الكولونيل شربل بركات/من تاريخ بلدة عين ابل الجنوبية: يعقوب اندراوس الفتى الضائع

283

من تاريخ بلدة عين ابل الجنوبية: يعقوب اندراوس الفتى الضائع

الكولونيل شربل بركات/14 آذار/2011

في تراثنا الكثير من غرائب الأيام وحكايا الأزمنة والتي طالما وردت في قصص الأطفال أو في تلك الأغنية القديمة التي كنا نسمعها صغارا حول الصبية التي كانت تحاول أن تخبر قصتها لذلك المكاري بدون أن يشعر أحد من أهل البيت ويعرف أهلها اين يجدونها وهي تهلل لطفل صغير قائلة: “يا بياع العنبية.. قل لأمي قل لبي.. خطفوني الغجريي.. من تحت شجرة مجدليا… بيتنا حد المعاصر..  واسم بيي الشيخ ناصر… بقرتنا اسما خميسة… واسم امي الست أنيسة.. وساكني جنب الكتيسة…”

وفي عين إبل قصة تشبهها جرت خلال الحرب الكبرى حوالي سنة 1916 حيث حاول أحد أبناء البلدة الفرار من التجنيد والضيق والقلة فأخذ زوجته وولديه الصغيرين وهرب بهم باتجاه حوران. كان الوالد على ما يبدو قد عمل مع قوافل النقل ويعرف الطريق إلى حوران وما يمكن أن ينتظره هناك، ولكنه توفي لسبب ما قبل الوصول إلى مبتغاه، ثم أصيبت زوجته بمرض، يمكن أن يكون الطاعون أو ما يشبهه، وما أن وصلت إلى قرية نوى في حوران مع ابنها يعقوب وابنتها وردة حتى توفيت هي ايضا. بعد سنتين توقفت الحرب في 1918 فذهب جريس اندراوس للتفتيش عن أخيه أو عائلته في حوران وعرف بأن الأب والأم توفيا ووجد الابنة وردة عند أحد أبناء نوى وقالت له بأن شقيقها يعيش عند شيخ القبيلة عقلة دحدل.

ذهب جريس إلى دار عقلة وطالبه بالصبي فنكر عقلة وجوده وقال بأنه لا يعرف شيئا عنه ما دعى جريس إلى أن يستمر بالتفتيش، ولكن وردة أصرت بأن شقيقها يعقوب عند عقلة، وبما أن عقلة هو شيخ القبيلة لم يجروء جريس على مواجهته مجددا، ما دعاه إلى أن يتوجه إلى سلطان باشا الأطرش، وهو زعيم الدروز في جنوب سوريا عله يمكنه الضغط على عقلة فيسلمه الصبي. وقد استقبله سلطان باشا ورحب به ووعده بالمساعدة ما أمكن، ولكن مساء ذلك اليوم قامت والدة سلطان باخبار جريس أن جماعة عقلة يخططون للتخلص منه وقد هددوا بقتله. فما كان من جريس إلا أن هرب مع الطفلة ليلا وعاد إلى عين إبل. وفي الطريق تعرض لحادث جعله يفقد بصره بعد أن وصل إلى البلدة. وقد بقي ضريرا في عين إبل إلى حين وفاته وهو المعروف بالداعي، وربما أنه كان يدعي على من أخذ ابن شقيقه أو على من تسبب بفقدانه بصره؟

وكبرت الطفلة وردة وذهبت لتعمل في حيفا حيث تعرفت على ضابط انكليزي اسمه تشارلي فأحبته وتزوجته وذهبت معه إلى انكلترا لتعيش هناك. أما شقيقها يعقوب فقد كان أخفي في التبان يوم كان عمه جريس يفتش عنه في نوى ولم يسمح له بالذهاب معه، فعقلة لم يكن عنده أولاد وقد اعتبر بأن هذا الصبي ابن الست سنوات جاءه من عند الله ولذا فلن يتخلى عنه، سيما وأن والده ووالدته توفيا وهو أولى به وبتربيته من عمه أو اي من اقاربه. وهكذا بقي يعقوب عند عقلة وأصبح ولده المدلل. ولكن، وربما وبسبب وجود يعقوب في البيت، تحرك حنان الأمومة عند زوجة عقلة فعادت وحبلت وانجبت صبي وابنة ما جعلها تصب اهتمامها عليهما. وشيئا فشيئا بدأ يعقوب يشعر بأنه غريب نوعا ما. ولكن عقلة اعتبر بأن يعقوب يبقى ولده الذي أعاد الحياة إلى البيت، ولذا، وبما أنه لا يمكنه توريثه بحسب الشرع الاسلامي، قرر أن يزوجه صبحية ابنته ليكون له حق بالارث.

