طوني بولس/اتساع مؤشرات خضوع القضاء اللبناني للتيارات النافذة

34

اتساع مؤشرات خضوع القضاء اللبناني للتيارات النافذة
طوني بولس/انديبندت عربية/20 نيسان/2022

تؤكد تقارير دولية التدخل السياسي “الخطر” في الأجهزة القضائية والحكومة تبرئ ساحتها: هدفها ابتزاز السلطات
تشير معظم التقارير الدولية إلى تدهور كبير على مستوى حقوق الإنسان في لبنان، الذي كان خلال السنوات الماضية منارة للقيم والحريات العامة بالمنطقة العربية، وفي معرض تقويمه للواقع اللبناني كشف تقرير صادر عن هيئة “حقوق الإنسان في العالم” نشرته وزارة الخارجية الأميركية عن “فضائح”، إذ تحدث عن معلومات موثوقة تؤكد “التدخل السياسي الخطر في الأجهزة القضائية وشؤونها وفرض قيود خطرة على حرية التعبير والإعلام”. التقرير أشار إلى ممارسة العنف والتهديد به، وكذلك الاعتقالات والملاحقات القضائية غير المبررة ضد الصحافيين، إضافة إلى فرض قيود خطرة على حرية الإنترنت والإعادة القسرية للاجئين إلى بلدان يواجهون فيها تهديداً لحياتهم أو حريتهم. وقال التقرير إن لبنان يشهد فساداً رسمياً خطيراً ورفيع المستوى وواسع النطاق، وإن “المسؤولين الحكوميين تمتعوا بقدر من الإفلات من العقاب على انتهاكات حقوق الإنسان، ويشمل ذلك التهرب من العمليات القضائية أو التأثير عليها”. ولفت إلى وجود تقارير من جماعات حقوق الإنسان تؤكد أن الحكومة أو وكلاءها ارتكبوا جريمة قتل تعسفية أو غير قانونية. كما أورد التقرير أن كيانات غير حكومية مثل “حزب الله” وميليشيات فلسطينية غير حكومية تدير مرافق احتجاز غير رسمية، وتوقف عند “حالات قتل لمنتقدين بارزين لحزب الله، واشتباكات بين عناصر الحزب وأفراد من القبائل”.

الجريمة المنظمة
في سياق تأكيده تدخل السياسيين في القضاء والأجهزة الأمنية، قال مصدر أمني إنه “أكثر من مرة يتم إلقاء القبض على متهمين أو مدانين بقضايا مختلفة، لنفاجأ لاحقاً أنهم ارتكبوا جرائم جديدة، وليتبين أن جهات سياسية أفلتتهم من العقاب”. مضيفاًَ أن “التدخلات السياسية في التحقيقات ليست سراً، وجميع اللبنانيين على علم بذلك”، متهماً بعض القضاة بأنهم ممثلون لجهات سياسية ويأمنون الحماية لأتباعهم. المصدر الأمني كشف عن وجود عصابات إجرامية تحظى بحماية أمنية وسياسية، لا سيما عصابات سرقة السيارات وتجارة المخدرات والاختطاف والتهريب، إذ سجل توقيف لأعضاء من تلك العصابات أكثر من مرة خلال فترات لا تتجاوز الشهر أو الشهرين، الأمر الذي يؤكد وجود تدخلات سياسية لإطلاقهم. وأوضح أن التدخلات تنسحب أيضاً إلى داخل المؤسسات الأمنية، إذ تتم التعيينات، لا سيما في مناطق حساسة، وفق رغبة السياسيين بطريقة لا تتعارض مع نشاطات تلك العصابات، معتبراً أن الأمر يرقى إلى الجريمة المنظمة، كونها عبارة عن سلسلة متكاملة تحمي بعضها.

