الكولونيل شربل بركات/وداع المرفع أو ما يطلق عليه الأوروبيون اسم كرنفال Carnival

71

وداع المرفع أو ما يطلق عليه الأوروبيون اسم كرنفال Carnival

الكولونيل شربل بركات/02 نيسان/2022

في تقاليدنا المحلية المرافقة لموارنة جبل لبنان هناك عادات مهمة لا تزال متأصلة بالمجتمع المحلي يتبع خلالها المؤمنون تعاليم الكنيسة بالصيام الذي ينقطعون فيه عن الأكل طيلة اثنتا عشرة ساعة يوميا لمدة تقارب الخمسين يوما تبدأ من اثنين الرماد وتنتهي ظهر سبت النور الذي يسبق أحد القيامة، ويتم خلالها ايضا الامتناع عن أكل اللحوم على أنواعها والدهون والزيوت والألبان ومشتقاتها كما البيض. ولا يبقى للفلاح إلا الحبوب التي يجب أن يأكلها مسلوقة تقريبا، والخضار القليلة والتي لا يكون انتاجها الفعلي قد بدأ بعد والتي يستعاض عنها ببعض أنواع من الأعشاب البرية الصالحة للأكل وهي تكثر في تلك الفترة من السنة بدخول الربيع فتغني بعض الشيء عن اللحوم والدهون من الناحية الغذائية. وينقطع البعض عن تناول الكثير من الملذات التي تدخل في نظامهم الغذائي مثل الحلويات على أنواعها بدءً من الدبس الذي يعتبر اساسي في غذاء الفلاح اللبناني أو التين المجفف على أنواعه والمربيات وهي أيضا من صلب مونته لفصل الشتاء. كما تمنع الاحتفالات واقامة الاعراس وشرب الخمر وشتى أنواع الأفراح طيلة فترة الصيام تلك والتي يتذكر فيها المسيحيون مرحلة الخلاص من خلال التضحية بالنفس التي قام بها السيد المسيح وأدت إلى موته على الصليب ومن ثم قيامته من بين الأموات. ولكن وقبل البدء بالصيام يودع الفلاح اللبناني مرحلة التلذذ بالمأكولات بما يسميه “المرفع” وهو الأسبوع الذي يسبق بداية الصوم الكبير.

تحضيرا لمرحلة التقشف المطلوبة خلال الصوم يحاول الفلاح اللبناني التمتع، لا بل توديع كل ما لذ وطاب من المآكل خلال اسبوع المرفع هذا، ومن هنا فقد كان يربي ما يسمونه “مرفعية” أو “دبيحة” وهي كناية عن جدي أو خروف يسمونه “تني” أي ابن سنة أو أكثر قليلا يقطعونه عن القطيع ويعلفونه في البيت مدة تزيد عن الشهرين أو الثلاثة يقدمون له فيها ما أمكن من الغذاء لكي يزيد وزنه ويطرى لحمه وينمو شحمه لعدم اضطراره للحركة العادية بحثا عن الغذاء كسائر القطيع. وهذه المرفعية هي كالعجل المثمن تذبح في بداية اسبوع المرفع وتكفي العائلة لكل أنواع المآكل التي يدخل فيها اللحم والتي يمنع تناولها طيلة فترة الصيام. وخلال اسبوع المرفع تجري الاحتفالات في البيوت وبين الاصدقاء ويشرب العرق مع اللحم الني والكبة النية حيث يسمع في الأحياء دق الكبة في الأجران كيفما توجهت وما يبقى منها يشوى أو يقلى وكثيرا ما يعمل منه صواني الكبة المحشية باللحم والبصل والصنوبر. وفي هذا الاسبوع تفوح روائح اللحم المشوي والدجاج المطبوخ والطيوب والبهارات التي ترافق المآكل اللذيذة. ويعتبر يوم خميس المرفع الذي يقع وسط ذلك الأسبوع خميس السكارى اي اليوم الذي يسمح فيه الشرب حتى السكر لأن الفلاح اللبناني، والذي لم يمنع عليه شرب القليل من الخمر وخاصة العرق الذي يحضّره من ضمن مونته السنوية، لم يكن يتمادى في شرب الخمر ولا يسمح لنفسه بأن يصل إلى درجة السكر أبدا، ومن هنا، وفي خلال اسبوع المرفع، تسمح التقاليد ببعض التراخي في الاصول المتبعة والانضباط في التصرف. ويوم الأحد الذي ينتهي فيه اسبوع المرفع وتحضيرا ليوم الأثنين وهو إثنين الرماد الذي يتذكر فيه الانسان “أنه تراب وإلى التراب يعود” يجب التخلص من كل بقايا اللحوم والممنوعات التي ستنقطع عن مائدة هؤلاء. ولذا فبعد القداس يوم الأحد يخرج كل ابناء البلدة إلى البيادر حيث يقومون بتوديع المرفع والانتهاء من كل ما يمت له بصلة. وتكون هذه مثل “البيكنيك” يجتمع فيها أغلب ابناء القرية ويحتفلون معا حيث يأكلون ويشربون ويرقصون ويغنون وتقوم حلقات الدبكة وتحدي الشعراء وتفيض القريحة والسحجة وكل ما يمكن أن يضيف فرحا لوداع المرفع. وفي آخر النهار يحتفلون بجناز المرفع حيث يلبس “ماعوص” شرشفا أبيض ويرفع على الأكف ويمشي الكل في جنازته ودفنه لأنهم لن يروا أو يذوقوا طعمه إلى ما بعد القيامة.