تزوج يعقوب من صبحية وأنجب أربعة صبيان وابنة وقد سمى أكبرهم غريب أما ابنته فقد سماها غريبة وذلك تعبيرا عن حالته؛ فقد كان أهل القرية يعتبرونه غريبا. وقد ورث يعقوب قسما من أراضي عقلة مكنه من أن يبني بيته ويعيل عائلته بشكل لائق. إنما بقيت تلك العلاقة مع أهالي القرية شاذة نوعا ما ولو أنه أصبح له من الأولاد والأحفاد ما يعتبر حيا كاملا في البلدة التي كبرت فيما بعد لتصبح إحدى مدن جنوب غرب سوريا التابعة لمحافظة درعا حيث عمّر أولاده بيوتهم بالقرب من بعضهم وبقيت أراضيهم وأعمالهم تزدهر وتتوسع وكبر عدد أولادهم وأحفادهم حتى اصبحوا ممن يحسب لهم حساب. ولكن أهل البلدة تابعوا اعتبارهم غرباء فسميوا أحيانا بالأرمن خاصة لأن مجازر الأرمن التي كانت وقعت حوالي1915 أي نفس الفترة التي وصل فيها يعقوب إلى نوى والتي كانت أدت إلى لجوء الكثيرين من الأرمن “النصارى” هؤلاء إلى سوريا ولبنان، وبينما يعرف الكل في نوى أصله وفصله إلا يعقوب هذا الذي لا يعرفون عنه الكثير فإنه بقي يعتبر غريبا ولو أنه يدين بالاسلام وقد تربى في بيت عقلة دحدل وتزوج من ابنته. وقد نشأ أولاده وتربوا في القرية ولم يعرفوا غيرها.

وكان يعقوب عندما كبر ابنه البكر غريب قد أخبره بقصته وبأن له اقارب في عين إبل بجنوب لبنان. وهكذا قرر غريب بعد أن تزوج وأصبح رب عائلة أن يزور عين إبل في ستينات القرن المنصرم. وكان عم والده جريس قد توفي. ولكنه فرح بأنه توصل إلى العودة لتلك القرية التي طالما أخبره عنها والده وحلم أن يعود اليها ولكنه توفي بدون أن يحقق هذه الأمنية. اما بالنسبة لغريب فقد كانت نوى هي مسقط راسه وبلدة أمه وملعب طفولته وهي مكانه المفضل حيث تسكن عائلته وأحفاده وحيث تقع أملاكه وأعماله. وبنفس الوقت فهو لم يلقى ترحيبا مهما من أقاربه في عين إبل، ربما لأن حالهتم المادية لم تكن مزدهرة في تلك الفترة أو أن بعضهم خاف من أن يكون غريب جاء ليطالب بالميراث. وهكذا فإنه اكتفى بالتعرف عليهم وعلى قريته عين إبل ما جعله يرتاح ويقتنع بأن ما قدّر الله لوالده كان لخيرهم جميعا. وفي السبعينات بينما كان أحد أحفاد غريب يحاول الحصول على عمل في الخليج تعرّف بسليم اندراوس الذي رحب به وساعده ليجد عملا لائقا. وقد عاش غريب في حوران كل أيامه ولكنه اضطر في أواخر عمره وأثناء الثورة التي عصفت بسوريا منذ 2011 أن يلتجيء إلى الأردن حيث كان قتل أحد أحفاده الذي التحق مع الجيش السوري الحر ما اضطرهم إلى الفرار ومن ثم توفي هناك لاجئا في سنة 2018 وقد تهجر الكثيرين من أحفاده وأولاد أخوته وأحفادهم الذين يبلغون ما يزيد عن المئتي رجل عدا عن البنات.

كان مروان الذي يعمل في لندن يحاول مساعدة بعض اللاجئين السوريين العمال بتشغيلهم في ورش البناء التي يشرف عليها وقد أعجبته نظافة وترتيب أحد هؤلاء العمال فقرر استخدامه لتنفيذ مهمة تصليح في منزله كون هذا كان يعرف بأعمال السنكرية ويبدو مظهره الخارجي أهلا لدخول البيوت. ولذا فقد أرسله ليقوم بالتصليحات المطلوبة هناك.

ذهب أحمد وابنه ليعملا في منزل مروان حيث التقى بابن مروان في البيت ودار بينهما حديث سأل خلاله أحمد جوي إذا كان يتكلم العربية؟ ومن ثم من أية بلاد أنتم؟ وعندما أجابه الشاب بأنهم لبنانيون سأله من أية بلدة في لبنان، فنحن صحيح سوريون ولكن جذورنا لبنانية؟ فقال جوي بأنهم من ضيعة في جنوب لبنان اسمها عين إبل. فبهت أحمد وقال له نحن أيضا أساسنا من عين إبل. فاتصل جوي بأبيه وقص عليه الحكاية. ليعود مروان الذي كان سمع شذرات من هذه القصة سابقا فيسمعها بكل تفاصيلها من فم أحمد الذي كان فرّ من سوريا إلى الأردن ومن ثم وصل إلى لندن ليلتقي ويعمل عند أحد الأقارب. وكان غريب قد قص الحكاية التي أخبره بها والده على أولاده وأحفاده لكي يعرفوا بأن أصولهم عريقة وبأنهم ينتمون إلى عائلة لبنانية تعود بجذورها إلى بلاد الأرز وهي مستمرة ومتواصلة ومعروفة الحسب والتاريخ والانتماء وليست عابرة أو يحمل نسبها أي غبار. فكم هو صغير هذا العالم المتداخل والذي تتدافع فيه المآسي وتقع عشوائيا على الناس فتحرمهم من التمتع بالصفاء حينا وتفصل بينهم حينا آخر لتعود فتجمعهم على غير موعد…