مقابلة مع سجعان قزّي من القدس العربي: لبنان الموحّد يحوطه الخطر، وسنكون إما أمام لا مركزية موسعة، أو فيدرالية، وإذا رُفض هذان الحلان، فربما نرى التقسيم على الأبواب

71

مقابلة مع سجعان قزّي من القدس العربي: لبنان الموحّد يحوطه الخطر، وسنكون إما أمام لا مركزية موسعة، أو فيدرالية، وإذا رُفض هذان الحلان، فربما نرى التقسيم على الأبواب
الأزمات المشابهة لـ «الأزمة اللبنانية» لم تجد حلولاً سلميّة والمخرج الأمثل «لا مركزية موسَّعة أو فيديرالية»
حاورته: رلى موفّق/القدس العربي/29 أيار/2022

يصعبُ على السياسي اللبناني سجعان قزي أن يتوقع ما سيحصل خلال الأشهر المقبلة. فالذين فازوا بالأكثرية في الانتخابات النيابية لا يعرفون ترجمة انتصارهم، والذين خسروها ليسوا مستعدين للاعتراف بخسارتهم، ما سيؤدي إلى تعطيل الحكم في لبنان وربما تعطيل الاستحقاقات الحكومية والرئاسية، الذي يمكن أن يرافقه انفجار اجتماعي معطوف على انفجار أمني، وتطورات في المنطقة تدفع أيضاً إلى حصول حرب إقليمية.
في رأي القيادي الكتائبي السابق أن كل الأزمات التي تُشبه الأزمة اللبنانية لم تجد حلولاً سلمية. الحل سيكون مزيجاً من حل سياسي دستوري، ومالي اجتماعي، وسياسي عسكري.
وزير العمل في حكومة تمام سلام (2014 – 2016) يخشى أن يلجأ «حزب الله» الذي خسر حلفاؤه المسيحيون تأييدهم الشعبي، إلى وسائل غير سلمية للانقلاب على نتائج الانتخابات النيابية التي جرت في 15 أيار/مايو.
ووفق قزي، فإن المعلومات الأولية تُشير إلى أن الاتصالات الفرنسية بشأن تكوين خطة تحرُّك تجاه لبنان لم تلقَ قبولاً سعودياً ولا إيرانياً حتى الآن، فالرياض تنتظر تغييراً في سلوك اللبنانيين حيال «حزب الله» وطهران تنتظر ما سيكون عليه وضعها في مفاوضات فيينا حول الاتفاق النووي.
ويرى المستشار السياسي للبطريرك بشارة الراعي أنه إذا استمر قادة المكونات اللبنانية في إنكار علّة وجود لبنان ولم يعيدوا النظر في إدائهم السياسي، فإن لبنان الموحّد يحوطه الخطر، وسنكون إما أمام لا مركزية موسعة، أو فيدرالية، وإذا رُفض هذان الحلان، فربما نرى التقسيم على الأبواب. وهنا نص الحوار:
○ من الطبيعي أن نبدأ من قراءتك لنتائج الانتخابات النيابية الأخيرة.
• انتهى مفعول الانتخابات بمجرد إغلاق أقلام الاقتراع وفرز الأصوات، لأنه غداتها لم يشعر اللبنانيون بأي تحسُّن بغضِّ النظر عمّن حصد الأكثرية الجديدة، بل لمسوا تراجعاً على المستويات السياسية والمالية والاقتصادية والأمنية، وكأن لا انتخابات حصلت، ولا نواب جدداً فازوا، ولا ثمة استثمار للممارسة الديمقراطية في عملية إنقاذ لبنان. نتائج العملية الانتخابية تسمح لكل فريق بأن يدَّعي بأنه يُمثّـل الأكثرية، فهي أسفرت عن أقليات نيابية أكثر مما أفرزت أكثرية أو أقلية. من الناحية العددية شكَّلت القوى المعارضة والمستقلة الأكثرية النيابية، في حين شكَّل «حزب الله» وحلفاؤه الأقلية، لكن الإشكالية تتمثل في عدم توحُّد الأكثرية، وأشك في أن تتّحد خلال عملها السياسي، إذ لها أكثر من عرّاب، فيما الأقلية لديها عرّاب واحد هو «حزب الله» وهي متّحدة حيال معظم القضايا المطروحة أو التي ستُطرح، لذا على الأكثرية الجديدة أن تؤكد أكثريتها من خلال لقاء قياداتها ونوابها لتأليف جبهة موحدة، الأمر الذي لم يحصل بعد، استناداً إلى تصاريح القوى السياسية، سواء أكانت تقليدية معارضة أم تغييرية معارضة.
