د. حارث سليمان/جنوبية: الاستحقاقات الديموقراطية محطات مواجهة واشتباك مع المنظومة الحاكمة وشبكاتها الزبائنية

25

الاستحقاقات الديموقراطية محطات مواجهة واشتباك مع المنظومة الحاكمة وشبكاتها الزبائنية
د. حارث سليمان/جنوبية/19 تشرين الثاني/2021

تزداد يوم بعد يوم التعقيدات والعراقيل التي تشي بإمكانية تأجيل موعد الانتخابات النيابية اللبنانية، واحتمال عدم حصولها قبل موعد نهاية ولاية الجنرال عون في رئاسة الجمهورية، وعلى الرغم من حسابات الممانعة ومحورها التي حسبتها فوزا صافيا ، لحظة خسارة الرئيس الاميركي دونالد ترامب معركته الرئاسية الاميركية، فان تطورات الاقليم وملفاته لم تجري سفنها طبقا لرياح الممانعة واجندتها السياسية، فلم تتم العودة السريعة للاتفاق النووي الذي وقعه الرئيس اوباما، ولا تمت الموافقة على ازالة كامل العقوبات الاميركية عن ايران، ومازال ملف التفاوض ينتظر ان يأخذ مساره النهائي في نهاية الشهر الحالي بعد ان انتظر طيلة أكثر من عشرة اشهر كاملة، تمت خلالها تطبيق عقوبات اميركية جديدة واضافية على نظامي دمشق وطهران، من قانون قيصر لمعاقبة نظام الاسد، الى تطبيق عقوبات جديدة على حلفاء ايران في لبنان، وفيما يضغط الحوثيون على السعودية بتصعيد عسكري تدعمه طهران في الحديدة ومأرب، تتفلت الساحة العراقية من يد ايران ويتراجع نفوذها على مستوى الحكم كما على مستوى التيارات السياسية الفاعلة واتجاهات الراي العام العراقي.
وتستمر اسرائيل في ضرباتها الجوية شبه الاسبوعية للقواعد الايرانية وللميليشيات التابعة لها في سورية، برضى روسيا وصمتها، وذلك بهدف منع تطوير ايران لتواجد عسكري استراتيجي في سورية يمكن ان يشكل خطرا على كيان العدو ومستوطناته.

أما في لبنان فيستمر النقاش الحاصل بين مجموعات ثورية حول جدوى الانخراط في الانتخابات النيابية المقبلة التي يمكن ان تكون مناسبة ثمينة، لاحداث تغيير ملموس في موازين القوة اللبنانية الداخلية، بحيث يستعيد لبنان ملامح دولته المخطوفة، ويستعيد شعبه قدرته على تقرير مستقبله وادارة ازماته المتعددة والمتفاقمة، ولذلك فان المطلوب من هذه الانتخابات هو ان تنتزع الاكثرية النيابية من يد ايران، مما ينعكس على اختيار رئيس الجمهورية المقبل، فلا يكون قلمه وتوقيعه بيد ايران، وأن يتم تشكيل حكومة مختلفة عن حكومات الوحدة الوطنية التي تأرجحت بين حكومة يسيطر حزب الله على قرارها، او يملك ثلثا معطلا فيها، فعند فقدان ٨ آذار الاكثرية النيابية، يمكن اختيار رئيس مجلس نواب غير نبيه بري، ك شيعي مستقل، وتصبح عملية اعادة تكوين الاجتماع السياسي الشيعي على اسس ديموقراطية ومدنية متاحة وممكنة. في مواجهة فكرة الانخراط في الانتخابات وخوض غمارها، وهي فكرة غالبة لدى مجموعات الثورة وقواها، ثمة فكرة أخرى تدعو الى المقاطعة، وتعتبر الاشتراك بالانتخابات تهمة ونقصا في الانتماء للثورة ومصداقيتها.

أما المقاطعة في هذه الظروف القائمة، فقد تكون طفولة يسارية او يمينية او ترويج من قبل بعض احزاب المنظومة، للتستر على تواطئها مع حزب الله، ولاعفائها امام القوى الاقليمية والدولية، من مزاعمها بعدم وجود أي خيار يتيح الانفكاك من الهيمنة الايرانية، وذلك عبر رفع شعار ان حزب الله هو مشكلة اقليمية، والمقصود انه ليس مشكلة لبنانية، وبالتالي يقومون ب ” ربط النزاع” معه علنا، ويتحاصصون السلطة والفساد معه سرا، قوى المنظومة هذه تتسول الدعم الاقليمي والدولي بحجة وذريعة مواجهة حزب الله، وتعتاش من عوائد الفساد الداخلي وصفقات للمال العام بادارة سلطة، تشكل غطاء لحزب الله.
هذا رايي، تحدثت فيه عن فرقاء عدة او اكثر ولم أقصد ان اتهم كل من يرفض المشاركة بالانتخابات، بانه مدسوس او مشتبه به، بل هناك قسم يمارس التطرف اليساري ويتبنى مقولات من نوع عدم جدوى النضال السلمي واللعبة الديموقراطية من اجل تحقيق اصلاح سياسي يراكم خطوات بناءة ويستعمل الاستحقاقات الانتخابية كافة في النقابات او البلديات او الانتخابات النيابية كمحطات مواجهة ومناسبات لتكريس فعل سياسي تغييري، وهناك البعض من جماعة السياديين المراهنين على تدخل دولي لمواجهة حزب الله (لن يحصل هذا التدخل برأيي)، وهناك ايضا بعض النخب التي لا تريد لقوى الانتفاضة ان تأخذ حيزا من الحضور السياسي، وتريد الابقاء على توازنات قديمة لمصلحة (تقدمي+ مستقبل+ قوات) من جهة و (عون+ امل+ حزب الله) من جهة اخرى.

