منير يونس/الدولة ليست مقترضة من البنك المركزي بالدولار إلا 5 مليارات وخسائر مصرف لبنان راهناً 71 مليار دولار… وتزيد كل يوم

120

الدولة ليست مقترضة من البنك المركزي بالدولار إلا 5 مليارات وخسائر مصرف لبنان راهناً 71 مليار دولار… وتزيد كل يوم!
منير يونس/نداء الوطن/28 شباط/2022

تعنونت الورقة التي اعدّها فريق التفاوض الحكومي مع صندوق النقد الدولي، الذي يضم حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، بـ”اعادة ترميم القطاع المالي”، لتوحي بأن الفجوة أو الخسائر بالدولار هي لهذا القطاع عموماً، وبالتالي المودعين بالدولار مع اقتراح رَدّ معظمها بالليرة. حقيقة الأمر خلاف ذلك تماماً استناداً الى الأرقام الواردة في الورقة نفسها. فالخسائر تعود حصراً لمصرف لبنان وتبلغ 69 مليار دولار كما في أيلول 2021. ويفترض راهناً أنها 71 ملياراً بفعل التناقص اليومي للعملات الأجنبية من “الاحتياطي” لزوم الدعم الباقي واحتياجات منصة صيرفة عند الضرورة. إعترف سلامة، بالورقة والقلم، بأن لديه خسائر بالدولار، بعدما كان أنكر تراكمها المخيف طيلة أكثر من عقدين من الزمن.

بدأ الشك عندما حجبت الأرقام الحقيقية
أصل الفقاعة، أو الخسائر المخفية، التي انفجرت بوجه اللبنانيّين يمكن تتبع أثر تكونها منذ مؤتمر باريس 1 في 2001، بعدما بدأت تظهر في ميزانيته تحت بند “موجودات أخرى”. وما توقف مصرف لبنان عن نشر بيانات الارباح والخسائر منذ ما قبل 2002، الّا الدليل القاطع على إخفاء ما لا يجب اخفاؤه.
الإخفاء اعتمد على “فتوى” ملويّة العنق تغلّفت بمادة في قانون النقد والتسليف تنص على دور مصرف لبنان بالحفاظ على الاستقرار النقدي. فاذا بنتيجة “الاستقرار” المزعوم انهيار محتوم!

هستيريا شفط الدولارات من الدولة والمصارف
لزوم التثبيت اعتباراً من 1997 كان مصرف لبنان يكون احتياطي عملات باستحواذه على دولارات آتية من ودائع وقروض أجنبية، اضافة الى حصيلة اكتتابات سندات الدين بالعملات (يوروبوندز) يمنح الدولة مقابلها ليرات او يقايضها بسندات دين عام بالليرة، ثم يبيع اليوروبوندز في الأسواق وللمصارف بمغريات وتسهيلات ترغيباً، وربما بالسلطة وممارسة التسلط الرقابي عليها ترهيباً بعدما جمع في يديه سلطات الاشراف والتنظيم والرقابة والمساءلة والتحقيق، فتحولت البنوك إلى أداة بين يديه. ومن كان مدير العمليات في البنك المركزي طيلة معظم تلك الفترة هو يوسف خليل وزير المالية الحالي!

بالاضافة الى ذلك كان يشفط الدولارات الأخرى من المصارف (وهي في معظمها ودائع للعملاء) بفوائد عالية وبتعاميم وآليات متنوعة، متتالية منذ التسعينيات، جعلت البنوك أسيرَته وإلّا.. وإلّا تفلس أو تخرج من السوق.. أو اللعبة! فتحولت تدريجياً المصارف التجارية الى بنوك استثمارية بفعل أكثر من 70% من توظيفاتها في سندات وشهادات ايداع، وفرطت بأبسط معايير الحصافة وادارة المخاطر على عدة مستويات أبرزها الانكشاف على عميل واحد بنسب مرتفعة جداً قل نظيرها مقارنة بكل بنوك العالم.

وانطلقت السياسة النقديّة “البونزيّة” للبنك المركزي، والتي لا علاقة مباشرة لها بدين الدولة بالدولار. فتلك الديون بالعملات الأجنبية تبلغ قيمتها الاسمية اليوم مع فوائدها المتراكمة، نَحو 39 مليار دولار. وليس لمصرف لبنان قروض بالدولار في ذمة الدَولَة (المُفتَرَض إن وُجِدَت، أن تسجّل في ميزانيته “ديون على القطاع العام”) إلا سندات يوروبوندز قيمتها الاسميّة حاليّاً نحو 5 مليارات دولار فقط لا غير.

ترويج سردية لا أساس لها من الصحة
سرت حكاية طويلة عن مسؤولية الدولة فيها الكثير من التضليل والمراهنات الخطرة والرهانات الخطأ والعبث النقدي والمصرفي والهندسات المالية، لكن التوصيف الأدق هو “المخطط الهرمي الاحتيالي (بوزنري سكيم) كما قال رئيس فرنسا ايمانويل ماكرون وأيده في التوصيف أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش.

