شارل الياس شرتوني/نحن أمام مرحلة جديدة لكن خطرة

68

نحن أمام مرحلة جديدة لكن خطرة

شارل الياس شرتوني/17 أيار/2022

إن الانطباع الاول، لأي مواطن أم مراقب للانتخابات النيابية، هو انتصار المد التغييري الذي يعتمل في البلاد منذ ٢٠١٩، وفشل كل التيارات والاحزاب التي أوجدتها مرحلة الاحتلال السوري، مع بقاء خط الممانعة الوحيد المتمثل بالفاشيات الشيعية الذين ضربوا المد الاستقلالي والسيادي والاصلاحي في كل مراحله، عند تحالفهم مع النظام السوري في بداية التسعينات كشركاء أساسيين(مداورة أم مباشرة) في التحالف الذي حكم البلاد بالتضافر مع سلطة الاحتلال السورية، ومناهضين علنيين للمد الاستقلالي الذي نشأ مع ثورة الارز في ٢٠٠٥، وأداة الاغتيالات والارهاب التي طاولت التحالف السيادي الناشىء، انطلاقا من السياسة الانقلابية الشيعية التي تديرها ايران في منطقة الشرق الاوسط .مما يعني أن المد الاستقلالي والسيادي والاصلاحي الذي عبرت عنه الانتخابات النيابية قد شمل كل اللبنانيين على اختلاف انتماءاتهم، باستثناء الفاشيات  الشيعية ومواليها التي تستهدف النظام الديموقراطي مؤسسات وقيم، عبر تجويفه وجعله اسما لغير مسمى، واستعماله غطاء للسياسات الانقلابية التي تستهدف شرعية الكيان الوطني اللبناني بإسم ولاية الفقيه، والاجتماع السياسي اللبناني في مرتكزاته التعددية والليبرالية، والذخر الاجتماعي اللبناني (Social Capital) بمؤسساته المدنية، والاجتماعية والتربوية والاستشفائية، والمالية  والاقتصادية…،. نحن أمام انقسام حقيقي بين لبنانيين مجتمعين حول ولاءات وطنية ومدنية وسياسية جامعة، وآخرين يعيشون في خضم ديناميكيات سياسية ومقولات تنافي هذه الولاءات بشكل غير موارب، وتسعى لفرض خيارات بالارهاب، والكلام الاستعلائي، ورفض أي شكل من أشكال التسوية الديموقراطية، والمنطق الائتلافي، والروح الميثاقية  التي تستوجبها هذه المرحلة التي دمرت فيها المقومات الوطنية والدولتية والمدنية بحدودها الدنيا، لحساب سياسة توسعية ايرانية، وسياسات النهب الممنهج، والتطويع والسيطرة، والكذب والتصرف بارادة اللبنانيين الآخرين.

إن سقوط كل مخلفات النظام السوري وأدوات الفاشية الشيعية حاضرا (طلال ارسلان، وئام وهاب، فيصل كرامي، أسعد حردان، ايلي الفرزلي…) هو التعبير الابلغ عن السخط اللبناني الجامع حيال هذه المرحلة السيئة برموزها وأحزابها (البعث، القوميون، الاحزاب العائلية المصطنعة: الديموقراطي، التوحيد العربي، المردة)، وخرق مقاطعات الاقطاع التقليدي (وليد جنبلاط، سليمان فرنجية)، وكسر الاقفالات الاوليغارشية التي نشأت عن جمهورية الطائف الپوليارشية وأنظمة المحاصصة التي أسست لها ،من خلال دخول الحراكات المدنية الى المجلس النيابي الذي طوقته بتحصيناتها وتبعياتها الاقليمية، وعنفها، وفسادها. لقد نجحت الخيارات السيادية والاصلاحية في كسر الاقفالات، والحؤول دون تطويع التمثيل النيابي لارادة حزب الله الذي استبق عمليات الفرز عبر تهديدات ومحاولات ابتزاز ادلى بها رئيس كتلته محمد رعد، وسط سخرية جامعة وتحد سافر لمنطق الارهاب المتجدد دوما.