○ برأيك، هل سيرسم استحقاق انتخاب رئيس المجلس النيابي ورئيسه وهيئة مكتب المجلس خريطة موازين القوى للمرحلة المقبلة؟
• أنا أعتقد أن موازين القوى لن تتبلور من خلال انتخابات رئاسة المجلس ونيابته ومكتبه واللجان، لأن المعارضة التي تُشكّل مبدئياً الأكثرية الجديدة ليس لديها أي إمكانية لاختيار مرشح غير الرئيس نبيه بري أو أي مرشح يُقدمه «الثنائي» وبالتالي لعبة موازين القوى تبرز حين يتنافس مرشحان، عندها يمكننا الحديث عن تحوّلات في موازين القوى، إنما يمكننا التوقف عند أمرين، الأول هو أن إعادة انتخاب الرئيس بري ستتم بأصوات أقل بكثير عما كان يناله في الدورات السابقة، والثاني أن وضع جميع النواب أمام خيار نبيه بري أو ورقة بيضاء قد حصل قبل الانتخابات النيابية، حين مارس الحزب ضغوطاً لمنع وصول أي مرشح شيعي ليس من بيئته.
○ ما الذي غيرته نتائج الانتخابات؟
• صحيح أن «حزب الله» فاز انتخابياً بكل النواب الشيعة، لكنه رسب سياسياً، أولاً لأنه فَـقَـدَ الأكثرية، وثانياً لأن حلفاءه المسيحيين، فقدوا تأييدهم الشعبي الذي كانوا يحظون به سابقاً. وعلى «الحزب» أن يقرأ بعناية هذه المعطيات لأنها تثبت أنه بات معزولاً في مشروعه وسلاحه ولا يستطيع من الناحية الديمقراطية أن يقول إن الأمر لي، يستطيع قوله فقط عبر السلاح وليس بالسياسة. كذلك فقد «الحزب» الغطاء المسيحي، وإذا كانت لدى حليفه المسيحي اليوم كتلة كبيرة فهذا بفضل «الحزب» الذي أمَّن له 6 مقاعد على الأقل. فبدلاً من أن يُغطي التيار الوطني الحر «الحزب» أصبح «الحزب» اليوم هو مَن يغطيه.
○ لنسلم بالخسارة السياسية لتحالف حزب الله – عون، هل هذا الأمر سينعكس إيجاباً على لبنان لجهة تعاطي القوى الدولية معه وهي التي كانت ترى أن موازين القوى فيه مختلّة جداً؟
• إذا كان المجتمع الدولي يُريد أن يقارب الأزمة اللبنانية من زاوية موازين القوى، فيستطيع اليوم أن يُعيد النظر بمواقفه السابقة ويتخذ مبادرات تأخذ بالاعتبار نتائج الانتخابات النيابية التي تغيَّرت معها تلك الموازين ولم يعد «حزب الله» الآمر والناهي. هذا المنطق يستقيم لو كانت موازين القوى ناتجة عن التنافس الديمقراطي وعن الممارسة البرلمانية، ولكنها في لبنان كانت لصالح «حزب الله» ليس من الناحية السياسية، بل من الناحية الأمنية أي عبر الترهيب والسلاح، وهذا الأمر كان موضع خلاف بيننا وبين الدولة الفرنسية التي كانت تبرر ميوعة مبادرتها، وتعاطيها مع إيران و«حزب الله» على أساس أن موازين القوى في لبنان سابقاً كانت تفرض ذلك. كان على فرنسا وغيرها أن تتعاطى مع الواقع اللبناني ليس من ناحية قوى الأمر الواقع إنما من ناحية دستور لبنان ونظامه، ومن ناحية وجود أكثرية شعبية تريد المحافظة على الديمقراطية والميثاقية. لا يوجد أذكى من المجتمع الدولي حين يُريد تغليف جبنه وميوعته بموضوع موازين القوى، أكان في لبنان أم في إيران أم في سوريا أم في أفغانستان وفيتنام وفي أي بقعة في العالم.
