الكولونيل شربل بركات: الاكتشافات البحرية الفنيقية – “صخرة شيربروك” في مقاطعة كيبيك الكندية

1632

الاكتشافات البحرية الفنيقية – “صخرة شيربروك” في مقاطعة كيبيك الكندية
الكولونيل شربل بركات/20 أيار/2022

وجدت ثلاث صخرات في منطقة شيربروك Sherbrook وبوفوار Beauvoir الكنديتين في مقاطعة كيبيك Quebec ولا تزال محفوظة في متحف  سان شارل بوروميه في شيربروك Musee du Seminaire Saint Charles Borromee a Sherbrook. وقد كان باحث الأثار الكندي توماس لي Thomas Lee حاول حل الغازها ولكنه لم يستطع فطلب من أحد الاختصاصيين بالآثار من جامعة هارفرد الأميركية وهو باري فل Barry Fell الذي توصل إلى أن هذه كتابة فينيقية تشبه لهجة قرطاجة.

عند حل لغز الصخرتين اللتين وجدتا بالقرب من نهر سان فرنسوا Riviere Saint Francois تبين أن احداها تحمل كتابة فينيقية تقول: “البعثة التي اجتازت البحار بخدمة الملك أحيرام صاحب البلاد” والثانية تقول:” بأن حاتا الذي وصل إلى هذا المكان مع فريق بحارته هو من نقش هذه الكتابة” أما الصخرة الثالثة التي وجدت في بوفوار Beauvoir فهي تقول : “حنون ابن تامو وصل إلى هذا المكان”.

ومن المعروف بأن أحيرام ملك صور عاش في القرن التاسع قبل الميلاد بينما حنون وهو رحالة من قرطاجة قام برحلته المشهورة حول أفريقيا انطلاقا من قرطاجة في القرن الخامس قبل الميلاد بينما شقيقه هميلكون قام برحلته باتجاه بريطانيا وايرلندا وشمال أوروبا في نفس الفترة. وقد كان بحارة فينيقيون سبقوا حنون بالقيام برحلة حول أفريقيا بأمر من الفرعون نخو الثاني وتمويله وذلك في القرن السابع قبل الميلاد ولكن هذه انطلقت من البحر الأحمر لتعود إلى مصر من البحر المتوسط عبر جبل طارق بينما كانت رحلة حنون استكشافية وتجارية بنفس الوقت قام بها انطلاقا من قرطاجة حيث دار حول افريقيا الغربية وأسس مدنا ومستعمرات. وإذا كانت صخرة بوفوار الكندية تذكر حنون فإن هذا دليل آخر على تخصص حنون هذا بالاكتشافات البحرية وبأن تاريخ الاكتشافات البحرية كان معروفا في فينيقيا ومستعمراتها ما يدل على أن صخرة باراييبا Paraiba في البرازيل والتي تذكر أيضا “أحيرام ملك الصيدونيين” وتقول بأن رحلتها كانت انطلقت من عصيون جابر على البحر الهادئ (أي أيلات) اليوم كانت من ضمن هذه الرحلات الاستكشافية المقصود منها إيجاد أماكن جديدة للاستيطان أو الاستثمار حول أفريقيا وقد رمت بهم العاصفة على سواحل البرازيل في أميركا الجنوبية حيث نقشوا هذه الكتابة. ما يدل على أن عمليات الاستكشاف البحري كانت من ضمن عمل وتخطيط مدروس من قبل الفينيقيين تهدف لاكتشاف أماكن جديدة تسهم في التجارة بين الشعوب إن من ناحية الثروات الطبيعية أو من ناحية التعرف على مواقع جديدة قد تكون مسكونة يمكن الاستفادة من اقامة علاقات تبادل معها.

سوف ننقل لكم النص الحرفي لرحلة حنون مترجمة من النص الأغريقي الذي نقله أحد الرحالة اليونانيين والذي كان زار قرطاجة في عزها وقام بنقل النص أدناه عن العمود الذي كتبت عليه في إحدى ساحات قرطاجة لتخليد هذه الرحلة الشهيرة وتضم تفاصيل الرحلة وذلك بالطبع قبل أن تدمر قرطاجة على ايدي الرومانيين بعد أكثر من ثلاث مئة سنة على قيام حنون برحلته الشهيرة.

