غسان عياش/النهار: الخطّة في مكان والتعافي في مكان آخر…لبنان يتلمّس الطريق الوعر للخروج من أكبر محنة اقتصادية واجتماعية عرفها منذ تأسيسه، لكنه لا يهتدي إلى السبيل

82

“الخطّة في مكان والتعافي في مكان آخر”… لبنان يتلمّس الطريق الوعر للخروج من أكبر محنة اقتصادية واجتماعية عرفها منذ تأسيسه، لكنه لا يهتدي إلى السبيل

غسان عياش/النهار/27 نيسان/2022

تزاحمت في الأسابيع الماضية مجموعة من المسائل المالية والاقتصادية البالغة الأهمّية، التي كان يفترض طرحها منذ بداية الانهيار. مشروع قانون القيود على التحويلات المصرفية والسحوبات النقدية وشبكة الأفكار والمشاريع التي وردت في خطّة الحكومة للتعافي المالي.

لكن الحدث المأساوي الذي أودى بحياة عدد من أبناء طرابلس، الهاربين من البؤس والفقر، لا يجوز تجاهله أو القفز من فوقه. لا بدّ من استذكار هول المأساة، وذرف دمعة على الفقراء الأبرياء الذين قتلهم بحر الشمال، قبل الغوص في بحر الاقتصاد وهمومه الكبيرة.

بين طرابلس ومحيطها وبين الفقر علاقة قديمة، وقد أصبحت الحلول الاقتصادية والاجتماعية للفيحاء والشمال مهمّة مستحيلة بمعزل عن معالجة “الكارثة اللبنانية” التي تنوء تحتها كل مناطق لبنان من دون استثناء.

ولبنان يتلمّس الطريق الوعر للخروج من أكبر محنة اقتصادية واجتماعية عرفها منذ تأسيسه، لكنه لا يهتدي إلى السبيل. فهو يعاني من ضعف الحكم وتفكّك السلطة وتعدّد الرؤوس وتوزّع مراكز القرار، وكل هذه المراكز فاقدة للرؤيا وتغلّب المصالح الذاتية على مصلحة البلاد وصالح السكان.

دخلت نقابات المهن الحرّة بقوّة على خطّ الجدل حول الحلول المطروحة، لكن خطاب النقابات التي تمثّل أبرز نخب المجتمع اللبناني لم يكن مقنعا بكل جوانبه. فهي صبّت جام غضبها وسخطها على ما يعرف بمشروع قانون الـ كابيتال كونترول، فيما كان من الأسلم والأصح توجيه الأنظار إلى الوثيقة الأكثر أهمّية التي سرّبتها الحكومة تحت مسمّى “خطة التعافي الجديدة”، أو الاتّفاق المبدئي مع صندوق النقد الدولي.

فمشروع القانون الذي بدأت اللجان النيابية بدرسه هو ضرورة ملحّة، وإذا كان من نقد يوجّه إليه فهو بسبب تأخّر الحكومة والبرلمان في إقراره أكثر من سنتين نصف السنة. وبدل عرقلة إصدار القانون، كان أجدر بنقابات المحامين والمهندسين والأطبّاء ومعها فعاليات المجتمع المدني وضع ملاحظات على بعض مواده لتصويب نقاشه في مجلس النوّاب، كما فعلنا في المذكّرة التي وضعناها بمبادرة من الوزير السابق والأكاديمي سمير المقدسي وقدّمناها إلى اللجان النيابية المكلّفة بدرسه.

أمّا خطّة التعافي فموضوع آخر.

في كانون الأوّل الماضي كتب الدكتور مكرم صادر مقالا عن “إعادة هيكلة المصارف” جاء فيه أن الفجوة المالية البالغة 60 مليار دولار تكوّنت لثلاثة أسباب بكلفة متوازية. ذكر صادر أن هذه الأسباب هي الحفاظ على استقرار سعر الصرف بكلفة 20 مليار دولار وإقراض الدولة بالعملات الأجنبية مبلغا مماثلا، إضافة إلى 20 مليار دولار استعملها مصرف لبنان لتمويل استيراد السلع والخدمات، خصوصا المحروقات، ما استهلك منها في لبنان وما هرّب إلى سورية.

خطّة الحكومة تتغاضى عن هذه الأرقام المسلّم بها، وتشيح بنظرها عن المسؤوليات التي تكشفها، فتقرّر تحميل المودعين والمساهمين في المصارف مبلغ 60 مليار دولار معرّضة الثقة بالنظام المالي إلى ضياع لا قيامة له من بعده.

في ظل نظام سياسي ضعيف ومفكّك، وقيادة تفتقد إلى الرؤيا وبعد النظر، وبعد هدم الثقة بالنظام المصرفي وهو الأداة الأساسية لتمويل الاقتصاد، تقدّم الخطّة نفسها على أنها خارطة طريق لمستقبل مشرق. فهي تدّعي أن بين أهدافها تعزيز النموّ، وخلق الوظائف، وتخفيض معدّلات الفقر، وتحسين مستوى المعيشة، وتوفير الخدمات الأساسية للسكان في التعليم والصحّة والطاقة، وتهيئة البيئة الملائمة التي تشجّع القطاع الخاص على الاستثمار، وسوى ذلك من الوعود الوهمية.

وتنسب الخطّة زورا إلى موازنة 2022 بأنها تدعم الإنفاق الاجتماعي وتخفّف العبء عن الفئات الأكثر ضعفا وتعالج الآثار الاجتماعية للأزمة على اللبنانيين. وهي تقدّم وعودا برّاقة تتّصل بتحسين الشروط الحياتية للمواطنين، وإصلاح القطاع العام ومؤسّساته، بما فيها قطاع الكهرباء، ووضع حدّ لأزمة المالية العامّة المزمنة، على صعد الإيرادات والنفقات والدين العام. المقصود من كل ما سبق هو توجيه دعوة إلى مكوّنات المجتمع لإيلاء العناية للأهمّ قبل المهمّ، والمساعدة على تصويب مسار الدولة والقطاع الخاص على حدّ سواء. فالبلاد أمام مفترق خطير: إمّا الخروج من الأزمة عبر خطّة واقعية، أو الوقوع في أسر الفقر والتخلّف إلى أبد الآبدين.