○ قال إيمانويل ماكرون: «إن كنتم تريدون التغيير فغيّروا عبر صناديق الاقتراع، أنتم أتيتم بهم فأطيحوا بهم عبر الانتخابات» بناء على هذا الكلام وفي ظل الحديث عن مسعى فرنسي جديد تجاه لبنان هل ستتغير القواعد التي سينطلق منها الفرنسيون؟
• إذا كانت الحكومة الفرنسية ستتعاطى مع الوضع اللبناني كما تعاطت معه طوال السنوات المنصرمة فلن تنجح أي مبادرة تقدمها للبنانيين. أعتقد أن الرئيس الفرنسي ماكرون منهمك بأوضاعه الداخلية وبأوضاع أوروبا والحرب في أوكرانيا ما يجعل الدبلوماسية الفرنسية تؤجل طرح مبادرات كبرى حيال الأزمة اللبنانية. نحن منفتحون على كل طرح يأتي لحل القضية اللبنانية بشرط أن يكون حلاً للأزمة وليس أزمة جديدة تضاف إلى الأزمة التي نعيشها، وأظن أن ماكرون شعر في الأشهر الأخيرة أن فريق عمله أخطأ في تقدير الوضع اللبناني حول كيفية التعاطي مع القوى اللبنانية الذي لم يكن متوازناً ولا متوازياً، وحسبي أن تُعدِّل الدبلوماسية الفرنسية مسارها في لبنان، خصوصاً وأن المعلومات الأولية تشير إلى أن الاتصالات بين فرنسا وأمريكا وإيران والسعودية بشأن تكوين خطة تحرُّك لم تلقَ قبولاً سعودياً ولا إيرانياً حتى الآن، لأن السعودية تنتظر تغييراً في سلوك اللبنانيين حيال «حزب الله» وإيران تنتظر ما سيكون عليه وضعها في مفاوضات فيينا.
○ نتائج الانتخابات فتحت الباب أمام بداية خروج من الأزمة أم أغلقته؟
• الأمران مطروحان، بمعنى أن التعقيد أحياناً يكون باباً للخروج من الأزمة، كما يمكن أن يكون استمراراً دراماتيكياً لها. أنا أعتقد أن الأشهر القليلة التي تفصلنا عن الانتخابات الرئاسية ستكون ساخنة من كل النواحي، لأن «حزب الله» لا يُريد أن يعترف بأن شيئاً ما قد تغيّر في المزاج الشعبي وفي الأكثرية النيابية وفي الواقع الدولي. وما أخشاه أن يلجأ إلى وسائل غير سلمية لتعطيل نتائج الانتخابات والهيمنة على أي قرار في الحكومة وفي الدولة اللبنانية. وهذا الأمر تؤكده تجارب سابقة. فمنذ العام 2005 إلى اليوم «الحزب» ينقلب بواسطة سلاحه على نتائج الانتخابات وعلى عمل الحكومة وعلى انتخاب رئيس للجمهورية. علينا ألا ننسى ماذا فعل بعد اتفاق هيئة الحوار فكانت حرب الـ2006، وبعدها عطّل حكومة السنيورة والبلاد، ومن ثم عطّل الانتخابات وأسقط حكومة الرئيس سعد الحريري سنة 2011 وعطّل انتخابات رئاسة الجمهورية بعد انتهاء عهد الرئيس ميشال سليمان، وأظن أن «حزب الله» سيتابع هذا النهج لأنه يعتقد بأنه قادر على تنفيذ مشروعه والسيطرة على البلاد، وهذا يلتقي مع طرحه لمؤتمر تأسيسي يريد من خلاله ليس نقض النظام اللبناني بمفهومه الدستوري فقط، إنما هوية لبنان ورسالته ودوره في المنطقة.