يقول النص:

  1. قرر القرطاجيون أن على حنون أن يبحر إلى ما وراء أعمدة هرقل لإنشاء مستعمرات فينيقية (أو مراكز تجارية). فباشر في رحلته على متن ٦٠ سفينة مع حوالي ٣٠ الف رجل وامرأة (هذا بحسب النص الحرفي المنقول عن الكتابة القديمة في قرطاجة ويعتقد البعض بأن العدد مبالغ فيه ويقدرونه بحوالي 5000 أي ما يعادل 80 رجل أو امرأة بكل سفينة بينما العدد 30 الف يحتاج لأن تحمل كل سفينة 500 راكب وهو عدد كبير نسبة لسفن تلك الفترة بحسب رايهم، ولكن في تفاصيل رحلة اليسا أو ديدون من صور إلى تونس حيث أنشأت قرطاجة يقال بأن أكثر من ألف شخص من جماعتها رافقوها في ثلاثة سفن كانت جاهزة للابحار في الميناء بمدينة صور ما يدل على أن كل سفينة حملت يومها ما يقارب 400 شخص ولذا وبعد تلك الحادثة بثلاث مئة عام هل يمكن أن تكون سفن اسطول حنون قد تطورت لتحمل أكثر من 500 شخص؟)، بالاضافة إلى المؤن والتجهيزات الضرورية.

  2. بعد إبحاره وراء أعمدة هرقل لمدة يومين، أسس أول مدينة وأسماها تيمياثريون (قد تكون طاماريس جنوب الرباط في المغرب اليوم). وكانت تهيمن على سهل واسع.

  • تابعنا رحلتنا باتجاه الغرب، وصلنا إلى صولويس (قد تكون سانت لويس اليوم بالقرب من داكار بتحريف الأسم)، وهي رعن مغطى بالأشجار، حيث أسسنا معبد مخصص لبوسيدون (بعل صفون القرطاجي).

  1. بعد الإبحار باتجاه الشرق لمدة نصف يوم، وصلنا إلى بحيرة، على بعد قليل عن البحر، مكتظة بالكثير من الأعشاب العالية التي تتغذى منها الفيلة والعديد من الحيوانات البرية الأخرى (قد تكون في غينيا اليوم)

  2. على بعد يوم من الإبحار، ما وراء هذه البحيرة، أسسنا على الساحل، خمس مدن جديدة: كاريكون (قد تكون كوناكري اليوم) تيكوس (قد تكون تيكومب اليوم بالقرب من فريتاون في سيراليون)، جيت (قد تكون ايجيدي في نيجيريا اليوم)، اكرا (لا تزال تحمل نفس الأسم وهي عاصمة غانا اليوم)، مليتًا (قد تكون لوتي في الكاميرون اليوم) وارمبيس (وقد يكون انشاءهم لهذه المدن على الساحل الأفريقي الجنوبي مهم للاستقرار والتجارة).

  3. إستأنفنا رحلتنا، ووصلنا إلى مصب نهر واسع يعرف بإسم ليكسوس (قد يكون نهر سناغا بالكاميرون اليوم)، ويعبر ليبيا (هنا ليبيا تعني أفريقيا)، ومن ثم التقينا ببدو، “الليكسوسيين”، يرعون قطعانهم على ضفاف النهر. فاستضافونا ومكثنا معهم لبعض الوقت وأصبحوا أصدقاءنا.

  • ومن ثم توجهنا إلى المناطق الداخلية، حيث تنتشر الحيوانات البرية وهي مليئة بالجبال الكبيرة، وهنالك يعيش الأثيوبيون (تسمية كانت تطلق على الأفارقة الشديدي السواد في اي مكان من القارة الأفريقية)، شعب غير مضياف. يقولون أن منبع ليكسوس يتواجد في هذه المنطقة (أي أفريقيا الوسطى اليوم)، ويتواجد ايضا سكان كهوف في خضم هذه الجبال، مظاهرهم غريبة، ورجالهم أسرع في العدو من الخيول، وفقا لما يقول الليكسوسيين.