تفضي بنا مراجعة نتائج الانتخابات الى الملاحظات التالية:  تيار ميشال عون،لم يعد الا ترسبا لحركة سياسية فاشلة، وفاقدة الصدقية، تتشارك مع سواها من أفراد الاوليغارشية، في مجال السياسات المالية الريعية والزبائنية والحيازية التي أسست لواقع الفساد البنيوي الذي دمر البنيات الدولتية والمالية والاقتصادية والاجتماعية، وأحال اللبنانيين الى أحوال الفقر، والهجرة القسرية، وانهيار سلم القيم الاخلاقية الخاصة والعامة، لحساب مجتمع همجي اصبحت فيه الحياة “سيئة وفظة”. نهاية تيار عون وباسيل تتزامن مع نهاية العهد وتهاوي الأوهام التي أوحى بها. الساحة السياسية السنية تنتظر نهاية مرحلة الحريرية السياسية التي سقطت بفعل خواءاتها المتنوعة، وسقوط متكاءاتها السعودية، وهزالة ورثتها.السؤال هل من سبيل للدخول في مرحلة التعددية السياسية والائتلافات السياسية الپراغماتية والبعيدة عن الراديكاليات الاسلامية، لأن الزعامة المونوليتية قد ولت الى غير رجعة. إن خرق الثنائية الاقطاعية في الأوساط الدرزية من خلال نخب سياسية جديدة تظهر بؤس وفساد الاقطاع الجنبلاطي والارسلاني، قد دخل حيز التنفيذ (مارك ضو، فراس حمدان) وبلور حالة التململ في الأوساط الشبيبية والنخب الجديدة. الساحة السياسية المسيحية بقيت على تعدديتها وسياديتها وعليها ان تحسم في خياراتها، على مستوى مقاربة السياسات الاصلاحية، وعودة حركة النخب خارجا عن اقفالات مراكز النفوذ التي دفعت بها الحروب المديدة على أرضنا. لقد أفسحت الانتخابات النيابية المجال أمام انتقال الحراكات المدنية الى حيز العمل السياسي، الأمر الذي يجيب عن السؤال الدائم حول عدم قدرتها العبور الى العمل السياسي الفعلي في السنتين المنصرمتين، وتبين ملامح حركتها الاصلاحية المتراوحة بين العمل المدني والمهني ومزيج من اليوتوپيات الهائمة، والنزعات التوتاليتارية المتمثلة بشيعة شربل نحاس. تكمن أهمية هذه الانتخابات في إيجاد قطيعة نهائية بين ماض   أليم ومستقبل عاد الى متناولنا بعد طلاق مديد بين “المعنى والقدرة”.

بعد هذه المراجعة، علينا العودة الى الواقع المستجد الذي سمح للتيارات السيادية والاصلاحية استعادة مبادرتها تجاه المصادرات التي حكمت أداءات الاوليغارشيات على مدى عقود من التبعيات الاقليمية، واستباحة حقوق اللبنانيين وحرياتهم. لقد تظهرت مع هذه الانتخابات  ركاكة البنية الاوليغارشية التي لم يبق لها سوى التلطي وراء حزب الله، لحماية سياسات النهب والهروب من المقاضاة دوليا ومحليا. في حين أن حزب الله ومواليه لا سبيل لهم، كما يبدو  من خلال مواقفهم الأخيرة، سوى استهداف السلم  الاهلي، وإحكام الرباطات مع  النزاعات الاقليمية، وتعطيل المؤسسات الديموقراطية التي خرجت مع هذه الانتخابات عن نطاق سيطرتها. لا خيار للتيارات السيادية والاصلاحية سوى الائتلاف حول برنامج سياسي اصلاحي جامع لمواجهة الفاشيات الشيعية ومواليها، وإعادة البلاد الى قرارها السيادي، ولبنان الى الحياة الدولية والاقليمية كبلد سيد وخارج عن سياسات المحاور. إن نجاحنا في هذه المهة الصعبة هو تأسيس لمرحلة جديدة في لبنان والمنطقة، ودون ذلك عقبات وأخطار علينا ألا نتجاهلها.