○ البعض يعتبر أن الوضع الإقليمي سابقاً كان يُساعد «الحزب» على الانقلاب، لكن اليوم ثمة تطورات جديدة مع تداعيات الحرب الأوكرانية وتعثر اتفاق فيينا وتراجع النفوذ الإيراني في المنطقة…
• لست مِن الذين يعتقدون بأن دور إيران انحسر في الشرق الأوسط رغم أنه لم يعد بالقوة ذاتها التي كان عليها قبل سنتين. فالنظام الإيراني لا يزال قوياً رغم الاضطرابات التي تحصل في الداخل الإيراني. إيران لا تزال ممسكة بالملف اليمني ولديها القوة على الأرض لتعطيل الحكم في العراق مع فقدان حلفائها الأكثرية. وصحيح أن «حزب الله» فقد في لبنان سطوته النيابية إلا أنه لا يزال يملك القوة العسكرية لينقلب على الواقع الجديد. هناك موازين قوى لا تقوم فقط على اللعبة البرلمانية إنما على الاحتكام للسلاح والعنف وأحياناً الإرهاب. وفي سوريا نرى أن إيران عادت وعززت موقعها مع الانسحاب الجزئي للقوات الروسية نتيجة انهماك موسكو بالحرب الأوكرانية. إيران فقدت نسبة قليلة من هيمنتها لكنها لا تزال قوية وتستطيع مواجهة المرحلة المقبلة. أنا لا أقول هذا بفرح، إنما بأسف، ولكن تحليل الأوضاع يحتاج إلى الموضوعية.
○ الجميع يتخوَّف من انفجار اجتماعي نتيجة الأزمة الاقتصادية الخانقة، لكن البعض يراهن على أن ذلك قد يدفع إلى تسوية ما، ولا سيما أن المجتمع الدولي يخشى سقوط لبنان في الفوضى، هل أنت مع هذا الرأي؟
• إذا كانت الحالة التي يعيشها اللبنانيون ليست حالة انهيار وارتطام فما هي الصفة التي توصف بها هذه الحالة. لبنان أصبح في حالة انعدام وزن حقيقية، من النواحي الدستورية والسياسية والمالية، إضافة إلى الفقر والجوع وتدهور القدرة الشرائية مع وجود نصف مليون لاجئ فلسطيني ونحو مليون ونصف نازح سوري. هذا واقع انهياري قائم فماذا ينتظر المجتمعان العربي والدولي ليتحركا فعلياً.
التحرُّك الفعلي له اسمان واضحان، الأول هو المساعدة المالية الحقيقية التي تسمح للبنان بالخروج من أزمته، فعبر «شحطة» قلم واحدة قرر الرئيس الأمريكي جو بايدن تخصيص 30 مليار دولار الأسبوع الماضي لأوكرانيا، فماذا يمنع المجتمع الدولي من تخصيص مبلغ للبنان؟ أما الاسم الثاني فهو تنفيذ قرارات الأمم المتحدة. فلا يكفي أن تصدر الأمم المتحدة في مجلس الأمن قرارات من دون وضع آلية تنفيذية لها. من هنا يبدأ الإنقاذ مع الـ1559 والـ1701 والـ1680 وعلى المجتمع الدولي، إذا كان صادقاً تجاه لبنان، أن يسلك هذا الطريق، على أن يبدأ بمؤتمر دولي خاص بلبنان لتجديد ضمان الوجود اللبناني، ولتجديد الثقة بالشعب اللبناني الذي رغم كل الظروف القاهرة تمكن من تغيير نسبي في الانتخابات النيابية.
○ أنت تذهب إلى ما يطالب به البطريرك بشارة الراعي حول عقد مؤتمر دولي خاص بلبنان؟
• سأكون صريحاً؛ المرجعية اللبنانية الوحيدة التي طرحت برنامجاً متكاملاً لإنقاذ لبنان واللبنانيين هو البطريرك الراعي، وعرضه ليس طائفياً، فقد تحدث عن أربعة أسس لحل الأزمة اللبنانية: مؤتمر دولي، وإعلان الحياد، وتطبيق اللامركزية الموسّعة، وتشريع يفصل بين الدين والدولة، أي الانتقال إلى مجتمع لبناني مدني يخرج من عباءة المصالح الطائفية، وأعتقد أن هذه الطروحات تصبُّ في صالح كل اللبنانيين الذين يريدون وحدة لبنان وسلامته وازدهاره. الإيمان بهذه الطروحات هو الطريق الوحيد الذي يُثبِّت الكيان اللبناني مجدداً وينهي الأزمة القائمة، ولكن حتى الآن لا نرى أن القيادات السياسية تناضل لتحقيق مثل هذه الطروحات رغم أن غالبية القوى السياسية أيدت طروحات البطريرك، والتأييد جاء من المسلمين السُّنة ومن المسيحيين والدروز، والشيعة الذين لا يدورون في فلك «الثنائي». هناك غالبية لبنانية ساحقة تؤيد هذه النقاط الأربع ولكن لا أحد يعمل على تحقيقها وتنفيذها، وخاصة رئاسة الجمهورية. على الرئيس عون تبني هذه النقاط، وهو يعرف في قرارة نفسه أنها خشبة خلاص لبنان، لكنه يتجاهلها ويكتفي بتغطية سلاح «حزب الله» في الداخل والخارج.