  • أخذنا معنا مترجم من الليكسوسيين وسافرنا لمدة يومين في اتجاه الجنوب على طول ساحل صحراوي (ساحل غينيا الاستوائية ربما)، ثم يوم آخر نحو الشرق. وجدنا جزيرة صغيرة محيطها يعادل خمسة ملاعب (الوبي الصغرى أو الكبرى على مصب نهر موني بين الغابون وغينيا الاستوائية)، على طرف خليج. أنشأنا مركز تجاري وأسميناه “سِرْنِه” (وهي بالقرب من ليبرفيل عاصمة الغابون اليوم وتقع على خط الطول الذي يمر بقرطاجة في تونس اليوم). وباعتقادنا وحسب سفرنا ومسارنا، فاننا نتواجد على خط مقابل لقرطاج، وذلك لأن الرحلة من قرطاج إلى أعمدة هرقل (غربا) ومن ثم من (اتجاه) الأعمدة إلى هنا (شرقا) تبدو متعادلة.

  1. من هناك صعدنا النهر الكبير “كريتس” (وهو نهر كومو في الغابون). لنصل إلى بحيرة تحوي ثلاث جزر أكبر من “سِرْنِه”. بعد يوم من السفر، وصلنا إلى نهاية البحيرة، حيث تتواجد جبال عالية مليئة بأشخاص بربريين يلبسون جلود الحيوانات، رمونا بالحجارة وحاربونا. ومنعونا من النزول من سفننا.

  2. تابعنا سفرتنا، من هناك وصلنا إلى نهر رئيسي جديد يعج بالتماسيح وأفراس النهر. ثم رجعنا على طريقنا وعدنا إلى “سِرْنِه”.

  3. ابحرنا إلى الجنوب لمدة اثني عشر يوما، بالقرب من الساحل حيث رأينا طوال رحلتنا العديد من الإثيوبيين الذين ما يلبثوا أن يفروا عند رؤيتنا. وكانت لغتهم غير مفهومة حتى للمترجم الليكسوسي.

  • ألقينا المرساة في اليوم الأخير بالقرب من جبال عالية مغطاة بأشجار تفوح من أخشابها روائح عطرة.

  • أبحرنا في المنطقة لمدة يومين. ووصلنا إلى شاطئ خليج ضخم (كاب لوبيز اليوم) حيث كنا نستطيع، مع حلول الليل، رؤية نيران كبيرة وغيرها من النيران الصغيرة التي كانت تنور السماء بالتوالي (قد تكون هذه النيران ناتجة عن حرائق من تأثير الحرارة في تلك المناطق الاستوائية أو من جراء البراكين).

  • بعد أن تزودنا من المياه، أبحرنا لمدة خمسة أيام على طول الساحل حتى وصلنا إلى خليج كبير ابلغنا المترجمون بانه يسمى “قرن الغرب”. في وسطه جزيرة كبيرة وعلى الجزيرة، بحيرة من المياه المالحة التي كانت تحوي جزيرة جديدة نزلنا عليها. لم يكن بوسعنا أن نرى شيئا في النهار سوى الغابة المحيطة، ولكن في الليل، رأينا أضواء تشعشع في كل مكان وسمعنا ضجة قوية (الحرائق المستمرة وأصوات الحيوانات الهاربة). دب الخوف فينا وأخذنا القرار بمغادرة الجزيرة

  1. أبحرنا بسرعة لنتجاوز ساحل بري تنبثق منه رائحة البخور. كانت لهب النار والحمم البركانية تنتشر حتى البحر ولم يكن بالإمكان الاقتراب من المنطقة بسبب الحرارة.

  • تركنا المنطقة خائفين وفي عجلة من امرنا وأبحرنا مرة أخرى لمدة أربعة أيام. رأينا خلال الليل بلاد تأكلها النيران. وكان هناك لهب في الوسط أعلى من الأخرى، يبدو لنا أنه وصل النجوم. أما في النهار، بدا الأمر كجبل عظيم، وكان يسمى “عربة الآلهة” (هل هو جبل موكو في انغولا والذي يبلغ علوه 2620 متر؟) .

  • أبحرنا لمدة ثلاثة أيام بعيدا عن هذا المكان حيث تدفقت الحمم الخطيرة ووصلنا إلى الخليج يسمى “قرن الجنوب”.

