أمير طاهري: المرض العضال الذي جلبه بوتين/Amir Taheri: The ‘Disease’ Putin Brought Back

31

The ‘Disease’ Putin Brought Back
Amir Taheri/Asharq Al Awsat/June 10/2022

المرض العضال الذي جلبه بوتين
أمير طاهري/الشرق الأوسط/الجمعة 10 حزيران 2022
«لستُ روسياً!» تلك هي العبارة الممهورة على قميص «تي شيرت» جديد يُقال إنه يُباع بكثرة مثل الكعك الساخن في قازان، عاصمة جمهورية تتارستان الذاتية الحكم. وهناك نسخة مماثلة تحمل عبارة «أنا لستً روسياً، أحبني!» وتُحقق مبيعات جيدة في أوفا، عاصمة باشكورتوستان، وهي جمهورية أخرى تتمتع بالحكم الذاتي داخل الاتحاد الروسي. الرسالة التي يرغب صانعو هذه القمصان في نشرها أن العملية العسكرية التي شنها فلاديمير بوتين قد تحظى بدعم الأغلبية الروسية لكنها لا ينبغي أن تؤدي إلى كراهية عالمية للدول الأخرى داخل الاتحاد الروسي الكبير. تنتقل الرسالة نفسها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كما ينقلها عدد متزايد من المواطنين الروس الإثنيين داخل الاتحاد ممن يسعون إلى المأوى حالياً -على الأقل مؤقتاً- في تركيا، وإسرائيل، والإمارات العربية المتحدة. لا أحد يدري كيف قد تنتهي مغامرة أوكرانيا بالنسبة لبوتين. ولكن مهما بلغت نهايتها فقد تؤثر على التدابير الحساسة -وربما الهشة- التي اتُّخذت بين «بلدان» الاتحاد السوفياتي في أعقاب انهيار الإمبراطورية السوفياتية. النصر الواضح من شأنه أن يعيد إشعال رماد القومية الروسية الملتهبة، أو «الشوفينية الروسية العظمى» كما وصفها لينين. وقد حذر بوتين ذاته من عودة هذا «الوحش» في غير مناسبة، حيث يصور القومية بوصفها «مرضاً». وطبقاً لبوتين، فإن سقوط الاتحاد السوفياتي دفع البلاد إلى «حافة الحرب الأهلية»، الأمر الذي نجح الرئيس بوريس يلتسين في التعامل معه عبر سلسلة من التنازلات مع «البلدان» التي ظلت ضمن الاتحاد الجديد. كما قد تؤدي الهزيمة -أو حتى التعادل في أوكرانيا- إلى تأجيج نيران الانتقام الروسي، الأمر الذي من شأنه أن يؤثر مرة أخرى على انسجام الاتحاد الروسي المتعدد الجنسيات.
لكن، ماذا نعني عندما نتكلم عن «البلدان» في الاتحاد الروسي؟
يقدم الأدب الروسي الرسمي صورة مثيرة للحيرة. فمن جهة، يتحدث عن 120 «مجموعة عرقية» و100 لغة مختلفة. ومن جهة أخرى، يذكر أن الروس يشكلون 77 في المائة من مجموع السكان. ومع ذلك، فإن عدد المجموعات العرقية البالغ 120 مجموعة هو من بقايا الوقت الذي كان فيه جوزيف ستالين هو «المفوض الشعبي للقوميات»، باحثاً عن «الأمم» و«الإثنيات» في كل ركن من أركان الإمبراطورية، ويخترع البعض منها أحياناً؛ إذ كان الهدف هو إدامة الزعم بأنه في بلد بمثل هذا التنوع القومي والعرقي، لا يمكن إلا للتضامن الطبقي -ديكتاتورية البروليتاريا- أن تجمع المواطنين معاً. الأرقام التي تبين أن الإثنيات الروسية تمثّل أغلبية بنسبة 77 في المائة قد تكون مضللة لأنها تستند إلى دراسات استقصائية يُطلب فيها من الناس ذكر «لغتهم الأولى»، ومن ثم فإن الملايين من الروس غير المنتمين إلى عرقية بعينها، والذين تبنوا اللغة الروسية كلغتهم الأساسية، مشمولون بهذا الرقم. وبدأت عملية تحويل الرعايا غير الروس إلى الجنسية الروسية تحت حكم القياصرة، ثم تكثفت خلال الحقبة السوفياتية. ولم يشكك أحد في الطبيعة الروسية للروائي نيكولاي غوغول، أو الشاعرة آنا أخماتوفا أو الشاعر أوسيب ماندلستام، ناهيكم عن الزعيم نيكيتا خروشوف أو أنستاس ميكويان، الرئيس الأسبق لمجلس السوفيات الأعلى. ومع اختفاء ديكتاتورية البروليتاريا بوصفها رابطة آيديولوجية، كان يلتسين ثم بوتين يتطلعان إلى اللغة والثقافة الروسية في مواجهة الشوفينية الروسية العظمى التي روّجت لها شخصيات أمثال السياسي الراحل فلاديمير جيرينوفسكي، والتي كانت بمثابة الغراء المحافظ على تماسك الإمبراطورية السوفياتية البائدة.