○ لكن هناك من يطرح مشروعاً مخالفاً لطرح البطريرك الراعي، تحت عنوانين: «مؤتمر تأسيسي» و«حلف الأقليات» بغية تغيير وجه لبنان؟
•طرحُ البطريرك واضحٌ، ونقاطه مُعلنة، بينما الذين طرحوا «المؤتمر التأسيسي» لم يعلنوا ماذا يريدون. هل تعديل الطائف وإلغاء الميثاق؟ هل يريدون الفيدرالية أم الوحدة؟ هل يريدون إنهاء المداورة الطائفية للرئاسات الثلاث؟ «الحزب» و«أمل» لم يُعلنا ماذا يعنيان بـ «المؤتمر التأسيسي». ربما إذا أعلنوا مضمونه نتخلى عن المؤتمر الدولي ونلتحق بالمؤتمر التأسيسي، لكن يجب أن نعرف ما المواضيع التي ستُطرح فيه.
○ ألم يطرح الحليف المسيحي لـ «الثنائي الشيعي» المتمثل بالتيار الوطني الحر ما يريده؟
• لا قيمة للطرح النظري ما لم يُستتبع بسلوك عملي، «التيار الوطني الحر» يطرح أفكاراً ربما تكون صحيحة، ولكنه يتصرَّف عكس ذلك من خلال تحالفه الاستراتيجي مع «حزب الله». أما بالنسبة لمشروع الأقليات في المنطقة، فمفهوم الأقليات هو مفهوم إنساني قبل أن يكون مفهوماً سياسياً ودستورياً، بمعنى خلق نظام يحمي الأقليات من الاضطهاد من قبل الأكثرية، ولكن هناك ظاهرة مخالفة لهذا الواقع في الشرق الأوسط، فالأقليات في الشرق الأوسط هي التي تضطهد الآخرين. اليهود يضطهدون الفلسطينيين، والعلويون يضطهدون السُّنة، والشيعة يضطهدون السُّنة في كل العالم العربي. ثم أين هي دول الأقليات في المنطقة؟ الحلف لا يكون بين أحزاب عابرة للدول في الشرق الأوسط، إنما الحلف يكون بين دول.
○ ولكن ماذا لو تحوَّلت إلى دول متحالفة بفعل هيمنة تلك الأحزاب التي تقود منطق حلف الأقليات؟
• لبنان لا يستطيع، بحكم تركيبته الطوائفية والديموغرافية ورسالته، الدخول في لعبة أحلاف الأقليات والأكثريات، ولو كان المسيحيون يريدون الانضمام إلى حلف الأقليات لما كانوا ناضلوا وجاهدوا لإنشاء دولة لبنان الكبير، فدولة الأقلية المسيحية كانت موجودة في نظام المتصرفية، ولكن أردنا كمسيحيين ألا نكون إسرائيل ثانية، بل أن نكون جزءاً من النسيج العربي المشرقي، وهذه هي رسالة لبنان. أنا لا أؤمن بمشروع الأقليات لأنه مشروع حرب أكثر مما هو مشروع سلام؛ رأينا الواقع الكردي بين تركيا والعراق وسوريا وإيران، ورأينا الحالة الإسرائيلية كيف أنها رغم كل جبروتها العسكري لم تستطع أن تحسم موضوع السلام مع جيرانها، ورأينا النظام العلوي في سوريا كيف يتعرّض للانهيار رغم الدعمين الروسي والإيراني له. أنا لا أؤمن بهذه النظرية لأن الأقليات في الشرق الأوسط غير قادرة على تشكيل حلف متواصل وعلى مواجهة الأكثرية، نحن لا نريد أن نكون أقلية تواجه الأكثرية، نريد أن نخرج من هذه المفاهيم لنبني دولاً كيانية قادرة على الحياة بسلام، وهذا يتم من خلال إقامة أنظمة ديمقراطية، أنظمة تستوعب كل تعددية مجتمعاتها، أنظمة تلتزم بالقوانين الدولية، وبالشرعيات الدستورية.
