د. ميشال الشماعي/الأب جوزف قزّي… آخر القلّة الباقية من لجنة بحوث الكسليك

42

الأب جوزف قزّي… آخر القلّة الباقية من لجنة بحوث الكسليك
د. ميشال الشماعي/نداء الوطن/11 حزيران/2022

الثلاثاء في 30 أيّار 2022، رحل الأب جوزف قزّي بصمت النسّاك والمتبحّرين. تاركاً وراءه أجيالاً من المثقفين والمتنوّرين الذين استناروا بفكره الحرّ. استطاع أن يقرأ المستقبل الغامض، لأنّه يؤمن بقدرة الروح على كشف الحقيقة خدمة للوطن والحرّيّة والإنسان. لقد كان «مِلفاناً» مارونيّاً عن حقّ.
ترهّب في «قلّاية» الفكر والحرف و»الكلمة» وصار رمزاً من رموز القضيّة اللبنانيّة التي كرّس لها فكره، ونذر لها حياته، وشكّل في سبعينات القرن الماضي خماسيّة فكريّة مع كلّ من هنري كريمونا، وبول فارس، وميشال عوّاد الذين رحلوا كلّهم في هذا العام، تاركين أنطوان نجم الشاهد الأخير على تراث لجنة البحوث الحضاريّة والتاريخيّة في جامعة الروح القدس الكسليك.

حمل الأب قزّي في حياته الرهبانيّة شعار «أنتِج فكراً» وعمل به طوال سِنيه الـ85 التي عاشها تاركاً أكثر من أربعين مؤلَّفاً لعلّ أبرزها كتاب «تبرئة الله» الصادر العام 2013، كما تناول الحياة الرهبانيّة في الكثير من مؤلّفاته، وعدّة دراسات مقارنة بين المسيحيّة والإسلام، باسمه وبأسماء مستعارة، الأحبّ منها إلى قلبه كان اسم «أبو موسى الحريري». هذا الاسم الذي أوجده لأنّه من بلدة الجيّة الشوفيّة الساحليّة من «جبّ» أبو موسى من آل قزّي. وبما أنّ الحرير هو من نتاج دودة القزّ اختار تسمية «أبو موسى الحريري». وقليلون الذين يعرفون أصول هذه التسمية التي ابتدعها.

فعلى ما قال عنه أحد الآباء الذين رافقوه: «لقد كان مقاوماً بالفكر»، وهو الذي كان يؤمن بأنّ لكلّ إنسان قدرة على المقاومة في المجال الذي أعطاه إيّاه الرّبّ، ومجاله هو كان الفكر. جعل من يراعه سيفاً فكريّاً مصلتاً غاص فيه إلى الأعماق. هو الذي حمل الحنين في قلبه إلى بحر الجيّة وأكلِ سمكِه، ورأى فيه اتّساع الأفق وانفتاحه على الحرّيّة. ولقد كان يهرب في أيّام شبابه في جامعة الروح القدس مغامراً في بساتين الليمون ليصل إلى البحر فيسبح هناك مستذكراً بحر بلدته «الجيّة». إلا أنّ الموت غفله ولم يستطع تحقيق أمنيته بزيارته قبل مماته».

هو صاحب مقولة النذر الرابع حيث من المتعارف عليه في القوانين الرهبانية أنّ الراهب يبرز ثلاثة نذور: الفقر والطاعة والعفّة. أمّا النذر الرابع الذي أضافه الأب قزّي في حياته الرهبانية فهو نذر «الوقت». فهو رأى ضرورة أن يكون الراهب منتِجاً إضافةً إلى كونه مصلّيّاً ومتبحّراً في الحبّ الإلهي. وهو الذي رأى أنّ القضيّة اللبنانيّة يجب أن تبقى حيّة من جيل إلى جيل ليبقى لنا لبنان. وهذا ما حاول أن يقوم به طوال حياته انطلاقاً من كشفه العقيدة والتاريخ والإنسان.

وقد أعاد الأباتي نعمة الله الهاشم، رئيس عام الرهبانية اللبنانية المارونية، التذكير بالصورة التي رسمها الأب قزّي للحياة الرهبانيّة: «إن إلغيت، تتفاقم على العالم خطيئته وتتخربط نسبة الخير والشرّ فيه، يتآكله الجشع إلى الشهوات،… تزول المجّانيّة من الكون… ويزول كلّ اهتمام بالفقراء والمساكين والمرضى، ويستبد الناس بعضهم ببعض، فتغدو الكنيسة فاترة لا شهادة فيها… وتخبو حرارة القداسة». وجاء هذا الكلام في رثائه في كلمة ألقاها قدس الأب العام في دير سيّدة النصر- نسبيه، غوسطا، الأربعاء 1 حزيران 2022.

أمّا الحيّ الباقي من خماسيّة البحوث الفكريّة التي حضنتها جامعة الروح القدس – الكسليك – فهو المفكّر أنطوان نجم الذي كان لـ»نداء الوطن» حديث معه عن الأب جوزف قزّي قال فيه: «إنّه إنسان صادق وصدوق، يسمح لك بأن تشعر بمحبته متى أحبّك. انتشرت كتبه عن الفكر الإسلامي التي أصدرها خلال الأحداث اللبنانية في العالم كلّه. قليل الكلام لا يقول إلا الكلمة الحرّة. وككلّ الرهبانية اللبنانية المارونية التي شكّلت أهم سند فكري وعمليّ للقضية اللبنانية، لا سيما في سبعينات القرن الماضي، حيث برز دور الرهبان بالمساعدات وبالتواصل، شكّل أبونا جوزف ركناً من أركان المقاومة الفكريّة بالقلم. مسيحيّ حقيقيّ، لم يقبل الانفصال في لبنان عن القاعدة الدينيّة يوماً، لكن أراد أن يكون لبنان قائماً على قواعد تريح الحضارتين الدينيّتين فيه».

ومن أبرز الذين تتلمذوا على يده النائب الدّكتور أنطوان حبشي الذي قال عنه لـ»نداء الوطن»: «إنّه اللاهوتي والإنساني، هاجسه التفتيش عن الحقيقة»، فجوهر هذا الفكر كان يظهره في منشوراته كلّها تحت عنوان: «سلسلة الحقيقة الصعبة»، ومن هذا الباب ولج فكر القضية اللبنانية. في البعد اللاهوتي عندما كان يبحث الأب جوزف عن الله لم يجده بمفهوم الإله المطلق؛ وليصل إليه، كان يفتّش عنه بوجه المسيح الإله والإنسان.

أمّا في البعد السياسي – الوطني واللبناني – الكياني فمحاولته البحث بموضوعيّة عن حقيقة الآخر المختلف بهدف البحث عن القواسم المشترَكَة. وهذا ما تقوم عليه القضيّة اللبنانيّة التي واكبها في زمن السلم كما في زمن الحرب. وهذا ما حتّم عليه من دون خجلٍ أو وجلٍ إعلان هويّته والاعتراف بهويّة الآخر المختلِف داخل المجتمع اللبناني.

وما ميّز الأب قزّي أنّه نجح بنقل ما يؤمن به نظريّاً إلى حيّز التطبيق الواقعي عبر تأثيره في فكر المقاومة اللبنانيّة، وذلك من خلال المحاضرات والندوات واللقاءات والكتيّبات والكتب التي تسمح بنشر هذا الفكر، حيث أصبح منارة للأجيال التي حملت القضيّة اللبنانيّة بهدف المحافظة على الكيانيّة اللبنانيّة وجوهر الوطن اللبناني، وطناً تعدّديّاً ورسالة سلام.