أسعد بشارة/زيارة البابا تتجاوز عون وعهده

38

زيارة البابا تتجاوز عون وعهده
أسعد بشارة/نداء الوطن/8 نيسان 2022

بمحاولة دوائر القصر الجمهوري تحويل زيارة البابا المرتقبة مبدئياً في حزيران الى لبنان، الى استعراض لا يترجم في المعادلة الداخلية، تكون الزيارة قد كشفت هزالة الطاقم السياسي اللبناني الذي يستنجد على الشعب الغريق بقشة كي يعوّم نفسه ولو من باب إقحام حدث كبير بتفاصيل وأهداف صغيرة.

الزيارة قُرّرت منذ حوالى أسبوعين مبدئياً وحدّد موعدها في حزيران واول من عرف بها البطريرك الراعي الذي صمت وفقاً للأصول التي تحتم أن يعلن عنها من الفاتيكان لا من الكنيسة المارونية ولا من دوائر القصر المتلهفة لاستجداء إنجازات للرئيس القوي ليست من صنعه.

والزيارة ايضاً لا يمكن ان توضع وليس باستطاعة أي طرف داخلي ان يجيّرها لحسابات محلية لا سلباً ولا إيجابا إذ أن المتعارف عليه أن الفاتيكان الدولة لا يقرر مثل هذا النوع من الزيارات لرأس الكنيسة إلا بعد دراسة وتحضير الهدف منهما إنجاح الزيارة من زاوية مساعدة البلد الذي سيُزار ودعم شعبه وتعزيز وضع المسيحيين. هكذا قررت زيارة البابا الراحل يوحنا بولس الثاني التاريخية للبنان، وكذلك أيضاً زيارة البابا بنديكتوس، وهذا ما يطبق في زيارة البابا فرنسيس، التي سبق موعد تحديدها المبدئي اتصالات فاتيكانية اوروبية أميركية وحتى عربية، ونتائج هذه الاتصالات تبقى عاملاً مقرراً في تثبيت موعد الزيارة أو تأجيله، وهو ما سيصدر حكماً عن الفاتيكان، لا عن أي طرف داخلي متلهف لتحقيق انتصارات وهمية في لبنان.

المعبر الاساسي لترتيب الزيارة والتحضير لها ستكون بكركي والكنائس الاخرى باعتبارها المرجع الوحيد الموثوق والقادر على القيام بالمهمة، ذلك خلافاً لتمنيات من يحرضون على موقف الكنيسة والبطريرك الراعي من زوايا عدة. هذا التحريض وصل الى حد زعم عدم نية البابا بزيارة لبنان ما دام البطريرك الراعي في بكركي، وهو زعم تنفيه الوقائع وينفيه كون البطريرك الراعي هو أول من يتماهى مع سياسة الفاتيكان واهدافه في حماية لبنان.

هذا التحريض لم تقم الكنيسة حتى بمحاولة دحضه، لأن ما فيه ينفيه، فالعلاقة بين الكنيسة والفاتيكان هي في أفضل مرتبة يمكن ان توضع في تاريخ العلاقات الكنسية، خصوصاً لجهة المواقف التي يتخذها البطريرك الراعي المشددة على رفض السلاح والنفوذ الإيراني والمتمسكة بسيادة لبنان وعلاقاته العربية والدولية، ولعل تلك المواقف كانت السبب المباشر في التحريض على البطريرك الراعي عبر وسائل إعلام تابعة لـ»حزب الله»، بتنسيق بين الحزب ودوائر مرجعية سياسية يتولى المستشارون فيها مهمة استكتاب مقالات وتسريب معلومات مفبركة، تنال من علاقة الراعي بالفاتيكان، ومن المؤكد أن البطريرك الراعي لو تراجع عن مواقفه، لأصبحت علاقته بالفاتيكان كما سيكتب وينشر، في اعلى درجات الامتياز.

ينظر الفاتيكان الى الملف اللبناني من زاوية الحرص ومحاولة استباق مخاطر جمة تتعرض لها التجربة اللبنانية، التي ترعاها الكنيسة البابوية بأبوة الحريص على النموذج الرسالة. والكنيسة التي تعرف لبنان وتجربته، تمتلك المعرفة والمناعة لمنع استثمار الزيارة في اهداف سياسية داخلية، تماماً كما فعلت خلال زيارة الرئيس ميشال عون الى الفاتيكان حيث قطعت الطريق على محاولته الباس الكنيسة مواقف لم ولن تتبناها. لهذا ينتظر لبنان زيارة بابوية حبرية وشعبية بتوقيت حساس، في نهايات عهد الرئيس ميشال عون الذي يأمل ان يوظفها، لتكون بداية لاستنساخ نيو عهد عوني، يستظل بتحالف الأقليات وبحماية مشروع إيران. أما الكنيسة فهي تشدد منذ الآن على إجراء الانتخابات النيابية، وعلى منع الفراغ الرئاسي تحت أي ذريعة، كما على بدء الاصلاح الحقيقي الذي يفترض أن يبدأ لانتشال لبنان من الحفرة العميقة.