الكولونيل شربل بركات/قيقبت …. وفرّ حنا هاربا باتجاه البلدة، فصرخ به والده ولك وين رايح ركض هيك بعدنا ما خلصنا شغل فقال حنا وهو يركض قيقبت… قيقبت

194

قيقبت …. وفرّ حنا هاربا باتجاه البلدة، فصرخ به والده “ولك وين رايح ركض هيك بعدنا ما خلصنا شغل” فقال حنا وهو يركض “قيقبت… قيقبت…”

الكولونيل شربل بركات/06 نيسان/2022

في زمن الربيع والطقس الجميل تكثر الحشرات الزاحفة والطائرة وتتفتح الطبيعة بزهورها وتنتشر عطورها، ويفرح الفلاح فيغدو قبل الفجر يعمل في الحقول التي كانت نائمة طيلة الشتاء وها هي تصحو مرة واحدة تدب فيها الحياة وتحاول أن تتسابق في النمو والعطاء، وعليه أن ينسّق دورتها ويرعى نموها؛ فيقلع ما لا يريده من الأعشاب، ويخفف عن مزروعاته ما يشاركها ويطعمه لحيواناته، ويفلح التراب الذي لبدته الأمطار فيتهوى ويغدو أكثر ليونة ليحفظ الرطوبة بداخله فتسرح بها الجذور وتتغذي الأشجار ويخف دخول اشعة الشمس التي تبخّر هذه الرطوبة من الأرض. من هنا فشهر نيسان هو شهر العمل في الحقول بامتياز، وفيه يصبح النهار أطول، والطبيعة أدفى تنسي برد الشتاء ولياليه المصقعة، فينهض الناس باكرا، وتعجّ الحقول بالعاملين، إن في التعشيب أو كسار الملك، الذي يتطلب النكوشة حول الأشجار حيث لا تطال سكة الفلاحة، وتنظيف الربعان من الأعشاب وجمعها لعشاء الحيوانات، من الفدان إلى الحمار وحتى بعض الجديان الصغار في البيت، وإن في التقطيش وتشذيب الأشجار المثمرة قبل أن تتفتح براعمها الجديدة. ولذا، ولكي ينهي المطلوب منه، على الفلاح أن يجهد ويعمل طيلة النهار من الفجر إلى النجر كما يقال.

كان أبو فرنسيس سعيد حنا روكز دياب من الذين هاجروا إلى كوبا هابانا وعمل هناك فجمع ثروة استطاع أن يعود بها ليبني بيته مع بئر منقور بالصخر ويصون دارها المبلط مع باب خارجي كبير وبجانبها جنينة يزرع فيها كل ما يحتاجه البيت من الخضار وبعض الأشجار المثمرة. وقد منّ الله عليه بخمسة صبيان وثلاث بنات ملأوا حياته بالفرح وخفة الدم.

وفي نيسان حيث يكثر العمل بالحقول، كان أبو فرنسيس يفلح ملكياته حول المحفرة، وقد طلب مساعدة الأولاد الكبار، خاصة فرنسيس وحنا. وكان حنا قد بلغ الخامسة عشر من عمره تقريبا وقد بدأ وربعه بالتخطيط لمشاريع اللعب في دار الكنيسة، وحتى مراقبة الصبايا ومحاولة التقرب منهن كما يفعل الشباب أحيانا، سيما وأن فرصة عيد الكبير قد بدأت. ولكن أبو فرنسيس كانت له مشاريع أخرى، فالطقس الجميل قد اثار فيه لذة العمل في حقوله، فخطط لاستغلال فرصة الكبار من أولاده لمساعدته على تنفيذ فلاحة الملك والنكوشة حول الأشجار لكي ينهي المطلوب قبل عودتهم إلى المدرسة. ولذا فقد كان بدأ باكرا بالفلاحة على فدانه النشيط، فأنهى فلاحة الجل الفوقاني، ورمّى الجل الثاني قبل أن تحمى الشمس، ثم فك الفدان وترك البقرات تفطر من الربعان، وطلب من ولديه مساعدته في انهاء نكاش الحوافي وتجميع العشب لتحميل الحمار بعد نهاية العمل.

كان حنا حايص يحاول أن يستعجل لانهاء العمل، كونه وأصدقائه كانوا خططوا للقيام بمشروع مهم جدا بالنسبة لهم، فجارتهم ام يوسف كانت قررت أن تعمل كعك عيد وطلبت مساعدة الصبايا والشباب لتنقيش الكعك، وهي المناسبة المهمة التي يجتمعون فيها مع الصبايا بدون خوف، حيث يعملون مع بعض حول الطبليات الصغيرة فيتهامسون ويعلّقون وينكّتون ويضحكون بشكل طبيعي وبدون الشعور باي ذنب. ومن هنا حيصنة حنا فهو يريد أن يكمل العمل ويعود إلى البيت قبل بدء الشغل بالكعك، بينما والده غير مهتم بالاسراع كي لا يتعب الأولاد أو الفدان. وبينما هم يجلسون للفطور تحت الزيتونة الوارفة رأى حنا بأن “أصبح” الثور قد رفع ذنبه وركض تائها، فسأل والده “لماذا هرب الثور؟” فقال له الوالد: “بدو يكون قيقب” فسأل حنا “شو يعني قيقب؟” فأجاب والده “يعني قرصته القيقوبة”. أعجب حنا بقصة الثور وعندما عادوا للعمل ثانية وبينما ذهب والده لاعادة الثور وكدن الفدان رمى حنا المنكوش وفرّ هاربا باتجاه البلدة، فصرخ به والده “ولك وين رايح ركض هيك بعدنا ما خلصنا شغل” فقال حنا وهو يركض “قيقبت… قيقبت…”