بول ناصيف عكاري/النهار: الثورة …الانتخابات…الاستفتاء/على الثورة أن تأخذ الموقف الوطنيّ الصريح بعدم المشاركة، ترشحاً واقتراعاً، في هذه الانتخابات وتترك الساحة لأحزاب السلطة الآذاريّين كافّة للتناطح في ما بينهم

37

الثورة …الانتخابات…الاستفتاء …. على الثورة أن تأخذ الموقف الوطنيّ الصريح بعدم المشاركة، ترشحاً واقتراعاً، في هذه الانتخابات وتترك الساحة لأحزاب السلطة الآذاريّين كافّة للتناطح في ما بينهم

بول ناصيف عكاري/النهار/07 آذار/2022

بما أنّ “الثورة” لن تتمكن من الوحدة وبالتالي الفوز بأكثريّة موصوفة من أجل التغيّير المنشود، هل من المستحسن مشاركتها في هذه الانتخابات؟

من أجل ضمان بقائها وديمومتها، تنتج الطبقة السياسيّة الحاكمة، بما باتت تُعرف بالمنظومة المافياويّة  بقيادة عصابة الستة، كلّ مرّة قانون انتخابيّ مفصّل تفصيلاً على قياسها، يعود بها إلى السلطة لتكمّل ما بدأوا به من دمار ونهب وسرقات واغتصاب للأرض والدولة. القانون الحالي ما هو إلّا أرنب ممسوخ من الاختراعات المافياويّة والذي أجبر جميع اللاعبين، وبالأخصّ “الثورة”، القبول به والمضي به من دون خجل أو وجل. هذه السلوكيّات المافياويّة ونتائجها الكارثيّة ما هي إلّا نوع من الفساد الدستوريّ من خلال ديكتاتوريّة مقنعة بالديموقراطيّة التلفيقيّة غير التوافقيّة. القانون الحاليّ هو غير شرعيّ لأنه يناقض مبادئ الدستور وأحكامه ويضرب ميثاق 1943 في الصميم.

دخل الوصوليّون والانتهازيّون والمستزلمون والمدسوسون مع الطامحين المحتملين والمستَقْتِلين على الحصانة في دوّامة الانتخابات؛ مما أفقد “الثورة” بوصلتها الوطنيّة وأبعدها عن مهمتها الأساسيّة بالتغيير وإعادة اللحمة الوطنيّة لاستعادة الدولة وإنشاء لبنان الأجيال القادمة. لماذا لم نعد نسمع بأيّة مطالبة أو تحرك فعليّ من أجل تطبيق الدستور والمحاسبة واستعادة الأموال المنهوبة والتحقيق في جريمة المرفأ واستقلاليّة القضاء وحكومة مستقلّة وما شابه؟ أين هي هيئة الإشراف (المستقلّة؟) على الانتخابات؟ هذا ما يؤكّد على أنّ “الثورة”، التي لم ولن تتمكن من الوحدة والتضامن في المعركة الانتخابيّة، تحولت إلى مجرّد حركة اعتراضيّة انتخابيّة مفككة من دون وضوح في الرؤية ومجرّدة من أي مشروع وطنيّ فعّال؛ وبالتالي خالية من الفكر والقيادة. كذلك، لم تتمكن من خلق حالة مستقلة عن “كلّن يعني كلّن”، بل التصقت بالبيوتات السياسيّة والحيثيات الرأسماليّة والمجتمعيّة والعشائريّة. هذا ليس بغلط، لأنّه لا يمكن لأحد، وبالأخصّ الحزب الذي يعي ذلك تماماً، أن يلغي الآخر في لبنان. ولكن، إطلاق المواقف العشوائيّة المستبدّة، من اليمين إلى اليسار ومن السيادة إلى اللاسيادة، وحشر النفس في الزاوية ما هو إلّا إقصاء لمطلقيه وبالتالي الخروج من الحلبة وتشتت للأصوات. وصلت “الثورة” إلى هذا الدرك من خلال الأفخاخ التي نصبتها لها المنظومة، والتي وقعت فيها ساذجةً لأنها ليست موحدة وفاقدة للرؤية. وفي مكان ما، إنعطبت بدخول الأنانيّة المفرطة والجهل و”الطوسنة” (من طاووس) وال”شو-أوفّ” إلى صلبها.

نمطيّة السياسيّ اللبنانيّ، تتجلى في الوصول إلى السلطة بأيّ ثمن وإن كان على حساب كرامته وعزّة أهله ووطنه. بعقله النمطيّ هذا، ما المنصب إلّا لتكديس الأموال (غير الشرعيّة والمنهوبة) والنفوذ (التسلبط على أهله…) والمقامة الاجتماعيّة الرفيعة (حاشا) والهروب من المحاسبة (الارتكاب والفساد). التمني والوهم والمعجزات مغايرون تماماً عن الواقع ولا يمكن تحقيق التمنيات إلا من خلال العمل الدؤوب النزيه والثبات في الموقف الوطنيّ الصريح وفقاً لخارطة طريق واضحة المعالم بقيادة وطنيّة فعّالة. جميع الأوراق السياسيّة المتداولة والنقاشات اللامتناهيّة وترهات “الواتس أب” و”الزومات” الناشفة ما هي ألّا تمنيات شعبويّة وعالم سياسيّ افتراضيّ لا يمتّ للواقع بصلة. أمّا الوهم في الفوز، وهو مرض عقليّ، فهو اعتقاد خاطئ يؤمن به المرشح أو المجموعة بقوّة الفوز بالرَّغم من عدم وجود أيّة إمكانيّة لتحقيقه. مثال على ذلك، عندما توهّم أقواهم أنّه بامكانه استئصال الفساد في ثلاثة أشهر…حدّث ولا حرج! وكمّ من الموهومين مرشّحون!