○ وماذا ينتظر لبنان في قابل الأيام أمام هذا الانسداد لديه في الأفق السياسي واستفحال أزماته الاجتماعية؟
• من الصعب توقع ما سيحصل خلال الأشهر المقبلة، لكن ما يمكننا قوله من دون تنجيم، هو أن الذين فازوا في الانتخابات لا يعرفون ترجمة انتصارهم، والذين خسروا الأكثرية في الانتخابات النيابية ليسوا مستعدين للاعتراف بخسارتهم، وهذا سيؤدي إلى تعطيل الحكم في لبنان وربما تعطيل الاستحقاقات الحكومية والرئاسية، ويمكن أن يرافق ذلك انفجار اجتماعي معطوف على انفجار أمني، وقد تحصل تطورات في المنطقة تدفع أيضاً إلى حصول حرب إقليمية. كل الاحتمالات واردة طالما أن آفاق الحلول اللبنانية والعربية والإقليمية وحتى الدولية مع أوكرانيا لا تزال مقفلة. وللأسف، كل الأزمات التي تشبه الأزمة اللبنانية لم تجد حلولاً سلمية. الحل سيكون مزيجاً من حل سياسي دستوري، ومالي اجتماعي، وسياسي عسكري.
○ وسيكون الحل على حساب لبنان؟
•أظن ذلك، إذا استمر قادة المكونات اللبنانية في إنكار علّة وجود لبنان، وإذا لم يعيدوا النظر في إدائهم السياسي سيكون لبنان الموحّد في خطر، ونحن سنكون إما أمام لا مركزية موسعة، أو فيدرالية، وإذا رُفض هذان الحلان لا أدري ما إذا كان التقسيم على الأبواب. من جهتنا أو بما أنا أمثّـل أو أُعبّر عن ذاتي، يجب النضال لكي لا يحصل التقسيم. لبنان لا يحتمل هذا الأمر لأن واقعه الديموغرافي ليس واقعاً تقسيمياً، بل بتعدديته هو واقع توحيدي، ولكن هذه الوحدة لا يمكن أن تستمر مركزية وحصرية، بل يجب أن تصبح وحدة اتحادية أي لا مركزية موسعة أو فيدرالية، ولكن أي حل من هذه الحلول يستدعي وجود قادة لبنانيين على مستوى هذه المرحلة وهذا ما نفتقده مع الأسف.
○ اللامركزية الإدارية الموسّعة ينص عليها اتفاق الطائف، فهل ما تطرحونه الآن هو تطبيق هذا البند أم نوع آخر من اللامركزية الموسعة؟
• اتفاق الطائف تحدث عن اللامركزية الإدارية الموسعة ولكنه لم يُحدِّد بنودها. أعتقد أن الواقع الحالي تخطى نسبياً اللامركزية الإدارية، وبات من الضروري أن يشمل التنظيم اللامركزي ميادين أخرى غير الإدارة، بمعنى آخر يجب أن يشمل التنظيم المركزي الضرائب والمال والأمن والتربية، فهذه النقاط نتجت بعد الطائف لأنه منذ الطائف إلى اليوم لم يتغير الوجه الدستوري للبنان، إنما تغيّر وجهه الاجتماعي فأصبح يعيش في ظل أنماط حياة مختلفة، وكأن هناك عالمان لا مجتمعان، وبالتالي في إطار اللامركزية الموسعة يجب أن تكون للمناطق القدرة على إدارة مساحاتها الجغرافية والإنسانية وأيضاً احترام النظام المركزي في رأس الدولة، وحين نقول لا مركزية أمنية ومالية وتربوية لا يعني تشكيل حالات انفصالية في البلد، إنما كل هذه المحافظات التي ستنشأ في إطار اللامركزية ستبقى مرتبطة بالدولة المركزية، ولكن القسم الأكبر من القدرات المالية التي تتم جبايتها يبقى في المحافظة والباقي يذهب إلى الدولة المركزية، وحين نقول لا مركزية أمنية لا نعني أنه يجب خلق قوى أمن مستقلة وجيش مستقل وأمن عام مستقل، إنما تكون للقيادات الأمنية في المناطق صلاحية اتخاذ القرار المناسب من دون انتظار القرار المركزي الذي يُعطّل الحلول الأمنية الفورية، ولو كان هذا الأمر موجوداً في 13 نيسان/أبريل 1975 لما كنا وصلنا إلى حرب السنتين.
