شارل الياس شرتوني: حان وقت إعلان لبنان دولة فاشلة

75

حان وقت إعلان لبنان دولة فاشلة
شارل الياس شرتوني/12 كانون الأول/2021

جاء وقت اقرار لبنان دولة فاشلة مع اكتمال كل المؤشرات في هذا الشأن: السيادة المعطلة، تفكيك دولة القانون لحساب سلطات أمر الواقع، تعطيل مبدأ فصل السلطات واستتباع القضاء، استنكاف الدولة عن القيام بمهماتها التدبيرية، المالية العامة المنهارة، مصادرة القرار السياسي الخارجي والامني والدفاعي، تكاثف الانهيارات المالية والاقتصادية والاجتماعية والايكولوجية والتربوية والأزمات الحياتية القاتلة، الابقاء على السياق السياسي ضمن الدائرة الاوليغارشية المغلقة، التجاهل المبرح للحراكات المدنية، والتأكيد على استقرار لبنان على خطوط توتر المحاور الاقليمية والتبعيات الناشئة عنها…،. على الرغم من كل هذه المؤشرات، يمعن البعض في تنكره للواقع والتصرف على هذا الاساس على الرغم من مضي سنتين على واقع التعطيل الحكومي، والتمنع الارادي عن معالجة الأزمات المالية ونتائجها الكارثية على كل المستويات، وما أدت اليه من تدمير للذخر الاقتصادي والاجتماعي الذي بني على مدى مائة عام، وإطلاق حركة الهجرة الجماعية الرابعة منذ دخول لبنان في دائرة النزاعات المفتوحة في العقود الستة الاخيرة. ثمة وقائع ثابتة تثبت أن واقع الانهيارات البنيوية الذي نشهدة هو إرادي وصادر عن تقاطع المصالح بين سياسة السيطرة الشيعية التي تقودها إيران إقليميا والتي يلعب فيها حزب الله دورًا أساسيًا، ومصالح الاوليغارشيات الحاكمة المالية والسلطوية، التي تحاذر أي تحول إصلاحي وسيادي وديموقراطي يسائل هيمنتها وإقفالاتها السياسية والمالية.

لقد سقطت المؤسسات الدستورية بفعل تحولها الى أطر شكلية وغطاءات مستخدمة من قبل الاوليغارشيات لتشريع سياساتها التدميرية، ومدخلا لسياسة السيطرة التي دفع بها الائتلاف الشيعي انطلاقًا من لعبة التحالفات الانتهازية التي صاغها مع مختلف الفرقاء السياسيين، على قاعدة مقايضات متبادلة. لقد سقطت شرعية هذه المؤسسات بفعل إفراغها من أحكامها المعيارية الناظمة، واستتباعها وتحويلها الى أدوات ليس إلا لتغطية سياسات النهب المنهجية والاداء الانقلابي الذي وضعته الفاشيات الشيعية. إن مهزلة الحكومات الصورية (دياب، ميقاتي)، وتواطؤ رئاسة الجمهورية ورؤساء الحكومات المتعاقبين (تكليفا وممارسة)، وتحول المجلس النيابي بفعل نهج اوتوقراطي الى سلطة بديلة تتقاسم مع حزب الله عملية قضم المؤسسات العامة، والإعداد لسياسة انقلابية تسائل شرعية الكيان الوطني اللبناني. لم يعد مفهوما التسليم بالأمر الواقع على أساس الخوف من الفراغ وعودة الحرب الاهلية، أو عدم توافر البدائل الاصلاحية، أو الاستسلام للمد الانقلابي. لقد انتهت اللعبة المؤسسية في الداخل بفعل التزوير المبرح لمرتكزات الحياة الديموقراطية وتحولها الى مسرح ظلال لسياسات النفوذ الداخلية والاقليمية، ولا خيار لنا بعد اليوم سوى الاحتكام الى المؤسسات الدولية إذا ما أردنا اعادة الاعتبار للدولة اللبنانية، وإعطائها الحيثية السيادية والمؤسسية والإمكانيات الفعلية من أجل الخوض في الاصلاحات البنيوية الواجبة.

إن مهزلة الحكومة المستنكفة عن أعمالها بفعل المقاطعة الشيعية، والقرارات الاستنسابية على الصعيد المالي (لعبة أسعار الدولار، وسياسات الدعم المنهوب والمفخخ، ومتابعة السياسات الزبائنية والحيازية التي يتقنها الثنائي الشيعي، ونسف التحقيق الجنائي المالي، وعدم متابعة التفاوض مع صندوق النقد الدولي…) والاجتماعي (غياب أية سياسة اجتماعية وصحية وتربوية متماسكة خاصة بهذه المرحلة الخطيرة، التمييز العلني والمبرح بحق مناطق بيروت الشرقية التي كانت الضحية المباشرة لانفجار المرفأ، استعمال مسائل التهجير السوري واللاجئين الفلسطيينين خارجا عن أية دراسة موضوعية للملفات العائدة لشؤون العمل والحقوق الاجتماعية الخاصة بهم وضرورة مواءمتها مع المصالح الوطنية اللبنانية، وتقاسم الاعباء مع جامعة الدول العربية والأمم المتحدة، وانطلاقا من مفكرات سياسية تستهدف التوازنات البنيوية للاجتماع السياسي اللبناني والسلم الاجتماعي والأهلي)، واعتماد نهج التوتير الأمني الدوري لإسقاط مسائل محورية كالتحقيق الجنائي والعمل القضائي العائدين لانفجار المرفأ…، ما هي الا نماذج عن واقع التفكك المديد الذي حول الدولة اللبنانية الى إسم لغير مسمى، وأحالها إلى وجود صوري لا طائل له. إن سقوط الثقافة الميثاقية في ظل المناخات الانقلابية وتعمم الفساد بكافة أوجهه، قد أدخلانا في ديناميكية تآكلية قضت على حيثية البلاد الكيانية وإمكانية اعادة احياء الإرث الديموقراطي ودولة القانون. لا سبيل لنا بعد اليوم سوى الاحتكام الى الامم المتحدة وانفاذ القرارات الدولية وتوسيع تطبيقاتها، وتفعيل الوساطات الدولية على غرار ما قام به الرئيس الفرنسي منذ آب ٢٠٢٠، والخوض في سبل تسوية سياسية كبيرة تخرجنا من دائرة الأزمات الدورية، وإلا نحن ذاهبون باتجاه المتاهات النزاعية المفتوحة في منطقة فقدت نقاط ارتكازها المعنوية والسياسية.