أما كيف تراكمت تلك الخسائر، فالأمر تفاقم مع السعي الغريب للحاكم وهَوسه الدائم لتكوين احتياطي عملات كبير في سياسة متعمدة لشفط الدولارات اليه بلعبة الفوائد وبتعاميم تحدّ من التوظيفات المصرفية في الخارج. كان يغري المصارف منذ ما قبل 2002 عندما اخترع “الجونيور والسِنيور نوتس” ومن ثمَّ عمليّات “السواب” وتأجيل الاستحقاقات لمدد أطول وفوائد أعلى. وبعد ذلك ابتدع الهندسات المالية الشهيرة. واستمر في اساليبه تلك لغاية عشية انفجار الأزمة في تشرين الأول 2019، وبفوائد وعوائد لا يمكن أن تحلم بها المصارف في الخارج. وبما ان من حضر السوق باع واشترى، تأسست “فوري” في 2002 وهي الشركة الوسيطة المسجلة أو المتصلة باسم رجا سلامة اخو رياض سلامة التي راحت تأخذ لمصلحتها عمولات تسويق اوراق مالية لبنانية وشهادات ايداع في البنك المركزي. فجمعت من تلك العمولات 326 مليون دولار، رغم ان معظم المصارف وكبار المصرفيّين لم يعرفوا باسم ذلك الوسيط الا بعدما انفجرت فضيحته في حسابات سويسرية اوائل العام الماضي.

شفطت سياسات رياض سلامة ٨٦ مليار دولار من أموال المودعين …حتى 2011 كان ممكن الحفاظ على “الودائع”

كانت اللعبة سارية المفعول طالما ميزان المدفوعات يسجل فائضاً، أي ان الدولارات الداخلة أكثر من الخارجة. انقلبت المعادلة رأساً على عقب اعتباراً من 2011 وتحول ذلك الميزان الى عاجز بقوة. مذ ذاك الحين، كان يجب ترك السوق تصحح نفسها أسوة بما قامت به مصر وتركيا ودول أخرى كثيرة باعتمادها سعراً للعملة مرناً غير مثبّت. فاذا انخفض يستوعب الاقتصاد الصدمة في مدى قصير، بدلاً من انتفاخ الفقاعة وارتفاع كلفة انفجارها. فلو كان تخلّى عن التثبيت في 2011، وليس كما فعل في 2019، لما حصلت أزمة مصرفية أودت بعشرات مليارات الدولارات من ودائع الناس. لكنه أصر على ارتكاب المعصية النقدية، فمارس الهروب الى الامام، رغم كل التحذيرات. راح أكثر فأكثر يصرف من دولارات الناس، الأمر الذي يفتح سؤالاً عن مسؤولية جنائية ما. فالأصل هو الصرف من حساب خاص لسوق القطع كما فعل حكام لمصرف لبنان سبقوا رياض سلامة، وعندما كان ينشف ذلك الحساب يتوقف البنك المركزي عن التدخل، أو تحديداً لا يتدخل مفرطاً بأموال المصارف والمودعين.

إنحراف خطير سبق وأشار اليه صندوق النقد
تجاوز الأمر كل حدود المعقول والقانون. وللمثال انحرف تطبيق المادة 76 من قانون النقد والتسليف الخاص بتنظيم السيولة، الى ما يشبه الشفط التلقائي للأموال، والتي لا تقع كلها تحت بند “الاحتياطي الالزامي” بعدما اخترع ما يسمى بـ”التوظيفات” لديه ليسهل عليه التصرف بالأموال.

وبات التدخل في سوق القطع عادياً لتلبية الطلب بدون مسوغ شرعي وقانوني. وانفق عشرات المليارات من اموال الناس على التجارة والدعم، وبعض الأموال على نفقات الدولة بالدولار كان يحصل مقابلها على ليرات مثل سلفات الخزينة لشراء فيول للكهرباء، وفوائد القروض الأجنبية وسندات اليوروبوندز.

وفي 2015 صدر تقرير تقييمي مشترك عن صندوق النقد والبنك الدولي يحذر من العجز البالغ 4.7 مليارات دولار في مصرف لبنان أي أكثر من 14,5 ملياراً إذا استثنَينا قيمة الذهب كما كانت آنذاك. لكن حاكم مصرف لبنان اخفى ذلك التقرير ومنع نشره.

إمعان في الهروب الى الأمام حتى الانهيار
أمعن في الهروب الى الأمام، فتعددت وتكثفت أساليبه السوية وغير السوية لتستطيع المصارف اجتذاب الدولارات، فيعود هو ويشفطها اليه بلعبة هوامش الفوائد الاضافية الأعلى من المعدل العالمي بما بين 5 الى 9 نقاط مئوية، وأحياناً أكثر من ذلك.

