الكولونيل شربل بركات/لبنان والمرأة

103

لبنان والمرأة
الكولونيل شربل بركات/08 آذار/2022

بمناسبة العيد العالمي المرأة أحببنا أن نسلط الضوء على دور المرأة في لبنان عبر التاريخ والأساطير الغابرة والتي حفظت لها ذلك الدور الطبيعي والرئيسي في قيادة المجتمع، إن من حيث المحافظة على الأصول واللياقات أو من حيث الانتاج وادارته أو من حيث البطولة والريادة. ولا نريد هنا أن نخفف من دورها في عملية استمرار الحياة وتجديدها بانجاب البنين وتربيتهم تربية صالحة تؤكد على استمرارية العطاء والاقدام والنبوغ.

في منطقتنا بجنوب لبنان، والتي تعتبر فناء مدينة صور التاريخية الخلفي ومصدر تموينها بالرجال والقوت وحماية طرق تجارتها في البر، تكثر أسماء الأماكن المرتبطة بالمرأة والتي لا نزال نستعملها حتى اليوم. فعلى الساحل بين الناقورة واسكندرون تقع “أم العمد” وهي بالطبع كانت مدينة صغيرة فيها هيكل بقيت آثاره حتى ايامنا تدل على احترام للالاهة المؤنسة والتي انتقلت لنا بشكل الأم دون التسمية المعروفة قديما. وإذا ما صعدنا مع الوادي الذي يغزيها بمياهه والمغطى بالغابات الكثيفة، حيث لا تزال تعيش أنواع من الحيوانات المفترسة والتي انقرضت من أغلب المناطق، تجدنا أمام “أم عفي” وهي موقع آخر يكرس الأم ويعطيها ما تستحقه من التكريم. ومن ثم تطل “أم التوت” التي تذكرنا بالاله المصري “توت” وأوصوله الفينيقية. ويقع فوقها أجمل مرتفع في المنطقة، لانفتاح الأفق فيه واشرافه على صور وأعالي البحر من جهة، وعلى منطقة مارون وجبل حرمون من الجهة الأخرى. وهي أيضا مكرسة للالهة الأم حيث تقع “أم الزينات” وقصر “بعلة” (بلاط) أو (Palate , Palace) والتي أعطت اسمها لكل القصور. ومن ثم نكمل إلى “أم يه” بالقرب من دبل، وهي أم الاله “ياهو” الذي نقله سيدنا ابراهيم ووحده مع “إيل” فولّد لنا كلمة اله (ال – ياه). وإذ نكمل صعودا باتجاه عين إبل نصل إلى قمة “شرتا” حيث يقع هيكل “أشيرة” (أشيرتا) أم الالهة، والتي شكلت دوما ومع هيكل “دامو” أو دموزي في يارون (عين داما) عملية الاحتفال بطقوس الزواج، حيث يقول لاجرانج بأن “يسوع” وفي عمر المراهقة حضر هذه الطقوس التي كانت تقام في بدايات شهر تموز. وإذ نكمل صوب الشمال نجد في شلعبون “جرانة الحبلى” التي تذكرنا بعملية الانجاب ومن ثم عيناتا التي لا تزال تحمل اسم الربة “عناة” بكل تفاصيله إلى اليوم. وحتى في بنت جبيل لا تزال “النبية” تعطينا فكرة عن ذلك الاحترام للنساء ودورهن الذي نقدر ونحترم.