جرائم سياسية
وفي شأن بعض الجرائم التي تصنف بأنها سياسية وآخرها اغتيال الإعلامي المعارض لقمان سليم، يؤكد المصدر نفسه استحالة الوصول إلى الجناة في مثل هذا النوع من الجرائم، إذ تبدأ قضية محو الأدلة من لحظة ارتكاب الجريمة، مع شكوك حول العناصر التي تتولى التحقيقات إلى القضاة الذين تحال إليهم القضية، وتتم المماطلة وتفريغ القضية من مضمونها قبل حفظ الملف لعدم التوصل إلى الأدلة الكافية. ويقارن بين سرعة الأجهزة الأمنية في ملاحقة مرتكبي الجرائم الجنائية والقدرة على كشف تفاصيل أكثر تعقيداً خلال أيام قليلة، وبين عدم القدرة على كشف خيوط بسيطة في الوقائع التي توصف بأنها سياسية، مشيراً إلى سلسلة الجرائم التي وقعت بعد انفجار مرفأ بيروت، وبدأت باغتيال العقيد منير أبو رجيلي والمصور جو بجاني إضافة إلى المصرفي المسؤول عن تعقب عمليات تبييض الأموال أنطوان داغر، وأخيراً الناشط السياسي لقمان سليم، مؤكداً عدم وجود تحقيقات جدية في تلك القضايا، وأن هناك جهات نافذة ومؤثرة تمنع كذلك.

أداة قمع
ويرى الناشط الحقوقي أيمن رعد أن القضاء في لبنان مسيّس، لا سيما في المراكز الحساسة، إذ تصدر التعيينات بموجب مرسوم صادر عن الحكومة التي تعتمد أسلوب المحاصصة السياسية. وقال رعد إنه على سبيل المثال في أعلى هرم القضاء المدعي العام غسان عويدات محسوب على تيار المستقبل، في حين أن المدعي العام المالي علي إبراهيم محسوب على حركة أمل، ومدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون محسوبة على رئيس الجمهورية. وشدد على أن “مشهد مجموعتين حزبيتين كل واحدة منهما تدعم قاضياً محسوباً سياسياً عليها، هو مؤشر علني صريح إلى انهيار الهيكل القضائي في لبنان بشكل تام”، متأسفاً بأن القضاء يمكن أن يكون مفتاحاً لملاحقة المتظاهرين والناشطين وادعاءات النيابات الفارغة، وأن يكون وسيلة قمع بيد السلطة السياسية. ويشير أمين التوجيه في المؤتمر الدائم للفيدرالية المحامي نديم بستاني، إلى أن “كل مرجعية أو دائرة قضائية، خصوصاً الجزائية منها، تابعة للنفوذ السياسي بالتعيينات والتشكيلات والتأديب والترقيات ومراكز القرار، أما القضاة النزيهون والمستقلون فإما أن يتم وضعهم في مراكز غير مؤثرة أو عزلهم ضمن وظائف إدارية في وزارة العدل”. وقال بستاني، “على الرغم من وجود قضاة مناضلين ومكافحين ويملكون ما يتطلب من كفاءة ومقدرة وهامش حرية لصون كرامتهم، فإن النظام يحول دون استقلالية القضاء، لا سيما في ظل القوانين القائمة وآلية تنظيم عمل القضاء وكيفية تشكيل السلطات في لبنان”.

الدولة البوليسية
تتخوف تقارير حقوقية دولية عدة من تحول لبنان من دولة الحريات الإعلامية إلى دولة بوليسية، إذ شهد العام الماضي 203 انتهاكات خطرة على حرية التعبير، معظمها اعتداءات على الصحافيين من قبل جهات فاعلة غير حكومية وقوات الأمن اللبنانية، وذلك وفقًا لتقرير صادر عن مركز “سكايز” للحريات الإعلامية والثقافية. هذا التراجع في حقوق حرية التعبير بحسب التقارير أظهر أن القضاء والنيابة العامة مدمجان بشكل خطر في أجهزة الأمن الحكومية التي تعتمد المضايقات والاعتقالات المنهجية للصحافيين على يد مجموعة من ضباط الأمن الفاسدين والمدعين العامين والقضاة المستعدين للانصياع لأوامر النخبة السياسية الراسخة في البلاد. ونتيجة للقيود الأمنية بات الصحافيون اللبنانيون يعتمدون السير على خيط رفيع مرعب للموازنة بين الصدقية الإعلامية ومراعاة خطر الاعتقال أو العنف، وتعكس الحملة على حرية التعبير يأس النخبة السياسية.