قُرب نهاية الحقبة السوفياتية، نصح ألكسندر سولجينتسين -الكاتب الكبير الذي كان أيضاً من أتباع الشوفينية في روسيا- السلطات المقبلة في موسكو بالتخلي عن الأقليات والأعراق حتى يتسنى لروسيا الجديدة «النقية» استئناف مهمتها المقدسة بعيداً عن الأعباء الآسيوية الثقيلة.
وكتب سولجينتسين يقول: «إذا لم نُفلح في استيعابهم روسيّاً بعد مرور قرنين من الزمان، فلا أرى أننا سوف نُفلح في ذلك أبداً».
أما خصم بوتين الأكثر شهرة المعارض أليكسي نافالني، فنراه يعزف لحناً مماثلاً بتأكيد الهوية الأوروبية لروسيا. أما يلتسين فقد نجح في تهدئة التوترات العرقية في إبرام عدد من المعاهدات مع أكبر الجمهوريات «المستقلة ذاتياً». وكانت المعاهدات من ثلاثة أنواع؛ أهمها معاهدة 1994 مع جمهورية تتارستان، التي منحت الجمهورية القارية وضعاً قريباً من الاستقلال. وبموجبها، تملك حكومة قازان الحق في إقامة علاقات خارجية خاصة بها، وإنشاء مصرفها الوطني الخاص، ووضع قواعدها الخاصة للمواطنة. وقد استغل الرئيس آنذاك منتيمير شايمييف هذا البند الأخير لحرمان عدد كبير من التتار غير الإثنيين من التمتع بجنسية جمهوريته. كما أُبرمت معاهدات مماثلة، وإنْ كانت مع نقل محدود للسلطة من موسكو، مع جمهورية باشكورتوستان، ثاني أكبر جمهورية ذات أغلبية مسلمة في الاتحاد الروسي بعد تتارستان، وجمهورية ساخا ياقوتيا في الشرق الأقصى. كما ألغى بوتين معاهدة مماثلة وُقعت مع الشيشان في عهد يلتسين، مما أشعل حرباً استمرت أكثر من عقد من الزمان. أما النوع الثاني من المعاهدات، التي تتجنب القضايا السياسية وتركز على «التعاون الاقتصادي»، فقد عُرضت على عدد من الأقاليم (المقاطعات)، لا سيما كالينينغراد، وهي جيب يُطل على بحر البلطيق، وأورنبورغ، وسفيردلوفسك، وكراسنر كراي.
أما النوع الثالث من المعاهدات الموقعة مع جمهورية أوسيتيا الشمالية – ألانيا، وكذلك جمهورية قبردينو – بلقاريا، فقد ركزت بصورة شبه حصرية على القضايا الأمنية والعسكرية.
وتعرضت جميع هذه المعاهدات لضغوط لفترة من الزمن؛ إذ في تاتارستان، إبان عهد الرئيس رستم مينيخانوف، طالبت الجمهورية بتحسين تقاسم ثروة الاتحاد، وبمزيد من الاستقلال المالي في الخطاب السياسي. ومن المحتمل للتكاليف الهائلة للحرب الروسية – الأوكرانية أن تُسفر عن تضخيم مثل هذه المطالب. وفي مواضع أخرى، مثل داغستان وأنغوشيا، لم يعد من الممكن إسكات المطالبات بأدوار أكبر للثقافات والأديان واللغات المحلية. كما تواجه وصفة بوتين للغة الروسية وثقافتها -بوصفها الضامن للوحدة في الاتحاد الروسي- تحديات في شبه جزيرة القرم المنضمة حديثاً، على الأقل من التتار، وفي أوسيتيا الجنوبية كذلك من القوميات الإيرانية. ورغم أن غير الروس يمثلون نسبة غير متناسبة من القوة القتالية في دونباس، فمن المشكوك فيه أن ترغب بلدان الأقلية بالاتحاد الروسي في البقاء مع الجانب المنهزم إذا خُسرت الحرب الأوكرانية.
