نديم قطيش/هيدا نحن وهيدا جوّنا…المعركة هي فعلاً بين شواطئ جونية والمعاملتين وجبيل وكلّ لبنان وبين مَن يريدون تحويل الشواطئ إلى موانئ لمراكب الموت

231

هيدا نحن وهيدا جوّنا…
حزب الله ومن خلال صغار مشايخه وحتى قيادته العليا، يقول لنا ما يريده من لبنان وما يريده من خلال هذه المعركة
المعركة هي فعلاً بين شواطئ جونية والمعاملتين وجبيل وكلّ لبنان وبين مَن يريدون تحويل الشواطئ إلى موانئ لمراكب الموت
نديم قطيش/أساس ميديا/الإثنين 02 أيار 2022

من بين طفرات مواقع التواصل الاجتماعي في الزمن الانتخابي اللبناني، فيديو لشيخ شيعيّ يجعل نواة المعركة الانتخابية ضدّ من يريد لِبناته أن يكنّ على شواطئ المعاملتين وجونية وجبيل وعكسه. معركة بين الكفر والإيمان وبين الأنجاس والأطهار.

مثل هذه الحماقات، ليست جديدة، وكان يمكن تجاهلها لولا أنّ الرجل ينطق باسم العقل العميق لحزب الله. شيخنا في هذا الفيديو الذي تعوزه كلّ ملامح الذكاء والفطنة هو سليل المنطق نفسه الذي اشتهر به رئيس كتلة حزب الله النيابية محمد رعد، حين جعل من لبنان المقاومة، نقيضاً للبنان الكازينو والتجارة والملاهي الليلية والرقص. وهو المنطق نفسه الذي تحدّث به نائب الأمين العامّ لحزب الله نعيم قاسم، حين رفع في وجوهنا انتشار الحجاب دليلاً قاطعاً على انتصار “مشروع المقاومة”. وهو المنطق نفسه الذي جعل حسن نصرالله يتّهم معارضي تزويج القاصرات بأنّهم يعملون “في خدمة الشيطان”.

لغة شيخنا، الكاره لشواطئ جونية وجبيل والمعاملتين (وطبعاً صور والناقورة والأوزاعي)، هي لغة هذا العالم المسيّج بالصراع الأبدي بين الأطهار والشياطين، لغته وأفكاره بدقّة متناهية، وتعبير أمين عمّا هو أخطر من السلاح والصواريخ.

حزب الله ومن خلال صغار مشايخه وحتى قيادته العليا، يقول لنا ما يريده من لبنان وما يريده من خلال هذه المعركة

هو ضمناً يضع ما يراه “الرذيلة” في صفّ المسيحيّين حين يسمّي شواطئ “مناطقهم” حصراً، أو أنّه يقرّ بأنّ شواطئ دويلته، حيث الهيمنة مطلقة لحزب الأطهار (أطهر الناس)، على كامل تفاصيل الحيّز العام مأكلاً ومشرباً وملبساً، هي صورة ما يريد له أن يكون في عموم البلد لو قُدّر له أن يقرّر ذلك. حزب الأطهار في نهاية التحليل، إذا ما نُزعت عنه الأسلحة وسطوتها والخطابات الشعبوية الانتصارية، هو هذا المشروع الاجتماعي والقيميّ المغلق والعصبيّ المصاب برهاب الفرح والجنس وتحرّر الجسد الآدميّ من القيود الرمزية لإيديولوجيا الدين والخرافة.

يتوسّم شيخنا ما يتوسّمه حزب الأطهار، في السياسة، إنّها معبر للهيمنة الاجتماعية والقيميّة، في سياق عملية إعادة هندسة اجتماعية يعرفها الجنوبيون والبقاعيون والبعلبكيون وأهالي الهرمل منذ بدايات هيمنة “الأطهار” على تقنيّات الفرح والعزاء والأعراس والدفن والمدارس والأسواق والساحات.

وفي مكان ما هو محقّ. تأطيره للمعركة على هذا النحو ينطوي في الواقع على دقّة في توصيف طبيعة الصراع. هو فعلاً صراع بين مَن يريدون لبنان الشواطئ والملاهي والتجارة وبين مَن يريدون لبنان المرهون لقيم اجتماعية ودينية محافظة هي القاعدة الأساسية والبنية التحتية الرئيسية التي عليها يُبنى مشروع التخلّف السياسي لحزب الله، حيث تسود قيم غير إنسانية تحتقر الحياة والرخاء وتعظّم الموت والمأساة.

بيد أنّ المشكلة هي في الفارق النوعيّ بين النتائج التي يعتقد حزب الله أنّه يحقّقها أو يسعى لتحقيقها وبين النتائج التي حقّقها بالفعل. فمشروعه نجح لا في جعل شواطئ لبنان، مرتعاً “للفضيلة”، بل منطلقاً نحو الموت المحتوم كما ينبئنا مركب طرابلس الأخير، الممتلئ بفقراء ومعدمين ممّن سُدّت في وجوههم سبل الحياة الكريمة، بسبب انهيار الدولة والاقتصاد، الذي يتحمّل حزب الله المسؤولية الأولى والأخيرة عنه. لم يركب هؤلاء مراكب الموت إلا حين توسّع حضور حزب الله في تقرير مصير الدولة وسياساتها، وعلاقاتها وارتباطاتها.

أعرف تماماً سرديّة الفساد والطغمة الحاكمة والإقطاع السياسي والمذهبيّة. وهي كلّها مسؤولة بلا شكّ، بل إنّ ديناميّات تطوّرها، ولا سيّما خلال السنوات الأخيرة، جعلتها في شراكة موضوعيّة وفعليّة مع حزب الله. لكنّ أسوأ حكم عصابات هو أقلّ سوء من حكم عصابات يديره حزب الله، وأسوأ إقطاع مذهبي هو أقلّ سوء من إقطاع مذهبي يسيّره حزب الله.

المعركة هي فعلاً بين شواطئ جونية والمعاملتين وجبيل وكلّ لبنان وبين مَن يريدون تحويل الشواطئ إلى موانئ لمراكب الموت.

بين بلد تعود إليه سياحته بكلّ أبعادها، الترفيهية والطبية والثقافية، وتعود إليه تجارته، وجامعاته ومدارسه ومسرحه وسينماه وروايته وقصيدته وأغنيته وكلّ ما لا يمكن له أن ينمو ويزهر تحت أعين حرّاس الفضيلة.

حزب الله ومن خلال صغار مشايخه وحتى قيادته العليا، يقول لنا ما يريده من لبنان وما يريده من خلال هذه المعركة، وعلى مَن هم في مواجهته أن لا يضيعوا بوصلة معركتهم التي كانت وستظلّ حول هويّة لبنان.

“هيدا نحن وهيدا جوّنا”، كما يقول إعلان “بيرة ألمازا” الشهير. هنا مربط الخيل وهنا المعركة الأساس.