفعل حين انكشفت حقيقة موسى الصدر، رجل الدين الشيعي الذي راهنت النخب المسيحيّة على اعتداله، والذي مع اندلاع الحرب في نيسان 1975، أضرب عن الطعام، أمام وسائل الإعلام، احتجاجًا على أعمال العنف التي بدأت تجتاح البلاد، بينما في الخفاء كان قد أسّس ميليشيا شيعية مسلّحة تتولّى “فتح” تدريب أفرادها في منطقة بعلبك!!؟ ولأكون أكثر دقّة، هذه الميليشيا هي “حركة أمل”، التي من رحمها خرجت “أمل الإسلاميّة” (حزب الله)، ومن رحمهما خرج “خطّ الممانعة” الذي تتباهى أنت وجبران باسيل بانتمائكما إليه.

ماذا كان جدّك ليفعل يا سليمان بَيك، حين طلع علينا وقتئذ، صيف العام 1975، مدير عام دار الإفتاء حسين القوّتلي، بنظريّته لوقف التدهور في لبنان، قائلًا: “إنّ إعادة التوازن وتحقيق المساواة يتّمان بتنازل المسيحيين عن امتيازاتهم في الدولة وإحلال “الحكم الوطني” محلّها، وهذا يشكّل حلّاً وسطًا فقط، ويبقى الحلّ الأساسي بإنشاء دولة إسلاميّة”!!؟ لا تقل لي سليمان بَيك أين يُصرف كلام القوّتلي الأخير، فنحن اليوم، مع حليفك حزب الله، على الدرب نفسه سائرون.
سليمان بَيك،
مَن تتّهمهم بالانعزاليين، بقيَ جدّك سليمان الفخامة يترأّس اجتماعات جبهتهم اللبنانيّة حتّى الأسبوع الأخير قبل حادثة إهدن المشؤومة. هم لم يكونوا انعزاليين، بل أراد كمال جنبلاط، وشلّة اليسار الحاقدين، والفلسطينيون، عزلهم لتعرِيَة المسيحيين، كما أرادوا عزل جدّك الرئيس في قصره ببعبدا لدفعه إلى الاستقالة، لكنّه صمد كالسنديانة الصلبة لا يُحنيه انقلاب العميد الأحدب التلفزيوني، ولا الجبهات العسكريّة التي أُشعلت حول زغرتا، ولا مدفعيّة الرائد حسين عوّاد التي استهدفت مقرّه الرئاسي. أتعرف يا سليمان بَيك أنّ هؤلاء “الانعزاليين” كانوا يومذاك السند الوحيد لجدّك في وجه كلّ ما كان يُحاك ضدّ عهده؟
وعن قولك إنّ حزب الله لا يحتاج للمردة وللعونيين لتغطيته، فهذا صحيح لأنّ الحزب تكفيه التغطية التي يحظى بها من الإسرائيليين، لكن هذا لا يمنع أنّك وجبران مطيّة إضافيّة يتّخذها الحزب لتلميع صورته، على غرار ما فعله ياسر عرفات مع الأحزاب المسيحيّة الداعمة للمخرّبين الفلسطينيين كـَ “جبهة المسيحيين الوطنيين” التي كان يرأسها ابن عمّ والدك سمير فرنجيّة.

تتكلّم سليمان بَيك عن أعضاء في الجبهة اللبنانيّة تعاملوا مع إسرائيل، وكأنّ تاريخهم مُخجل ويمنع عليهم التفاعل مع خطّكم العروبي. لا اعرف إذا بقي مكان لهذه الأحكام بعد الانفتاح السائد اليوم في المنطقة بين العرب والإسرائيليين، مع العلم بأنّي لا أرى أنّ خطّكم الممانع يتّصل بالعرب والعروبة أكثر من الإسرائيليين.

في موضوع علاقة أعضاء من الجبهة اللبنانية مع إسرائيل، أعذرني إذا قلت أنّ جدّك كان يعلم وما كان يخجل! فهو مَن أرسل سعد حدّاد إلى الجنوب وبمذكّرة رسميّة. وهو مَن سمح بالتنسيق مع الإسرائيليين شرط عدم توقيع أيّة معاهدة رسميّة معهم. وهو مَن قال مِن دون تردّد للرئيس السوري حافظ الأسد “لو كنت مكان سعد حدّاد لفعلتُ أكثر منه”!

وبالمناسبة، آخر عشاء تناوله والدك المرحوم طوني بَيك في بيروت، قبل حادثة إهدن، كان مع إتيان صقر، أبو أرز. وأبو أرز استمر لسنوات، بعد الحادثة، حلقة الوصل بين الجبهة اللبنانيّة وجدّك. “وفهمك كفايي”.

سليمان بَيك،
من حقك أن تسامح ومن حقّك ألّا تنسى، لكن ايضًا لا تنسى أنّ الرئيس سليمان فرنجيّة، جدّك، هو عماد الجبهة اللبنانيّة، وهو أوّل مَن سهّل تسليح أحزابها لمقاومة المتآمرين على لبنان الذين، على ما يبدو، سامحتهم ونسيت أفعالهم! وليشهد على كلامي التاريخ، لا قيامة للبنان إلّا بانتهاج فكر الجبهة اللبنانيّة، وبالتزام قيمها الإنسانيّة والوطنيّة، وبالاقتداء بصلابتها في مواجهة الأزمات والمحن.
رحم الله شهداء مجزرة إهدن.

(نُشِرت اليوم على موقع الكلمة أونلاين)
https://www.alkalimaonline.com/news.aspx?id=650828