  • وجدنا جزيرة على طرف الخليج، كانت أكبر من الجزيرة الأولى، مع بحيرة حيث كان هناك جزيرة أخرى مليئة من القردة. كان هناك عدد أكبر بكثير من الإناث التي كانت مكسوة بالشعر، يسميها المترجمين “الغوريلا”. حاولنا متابعتها، لكننا لم نستطع القبض على أي من الذكور لأنها كانت معتادة لتسلق المنحدرات. هربت منا ورمت علينا الحجارة لحماية تراجعها. لكننا قبضنا على ثلاثة من الإناث لكنها حاولت الهرب بخمش وعض من يحملها. ذبحناها وسلخنا جلودها وجلبنا هذه الجلود معنا إلى قرطاج، وهناك انتهت رحلتنا بسبب قلة المؤن.

من خلال هذا النص يمكننا أن نرى بوضوح طريقة البحث المشابهة لما يعتمد في البعثات العلمية أو الاستكشافية في ايامنا ويدفعنا لمعرفة أسباب هيمنة قرطاجة على البحار والتجارة العالمية وأهمية قيادتها وبعد نظرها في التفتيش عن أماكن جديدة للاستيطان أو أسواق جديدة وبناء مراكز للتبادل التجاري أو حتى البحث عن ثروات يمكن الاستفادة منها، كما نرى بوضوح العقلية السلمية نوعا التي تحلوا بها فهم لم يفرضوا وجودهم بالقوة على السكان الذين رفضوهم ولا هم حاربوهم ولم يكن حتى ضمن الحملة على ما يبدو فرقة عسكرية واسلحة متطورة لاخضاع السكان المحليين ولا حتى الحيوانات فهم يمضون ليلتهم بقرب الساحل في جزيرة حيث يأمنون عدم التعرض لهجمات غير مستحبة. وكان اعتمادهم على تفوق بالتقنية البحرية وتفوق بالعلاقات الانسانية المتطورة التي قامت على معتقدات سلمية حيث أمرهم الرب “ايل” بزرع الحب بالأرض ونشر السلام بين البشر وهي الحالة التي تصبو إليها الشعوب في تقدمها لا تلك المعتمدة على السلاح والقوة والحرب وفرض الأمور.

احتاج العالم، بعد القضاء على صيدا مع ارتحشستا الفارسي ومن ثم بعد حوالي خمسين سنة فقط على صور على يد الأسكندر المقدوني ومن ثم على قرطاجة في القرن الثاني للميلاد على يد الرومان، أن ينتظر حتى القرن الخامس عشر إي حولي 1700 سنة لكي تعود فتبدأ مرحلة جديدة من الاكتشافات وعلى ايدي أحفاد الفينيقيين هؤلاء بحارة البرتغال واسبانيا الذين عادوا ليدوروا حول أفريقيا مع فاسكو دو غاما ومن ثم التوجه صوب البحر الكاريبي مع كريستوف كولومبوس. ولكن الحقد الذي زرعه الرومان على قرطاجة طال كامل الحضارة الفينيقية على ما يبدو كون قرطاجة كانت هي واجهة تلك الحضارة وكان اصرار الرومان على طمس معالمها سببا اساسيا في غياب كل تلك الاكتشافات التي كانت أغنت العالم عن التقاتل وفتحت مجالات للتنافس الحضاري. فهل إن اعتماد قرطاجة طريقة الرومان في المواجهة العسكرية كانت هي الخطأ الذي أغضب “إيل” فأدار وجهه عنها وتركها تغوص في الحروب التي دامت مئتي سنة وبدأت حول صقلية وانتهت مع هنيبعل الذي غزا ايطاليا مدة خمس عشرة سنة وأدت بالتالي ليقوم سيبيون الأفريقي بغزو قرطاجة في عقر دارها فيضطر هنيبعل على الانسحاب من ايطاليا ويخسر في مواجهته على أرض قرطاجة ما يؤدي إلى القبول بالشروط الرومانية التي لم تستكن قبل القضاء الكلي على قرطاجة وحضارتها ومن ثم تشويه تلك الحضارة في كتب التاريخ ونسيان كل ما قامت به ما جعل العالم يتاخر 1700 سنة ليعود إلى الاكتشافات التي فتحت الآفاق من جديد وقللت من التناحر والتقاتل ولو أن من ذهب إلى القارة الجديدة أو أفريقيا لم يبني علاقات طبيعية مع السكان كما كانت عادة الفينيقيين بل فرض بالقوة استغلال الشعوب أو القضاء على حضاراتها فانتقلت الحروب عبر البحار بدل أن تنتقل حضارة السلم والتقارب والبناء كما كان أرادها أحيرام ومن بعده حنون.