“مكانة ولاية الفقيه فوق الدستور اللبناني ونحن نؤمن أنّ طاعة ولاية الفقيه هي طاعة المعصوم”. كيف لحزب الله الذي يدين بالولاء والانتماء العقائدي والعسكري المطلق للجمهورية الإسلاميّة الإيرانيّة، والمرتكز على ممارسة مبدأ التقية بما يمكّنه في الشكل من التستر وراء الدستور، الذي أصلاً لا يعترف به، والخارج عن الشرعية والقانون ونظام المساءلة بفعل أمر واقع مرتزق وشرّير، أن يكون له ممثّلون في البرلمان، الذي هو حامي الدستور؟ وما بالك بالأحزاب التي لا تعترف بكيانيّة لبنان؟

ماذا سيكون موقف “الثورة” المنتخبة في حال أمعنت السلطة المافياويّة في تعطيل تشكيل حكومة ما بعد الانتخابات؟ ومن تعطيل انتخاب رئيس جديد للجمهوريّة؟ ومن طاولة الحوار المزمع عقدها التي طالما أنتجت قرارات “تغلى ويشرب زومها”؟ وما زلنا نشرب هذا “الزوم” النتن… ماذا سيفعل نواب “الثورة” عند صدور القرار الظنّي في جريمة المرفأ، إذا صدر، في حال اتّهم، بالدليل القاطع، نواب زملاء لهم أو عندما يحمي رئيس من هنا ورئيس من هنالك المرتكبين؟ ماذا سيكون موقفهم من زملائهم المتهمين بالتهريب وتبييض الأموال والسرقات والفساد…؟ ماذا لو أقرّ المجلس الجديد عفواً عاماً ماليّاً؟ ما هي خطط “الثورة” من التعافي الماليّ والاقتصاديّ والاجتماعيّ؟ ماذا لو ثبت أنّ أهل المنظومة والسلطة قد باعوا السيادة للعدو؟ أيدري نواب “الثورة” أنهم بدخولهم الندوة البرلمانيّة يساهمون في إضفاء شرعيّة وطنيّة ودوليّة للمحتلّ والمغتصب والسارق والناهب والمرتزق؟ وهل ستتكون شرعيّة ما ل “الثورة” المنتخبة؟

حتميّة التغيّير هي الهدف المنشود، ولكنّ لا بدّ من مقاربة واقع الحال براغماتيّاً. المعركة الأساسيّة هي على مستويين؛ الأول، مع حزب الله وعقيدته الغريبة عن المجتمع اللبنانيّ ووضعه اليد على البلد بما يتناسب مع مصلحة مشغله. والثانية، مع المنظومة التي تستشرس من أجل الحفاظ على مكتسباتهم وامتيازاتهم المافياويّة والسلطويّة والماليّة. المعركة معها لا تُربح بالتّمنّيات والأوهام أو ببضعة ناجحين؛ بل هي فعليّاً أشرس من الأولى لأنّها متجذّرة، بالتكافل والتضامن، في المجتمع والدولة من خلال شبكة علاقات متينة ومعقّدة من المصالح العابرة للمذاهب والأحزاب والمناطق. كسر الحزب لا يؤدّي بالضرورة إلى كسر المنظومة.

بناء على ما تقدّم، يجب على “الثورة” أن تحزم أمرها وتأخذ الموقف الوطنيّ الصريح بعدم المشاركة، ترشحاً واقتراعاً، في هذه الانتخابات وتترك الساحة لأحزاب السلطة الآذاريّين كافّة للتناطح في ما بينهم. عليها، بصلابة ووعيّ وتشاركيّة، أن تبلور المشروع الوطنيّ المنبثق من ثورة 17 تشرين والمطلوب وطنيّاً. الفوز في المعركتين يتطلّب، قبل كلّ شيئ، العودة الإنسانيّة والأخلاقيّة والوطنيّة لتطبيق الميثاق. وبالتوازي، الطلب، رضائياً وطوعيّا،ً من الأمم المتّحدة والمجتمع الدوليّ وضع لبنان تحت الوصاية السياسيّة مع تشكيل لجنة تتقصى واقع الأمور ورغبات اللبنانيين الصريحة من أجل وضع نظام جديد يحمي “الوحدة في التنوع” والعيش الكريم لكل مكون وفقاً لمزاجه وطبائعه وثقافته ومفهومه للبنان. هذا الاستفتاء، وبكل تأكيد، أجدى من انتخاباتهم المافياويّة!

#عهد_الخراب