هل يخلق ضم إقليم دونباس مصدراً جديداً للتوتر العرقي واللغوي في الاتحاد؟ تواجه روسيا مصدراً محتملاً آخر للتوتر العرقي، إثر وجود ما بين 3 و4 ملايين صيني ونحو مليون كوري شمالي من «العاملين المتعاقدين» -خصوصاً في سيبيريا والشرق الأقصى- والذين يشكل وجودهم أهمية اقتصادية بالغة، ولكنهم لا يحظون بشعبية سياسية بين المجموعات العرقية الأصلية. ومن المتوقع لتراجع التركيبة السكانية في روسيا أن يتسارع مع الركود المحتمل في مرحلة ما بعد الحرب والتأثير الدائم للعقوبات، ويشكل بذاته تحدياً استراتيجياً لا يستطيع بوتين -على الرغم من تفاخره- أن يتجاهله.
وإذا كان النازيون -من قبل- قد شنوا حروبهم للاستيلاء على «مساحة المعيشة» (أو المجال الحيوي) لتعزيز الزخم السكاني، فقد اجتاح بوتين جورجيا، والآن أوكرانيا، بحثاً عن أقارب ومعارف حقيقيين أو متوهَّمين بُغية تعزيز مكانة روسيا بوصفها أمة ذات أغلبية في الاتحاد الروسي. ويمكن أن يؤدي ذلك إلى تأجيج نيران الشوفينية العرقية والوطنية بين 23 في المائة ممن يشكّلون الأقليات في الاتحاد. كان حرياً بفلاديمير بوتين -وكما تقتضي الحكمة- أن يركّز على استراتيجيته في استخدام الثقافة الروسية وازدهار ما بعد العصر السوفياتي كوسيلة لتعزيز تماسك الاتحاد الروسي. لكنّ الشروع في عملية عسكرية لا تُقدم أي مكاسب واضحة ربما يكون قد أيقظ النزعة القومية والأممية المصغرة، التي أطلق عليها بنفسه اسم «المرض» من قبل.

The ‘Disease’ Putin Brought Back
Amir Taheri/Asharq Al Awsat/June 10/2022
“I am not Russian!” This is the message on a new T-shirt that it is reportedly selling like hot cake in Kazan, capital of the autonomous Republic of Tatarstan. A different version, bearing the slogan “I am not Russian, Love me!” is doing well in Ufa, capital of Bashkortostan, another autonomous republic within the Russian Federation.
The message the makers and wearers of the T-shirts wish to pass is that Vladimir Putin’s war may have the support of the Russian majority but should not lead to universal dislike of “other nations” within the sprawling federation.
The same message is relayed through social media and by a growing number of ethnic Russian citizens of the federation now seeking shelter, at least temporarily, in Turkey, Israel and the United Arab Emirates.
No one knows how the Ukraine adventure might end for Putin. But, no matter how it ends, it could affect the delicate, not to say fragile, modus vivendi forged in the wake of the collapse of the Soviet Empire among the “nations” of the federation.
A clear victory could rekindle the smoldering ashes of Russian nationalism, or “the Great Russian Chauvinism” as Lenin described it. Putin himself has warned against the return of that “monster” on a number of occasions, depicting nationalism as “a disease.”
According to Putin, the fall of the USSR pushed the country “to the edge of civil war” something that President Boris Yeltsin managed to deal with through a series of compromises with the “nations” that remained in the newly minted federation.
A defeat or even a draw in Ukraine could also reignite the flames of Russian revanchisme, again affecting harmony of the multi-national federation.
But what do we mean when we talk of “nations” in the Russian federation?
Official Russian literature offers a confusing picture. On the one hand it talks of 120 “ethnic groups” and 100 different languages. On the other it states that Russians account for 77 percent of the total population.