هذه العادات كانت تقام في عين إبل قديما وهي بالطبع مأخوذة من تراث الفلاح اللبناني المسيحي أو الماروني بشكل خاص، ولكن يوم وداع المرفع لم يكن يجري بنفس الطريقة في كل سنة بسبب الطقس، فنحن نتكلم عن شهر شباط، وهو وإن كان كما يقال “كيف ما شبط ولبط ريحة الصيف فيه” إلا أنه يمكن أن يكون يوم أحد المرفع يوما ماطرا أو حتى مثلجا وخاصة في جبال لبنان، ولذا فهذه العادة ليست من العادات الواجب اتباعها، ومن هنا عدم استمرارها كونها تتبع الظروف المناخية، إنما روح الاحتفال بقيت مرافقة لتقاليد القرية. ولكننا نرى في بلاد أميركا الجنوبية خاصة في البرازيل وحتى في بعض أنحاء أوروبا نفس العادة وهي الاحتفال بنهاية المرفع ويسمى الكرنفال (carnival بالانكليزية وهي من جذر carnie المتعلق باللحم مثل في كلمة carnivore أي آكل اللحوم) وعندما نتكلم عن Mardi gras وهو يوم الثلاثاء الذي يسبق بداية الصوم عند اللاتين والذي يبدأ الاربعاء الذي يلي تنين الرماد عندنا وهو اخر يوم مسموح فيه أكل اللحم نعرف ارتباط هذا التقليد باسبوع المرفع ونهايته وهو معروف في فرنسا وفي New Orleans في الولايات المتحدة التي كانت عاصمة لويزيانا الفرنسية. ولكن الكرنفال اشتهر في البرازيل كأهم عيد يتابعه الناس لأن الطقس في القسم الجنوبي من الكرة الأرضية يناسب الاحتفالات كونه يقع في نهاية الصيف عندهم ولذا فيمكن التحضير له والقيام به، انما في لبنان لا يمكن التكهن بما سيكون عليه نهاية المرفع للتحضير المسبق لهكذا احتفال، وتبقى روحية الاحتفال هي نفسها في وداع أطاييب المرفع للتحضر لفترة الصوم. بينما عند المسلمين، خاصة أن صيامهم يبدأ اليوم ونتمنى لهم صوما مباركا، فإن الاحتفال لا يسبق الصوم انما يرافقه ويعتبر شهر رمضان، وهو الشهر الذي يصوم فيه المسلمون، أهم الأشهر خلال السنة وفيه تقام الولائم التي ترافق عملية الصيام وتتخلل ذلك الشهر بدل أن يكون شهر تقشف يسبقه الاحتفال بالمرفع الذي يودع خلاله الفرح بكل أشكاله للمشاركة بمرحلة الالام. وقد يكون مفهوم المسلمين بالنسبة لموت السيد المسيح الذي يعتبرونه “شبّه به” ولم يمت هو ما يجعل الصيام فترة فرح بدل أن تكون فترة حزن والانقطاع عن الطعام طيلة النهار كنوع من التقشف يرافقه الاستمتاع بالفطور والسحور والتلذذ بما أعد لهما.