بلغت لعبة “البوكر” ذروتها في ما سمي بـ”الهندسات المالية التي انفضحت في 2016 وافادت منها المصارف بفوائد على الليرة وصلت أكثر من 22% مقابل جذب دولارات منها ومن عملائها يذهب معظمها الى البنك المركزي بفوائد باهظة. وكانت ودائع المصارف في مصرف لبنان ارتفعت تدريجياً من 18 مليار دولار في 2010 الى 86 ملياراً في ايلول 2021. أي بزيادة نسبتها 377% في اقل من 12 سنة. وتكبد “المركزي” مقابل الهندسات من جهة وكلفة الشهادات من ثانية خسائر بما بين 17 و20 مليار دولار عبارة عن فوائد دفعها للبنوك أعلى من تلك السائدة في الاسواق المالية الدولية حيث هو يضع احتياطي العملات.

وبنتيجة “الهندسات”، كانت المصارف تباعاً ولاحقاً تسيل استثماراتها المجزية جداً بالليرة ثم تحولها الى دولار وتخرجها من لبنان اما لتسديد خسائر في مصارف لها في سوريا وتركيا والعراق وقبرص.. وإما لتحويل انصبة ارباح. خرجت تلك المبالغ وغيرها من البلاد، فدخلنا في دوامة الدولار الوهمي (لولار) المسجل في ميزانيات المصارف كما مصرف لبنان. وبدا فاقعاً كيف حصل انتهاك لابسط معايير توزيع المخاطر بفعل انكشاف المصارف على مصرف لبنان بنسبة 70% من ودائعها، وهبوط سيولتها بالدولار الى 7% فقط. فالمعني بسلامة القطاع المصرفي، أي المركزي، هو نفسه من ورَّط المصارف مستغلاً نهمها للارباح السهلة والايرادات الجشعة.

كذبة سبق كشفها توفيق كسبار
وفقا لدراسة اجراها الخبير المالي والمصرفي د.توفيق كسبار استناداً الى ارقام وزارة المالية، خلال الفترة بين 2009 و2019 ضمناً، اخذ مصرف لبنان دولارات من الدولة أكثر مما اعطاها. وذلك بالحصول على حصيلة اكتتابات سندات بالدولار بقيمة 17.5 مليار دولار واعطاء الحكومة ليرات في مقابلها. وخرج منه دولارات الى الدولة بقيمة 13 مليار دولار للفترة عينها علماً بانه أخذ مقابلها ليرات. ليبقى الاستنتاج أنه ليس مقرضاً للدولة بالدولار، ولا هي استنزفت دولاراته.

بطيش: 5 مسارب
أين تبخرت عشرات مليارات الدولارات إذاً؟ وفقاً للوزير السابق منصور بطيش يمكن ذكر الآتي:
أولاً، هناك التسديد السنوي النقدي لثمن الفيول أويل لكهرباء لبنان بالدولار. سجل ذلك في ميزانية مصرف لبنان كموجودات أخرى (خطأ مقصود) بحوالى 18 مليار دولار من دون اظهار المبلغ كالتزامات على الدولة التي كانت سددت المبلغ بالليرات. وما ذكره كسبار في دراسته أن مصرف لبنان قام خلال 2009 و2019 بعمليات سواب (مبادلة) مع وزارة المالية بمبلغ يوازي تقريباً ثمن الفيول المذكور أعلاه. أي انه سلم وزارة المالية ليرات مقابل استحصاله على سندات يوروبوندز قام ببيع معظمها في الأسواق لِقاء دولارات أودَعها في حِساباته.

ثانياً، غطى مصرف لبنان بشكل أو بآخر العجز السنوي للعجز التجاري. كان يلبي الطلب على الدولار لزوم الاستيراد من دولارات المصارف المودعة لديه وهي عمليا للمودعين. فاستنادا الى ميزان المدفوعات، وبعد تنزيل صافي الفائض من الخدمات والتحاويل والاستثمارات الخارجية، تقدر القيمة التراكمية للعجز التجاري خلال السنوات العشر الماضية بما بين 40 و45 مليار دولار صرفت في الاستهلاك والاقتصاد غير المنتج.

ثالثاً، الفوائد التي دفعت سنوياً على الدين الحكومي بالدولار لا سيما اليوروبوندز والمقدرة قيمتها التراكمية في العشر سنوات الماضية بحوالى 15 مليار دولار علما بان الجزء الاكبر منها جرى تدويره عند الاستحقاقات.

رابعاً، الفوائد التي دفعت سنويا على الودائع بالعملات الاجنبية لا سيما لغير المقيمين ولاصحاب الودائع الائتمانية وهم بغالبيتهم لبنانيون تخفوا خلف ما يسمى «العقود الائتمانية» وقد عمد معظم هؤلاء الى تحويل هذه الفوائد المتراكمة والتي انهكت الاقتصاد الى الخارج تدريجيا خلال 2018 و2019 وحتى 17 تشرين 2019

خامساً: ارباح الهندسات المالية وعمليات السواب التي جرى تحويلها لاحقا وتدريجيا الى دولارات سحب جزء منها كأنصبة ارباح واستعمل معظمها تغطية لخسارات في الخارج ولمؤونات على ديون مشكوك في تحصيلها. وتقدر ارباح الهندسات وعمليات السواب التي اجراها مصرف لبنان بين 11 و12 مليار دولار عمد الى تنفيذ أكثر من نصفها عام 2016 والنصف الاخر في 2017 و2018 و2019