وتدور الأساطير الفينيقية حول “الربة عناة” ويصفها البعض بالعذراء المقاتلة، بينما يقول آخرون بأنها زوجة البعل (وقد تكون حبيبته)، ولا شك بأن ربطها بالاله بعل خاصة في اسطورة صراع بعل وموت وقيامها، ليس فقط بالبكاء على بعل كما تفعل غالبية النساء اليوم، ولكن بأن امتشقت سيفها وهاجمت موت الذي كان قتل البعل بواسطة تنينه الحامل للسبعة رؤوس فقتلت موت نفسه بضربة على الرأس، ومن ثم مزّقت جسده بالمنجل ودرسته تحت اللوح وأذرته بالمذراة وطحنته بالرحى وأحرقته وزرعت رماده بالأرض. وهذه العملية التي تذكّرنا بالعمل الزراعي الذي بقي للمرأة فيه دورا كبيرا في منطقتنا، فبعد قدوم الحر الذي “يميت” كل عشب الأرض تحصد الحقول وتدرس الغلال وتجمع الحبوب ويحرق القش ويزرى رماده بتلك الأرض ليكون سمادا لها. ولكن قوة عناة ومحاربتها التنين الذي قتل زوجها البعل القوى، والذي كان تغلب على “يم” اله البحر، يذكرنا بقصة التنين الذي قتله مار جرجس شفيع بيروت لتخليص ابنة الملك، ولكن الفرق هنا بأن الفتاة التي خلصها مار جرجس كانت وادعة ولم تحرك ساكنا بانتظار أن يقضي عليها التنين، بينما “عناة” الغاضبة بسبب مقتل زوجها (أو حبيبها) قامت هي بمهاجمة الموت نفسه وقتلته ولم تكتفي بذلك بل قطعته وطحنته لتخلص الأرض من شروره.

اليوم وفي لبنان الجريح نجد المرأة تمتشق الحسام وتهاجم جيوش الشر وتقاتل في سبيل بيتها وعائلتها وبقاء وطنها، فهي قادت الثورة، وسوف تقود البلاد من دون شك إلى الحرية والخلاص. ونحن لا ننسى “أليسار” ابنة صور والتي بنت قرطاجة حيث ورثت صور وعطمتها وأصبحت سيدة التجارة العالمية لمئات السنين، أو “أوروبا” التي أعطت اسمها لأعظم قارة في التراث البشري.

وبعد المسيحية أصبح رمز لبنان تلك السيدة العذراء “أم الله” والتي تحميه من كل الشرور وتحث أبناءه على العمل والبذل والعطاء وتزين مرتفعاته وتلاله هياكل تكرم اسمها وتتماثل فيها وبتحملها وطهارتها واستيعابها لكل الأمور وتحويلها نحو الخير المطلق. وقد اكتمل عندنا البرج الذي سيحمل تمثالا يمثل “أم النور” ويعيد إلى هذه الأرض تعلقها بالسماء من خلال احترامها للمرأة وعطاءاتها.

في هذه المناسبة نتقدم من بنات لبنان؛ الآنسات منهن والسيدات، الأمهات والعذارى، اللواتي يحملن في قلوبهن بذرة العطاء، وقيم المحبة والشوق لتحقيق العدالة، في ظل الحرية وأعلامها التي ترفرف وتعلن دوما، أن لبنان هيكل الله وموطن الانسان الذي لا يمكنه إلا أن يعيش حرا سيدا متكلا على نبوغه وقدرته للتغيير والابداع.

فيا نساء لبنان ويا امهات أطفاله، كنتن دوما الجانب الجميل فيه، وحملتن المشعل المضيء لتقدمه ورايادته، فأضأتن ظلمته بنور المعرفة والانفتاح. فليكن شفاءه من جراحاته في هذا الزمن، زمن التوبة والمغفرة، سبيلا لخلاصه على ايديكن وجهدكن المتواصل. فانتن لا تعرفن المهادنة قبل انتهاء المهمة، وها قد حملتن ذلك المشعل الهادف لخلاصه من الفاسقين والمأجورين المرتزقة، والكسالى المتوهمين بأن الأمور تتغير وحدها بدون جهد، والحرية تعطى بدون تكلفة. فليكن العيد العالمي للمرأة هذه السنة نقطة انطلاق لمرحلة جديدة ناصعة، تبدل الخوف والحاجة لتخلق منها قوة تعصف بالمترددين، وتعيد للبنان بريقه، وللآنسان فيه كرامته، وللحق والعدل والقانون السيادة.

وكل عام وانتن بألف خير…