○ برأيك، ما المشهد الذي سيكون عليه لبنان بعد انتهاء حالة الغليان التي يعيشها؟
• خياري الأصلي والأساسي هو الدولة الحالية، أي النظام المركزي والدولة الموحدة، ولكن هذا اللبنان المركزي والموحّد يحتاج إلى شعب يُؤمن بالدولة وبالوحدة، وهذا غير متوافر، وقد جربنا ذلك لمدة مئة سنة. لبنان الحالي مثالي من الناحية الدستورية، لكنه غير قابل للحياة بحكم تغيّر المجتمع اللبناني، لذلك علينا بالحلول الأخرى. أنا من مؤيدي اللامركزية الموسّعة، وهذا أمر ممكن في حال توفرت الإرادة السياسية اللبنانية، والقرار الدولي الذي يضمن هذا النظام اللبناني الجديد. أما اعتماد الفيدرالية وهي نظام جيد لمجتمع منقسم على ذاته فأمر يعود إلى القوى السياسية. في كل الأحوال، سواء أكان نظام لبنان مركزياً أم لا مركزياً أم فيدرالياً، لا يمكن للبنان أن يعيش مستقلاً ومستقراً ومزدهراً وسيداً وحراً من دون اعتماد الحياد، لأن كل ما نتفق عليه في أي نظام جديد يبقى ينقصه عاملان أساسيان هما: السياسة الخارجية والسياسة الدفاعية، والاتفاق على هاتين السياستين مستحيل بين اللبنانيين، لذلك الحل يكون بالحياد، وكل حل لا يعتمد الحياد هو حل ناقص ومشروع أزمة جديدة بعد سنة، أو سنوات. والحياد لا يعني الضعف، فكل الدول الحيادية، من سويسرا إلى النمسا إلى فنلندا إلى السويد، هي دول قوية عسكرياً.
○ لكن هذه الدول الحيادية تذهب اليوم للالتحاق بمظلة عسكرية (حلف شمال الأطسي) بسبب المخاطر التي تُحيق بها؟
•هذا خيارهم، ولكن خيارنا أن نكون دولة حيادية، بالطبع الدولة الحيادية لا تكتفي بعدم التدخل بشؤون الآخرين، إنما على الآخرين ألا يتدخلوا بشؤونها، لكن إذا شُنت حرب على لبنان نكون حينئذ أمام إمكانية طلب مساعدة تمنع احتلاله أو اجتزاء مساحة من أراضيه. نحن لسنا أغبياء إلى هذه الدرجة لكي نعتقد أن الحياد وحده يردع الإرهابيين. الحياد يكون مضموناً من المحيط أو من الأمم المتحدة، ويمنع أي دولة من التدخل بشؤون الدولة المحايدة، وهذا ما حصل مع سويسرا. نابليون بونابرت، رغم جبروته، لم يُقدم على اجتياحها، وفي عز اجتياح هتلر لأوروبا لم يحتلها، ولكن إذا حصل اعتداء على دولة محايدة تحاول الدفاع عن نفسها بقوتها الذاتية، وإذا لم تكن لديها القدرة العسكرية على ذلك يحق للدولة المحايدة طلب المساعدة، وهذا ما تعتزمه فنلندا والسويد اليوم، لأنهما تشعران بأن قوتهما العسكرية ليست كافية لردع عدوان روسيا التي هي ثاني أقوى قوة عسكرية في العالم.
https://www.alquds.co.uk/%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%84%d8%a8%d9%86%d8%a7%d9%86%d9%8a-%d8%b3%d8%ac%d8%b9%d8%a7%d9%86-%d9%82%d8%b2%d9%91%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b2%d9%85%d8%a7%d8%aa-%d8%a7/?fbclid=IwAR3AIAIkAwBlFJ1s9dfNsj7ZA7oR2lNw8-TX5IRX6ByusE7P60O2CrBDmIo