However, the figure of 120 ethnic groups is a relic of the time when Josef Stalin was People’s Commissar for Nationalities, searching for “nations” and “ethnicities” in every corner of the empire and at times inventing some The aim was to sustain the claim that in a country with such national and ethnic diversity only class solidarity, the dictatorship of proletariat, could bind citizens together.
Figures that show ethnic Russians as a 77 percent majority may be misleading because it is based on surveys in which people are asked to name their “first language”. Thus millions of non-ethnic Russians who have adopted Russian as their primary language are included in that figure.
The Russification of non-Russian subjects started under the Tsars and intensified during the Soviet era. No one questioned the Russian-ness of Gogol, Anna Akhmatova or Mandelstam, let alone Nikita Khrushchev or Anastas Mikoyan.
With the disappearance of the Dictatorship of Proletariat as an ideological binding, Yeltsin and then Putin looked to Russian language and culture to counter the Great Russian chauvinism peddled by people like Zhirinovsky and serve as the glue to keep the post-Soviet empire together.
Towards the end of the Soviet era, Alexander Solzhenitsyn, a great writer but also a Great Russian Chauvinist, advised the future authorities in Moscow to let go of minority nations and ethnicities so that a new pure Russia could resume its divine mission free of its Asiatic burden.
He wrote: If we have not succeeded in Russifying them after 200 years, we never shall.
Putin’s best-known opponent Alexei Navalny plays a similar tune by emphasizing Russia’s European identity.
Yeltsin succeeded in calming ethnic tensions by concluding a number of treaties with the largest “autonomous” republics.
These were of three types.
The most significant was the 1994 treaty with Tatarstan that gave the landlocked republic a status close to independence. Under it the government in Kazan has the right to forge its own foreign relations, establish its own national bank and set its own rules for citizenship. That last item was used by the then President Mintimir Shaimiev to deprive a large number of non-ethnic Tatars from citizenship of his republic.
Similar treaties, albeit with more limited transfer of power from Moscow, were signed with Bashkortostan, the federation’s second largest Muslim-majority republic after Tatarstan, and Sakha-Yaqutia in the Far East. A similar treaty signed with Chechnya under Yeltsin was annulled by Putin, igniting a war that lasted over a decade.
The second type of treaties, avoiding political issues and concentrating on “economic cooperation” was offered to a number of Oblasts (provinces) notably Kaliningrad, an enclave on the Baltic Sea, Orenburg, Sverdlovsk and Krasner Krai.
The third type of treaties signed with North-Ossetia-Alania and Kabardino-Balkar focused almost exclusively on military-security issues.
All those treaties have been under pressure for some time.
In Tatarstan under President Rustam Minikhanov demands for a better sharing of the wealth of the federation and greater fiscal independence is featuring in political discourse. The huge cost of the war in Ukraine is bound to amplify such demands.
Elsewhere, such as in Dagestan and Ingushetia demands for greater roles for local cultures, religions and languages can no longer be silenced.
Putin’s recipe for Russian language and culture as the guarantor of unity in the federation is also challenged in the newly annexed Crimea, at least by the Tatars, and in South Ossetia by Iranic ethnicities.
Although non-Russians represent a disproportionate percentage of the fighting force in Donbas, it is doubtful that, if the Ukraine war is lost that minority nations in the federation would wish to stick with the loser.
Wouldn’t the annexation of Donbas create a new source of ethnic and linguistic tension in the federation?
Russia faces another potential source of ethnic tension in the presence of between three and four million Chinese and a million North Korean “contract workers” especially in Siberia and the Far East whose presence is economically crucial but politically unpopular among native ethnic groups.
Russia’s falling demography, expected to speed up with a post-war recession and the lasting effect of sanctions, is a strategic challenge that Putin, his boasts notwithstanding, cannot ignore.
If the Nazis launched their wars to seize “living space” (lebensraum) for a rising population, Putin has invaded Georgia and now Ukraine in search of real or imaginary kith-and-kin to boost Russia’s position as majority nation in the federation.
And that could fan the flames of ethnic and national chauvinism among the 23 percent who account for the minorities in the federation.
Putin would have been wiser to focus on his strategy of using Russian culture and the post-Soviet economic boom as means of strengthening the cohesion of the federation. By embarking on an adventure that offers no obvious gain he may have awakened the very nationalism, and mini-nationalisms, that he labeled “a disease.”