ابتزاز الدولة
في المقابل، يعتبر أحد مستشاري رئيس الجمهورية (رفض الكشف عن اسمه) أن تلك التقارير الدولية تهدف إلى ابتزاز السلطات اللبنانية، إذ برأيه أن الحريات العامة، لا سيما الإعلامية منها، مصانة بشكل كامل، مستشهداً بالانتقادات الواسعة والمهينة التي يتعرض لها رئيس الجمهورية عبر المنابر الإعلامية وعلى صفحات مواقع التواصل الاجتماعي من دون أن يكون هناك أي إجراءات قضائية، مستغرباً الحديث عن دولة بوليسية أو أمنية في لبنان. واعتبر أن الرئيس وفريقه السياسي لا يزال يقاتل منذ بداية عهده لاستقلالية القضاء، مشيراً إلى سلسلة اقتراحات قوانين جرى تقديمها إلى السلطة التشريعية من أجل استقلالية القضاء ورفع يد السياسيين عنه، معتبراً أن النظام الحالي بتركيبته يعطي إمكان تدخل السلطة التنفيذية في القضاء من خلال التعيينات.

عيوب فاضحة
ومنذ أشهر عدة ألقت منظمة “هيومن رايتس ووتش” في تقرير لها الضوء على أربع جرائم قتل ذات حساسية سياسية ارتكبت في لبنان خلال العامين الماضيين، كانت التحقيقات فيها حافلة بالعيوب، داعية الدول المانحة إلى مراجعة المساعدات المقدمة إلى قوى الأمن الداخلي والقضاء. وقالت باحثة لبنان في “هيومن رايتس ووتش” آية مجذوب، “المجتمع الدولي حوّل ملايين الدولارات إلى الأجهزة الأمنية اللبنانية على مر السنين، لكن من الواضح أن هذا لم يلغ ثقافة الإفلات من العقاب السائدة، وعلى المانحين مراجعة المساعدات التي يقدمونها لضمان أنهم لا يمولون الوحدات الضالعة في التستر على جرائم القتل الحساسة وغيرها من الانتهاكات الحقوقية”. وفندت “هيومن رايتس ووتش” أوجه القصور المتعددة والإهمال الجسيم وانتهاكات الإجراءات في أربعة تحقيقات في جرائم قتل ذات حساسية سياسية خلال العامين الماضيين، تظهر كيف أن التمويل السخي والتدريب من المانحين لقوى الأمن والقضاء في لبنان لم تؤد إلى سيادة القانون. وتبعاً للتقرير ذكر محامون وأقارب ومصادر مقربة من عائلات ضحايا الاغتيالات عدم جدية قوى الأمن في التعامل مع التحقيقات، وعدم متابعة خيوط تحقيق مهمة لتحديد الدوافع المعقولة لقتلهم. وقال أفراد الأسر إن الأسئلة التي طُرحت عليهم كانت سطحية ومقتصرة على دوافع شخصية غير محتملة لعمليات القتل، متجاهلة على نحو سابق لأوانه السيناريوهات المحتملة الأخرى، بما في ذلك إمكان ربط جرائم القتل بعمل الضحايا الحساس سياسياً. وأضافت العائلات أنه لم يتم استجواب الأشخاص الرئيسين الذين قد تكون لديهم معلومات حساسة وربما مهمة حول جرائم القتل أو الدافع.