يستعيد بعض الاصدقاء تجربة انتخابات ٢٠٠٩ حيث ان الاغلبية النيابية التي نالتها قوى ١٤ آذار كانت غير مؤثرة تحت تهديد السلاح، وان حزب الله وتيار الجنرال عون فرض تشكيل حكومة وحدة وطنية رغم هزيمتهما في الانتخابات النيابية، والجواب على هؤلاء الاصدقاء هو : ان الامر ليس متشابها والظروف ليست كما كانت، في السابق الاكثرية النيابية شلت في ٢٠٠٩ نتيجة صفقة اقليمية دولية، نتجت عن اتفاق الدوحة و مسار س س الذي تبنته المملكة العربية السعودية حيث استحضر العاهل السعودي الملك عبالله بشار الاسد بطائرته الخاصة الى بيروت، بعد ان طرده شعب لبنان منها، كما قام الرئيس الفرنسي ساركوزي باستقبال الرئيس السوري بشار الاسد ليحتل مقعدا بين رؤساء الدول في الاستعراض العسكري الفرنسي الذي يقام في احتفال ١٤ تموز ذكرى سقوط سجن الباستيل في بداية الثورة الفرنسية.

البعض الآخر يدعو الى مقاطعة الانتخابات المعلبة و جعل شرعية مجلس النيابي المقبل وقراراته التي ستُحمِّل الشعب الخسائر، نقطة اشتباك أفضل من شرعنة هذا المجلس، ودخول كم نائب لا يقدموا ولا يأخروا حسب قولهم، لأن المافيات قادرة على استيعابهم، كما استوعبت عون بعد مجيئه وجعلته ذخر لها. وقد فات هؤلاء ان الجنرال عون كان منذ سنة ١٩٧٦ عاملا نشطا في الاجندة السورية حسب كل مرحلة، ولم يكن معارضا صنديدا الا في مخيلة بعض الابرياء البسطاء. ويستنتج هؤلاء الى القول : قاطعوا الانتخابات المعلبة المزورة.

وردي على هذه الفئة التي تتبنى المقاطعة هو:
حسنا حصلت مقاطعة للانتخابات سنة ١٩٩٢ وكانت الانتخابات معلبة فعلا وليس احتمالا، والمقاطعة كانت قوية وواسعة في الجانب المسيحي لم ينتخب سوى ٩ % ، أما في الجانب السني بيروت وطرابلس فنسبة المشاركة وصلت كانت اقل من ١٤% وبالمجمل على الصعيد الوطني اللبناني حوالي٣٠ %، فماذا كانت نتيجة هذه المقاطعة!! الجواب صادم! صادم كثيرا: تسهيل سيطرة النظام السوري على مفاصل المؤسسات الدستورية اللبنانية. هل تريدون تكريس الامر الواقع القائم أم محاربته والسعي لتغييره!؟

من جهة ثانية فان حراك الانتفاضة الذي يتجه للتنسيق والتبلور، على طريق بناء معارضة وطنية شعبية عابرة للطوائف والمناطق والمذاهب والاجيال والجندر ومتضمنة قطاعات متعددة من المهن واصحاب والوظائف والاعمال والعاملين في مختلف قطاعات الاقتصاد والإنتاج، ان هذا الحراك مطلوب منه خوض كل الاستحقاقات الديموقراطية والنقابية والمهنية، وجعلها مناسبة لنزال مع احزاب السلطة وامتداداتها، من اجل اضعافها وانهاكها.

ويشكل تعاطي احزاب السلطة مع البلديات نموذجا صارخا يشبه تعاطيها مع كل الملفات: زبائنية، فساد، محاصصة، تنفيعات المحاسيب ،استعمال البلديات كمفاتيح انتخابية، تعيين رؤساء بلدية كموظفين سياسيين عند هذه الاحزاب، وغياب الرؤيا الإنمائية بطبيعة الحال.

لهذه الاسباب فان التحضير لاستعادة البلديات من “منظومة الفشل والفساد والارتهان للخارج” في الانتخابات المقبلة يجب ان تكون أولية مطلقة، ليس فقط من أجل ان نحرر البلديات من ايادي السلطة الفاسدة بل لأنه اصبح ضروريا تمكين الناس من أن يقرروا ويشاركوا في وضع المشاريع الانمائية، وان يكون لهم كلمة الفصل، في صناعة سياساتهم المحلية.

يجادل كثيرون في استحالة احداث خرق في جدار الازمة اللبنانية، على اي مستوى من مستويات المواجهة، فتارة ينشرون توقعاتهم اليائسة بدعوة ان لبنان بلد لا شفاء له، ولا امل به، وتارة اخرى بعبثية اجراء انتخابات في ظل ما يسمى سطوة حزب الله وما يصفوه ” بالاحتلال الايراني” وطورا بإنتظار حل او تدخل خارجي، لا يمكن ان يحصل دون توفر نصاب داخلي يفتح المواجهة ويوسع اطارها، وقد فات هؤلاء جميعا تجربة عراقية راهنة، استطاعت ان تشكل مواجهة ناجحة لثنائية الفساد المحلي والارتهان لنفوذ خارجي، فالعراق كما لبنان، يشهد اكبر قدر من فساد منظومة الحكم، ويخضع لنفوذ ايران عبر الفصائل الولائية في الحشد الشعبي كما يخضع لبنان لنفوذ ايران عبر حزب الله.

وتمثل تجربة الكاظمي في العراق درسا وجب على ثوار لبنان ان يدرسوه ويتعلموا منه وهي تجربة حية راهنة وماثلة امام عيوننا، فالعراق الذي عاش اصعب الاوقات واحرجها وخضع شعبه للاحتلال الاميركي ثم لاجتياح داعش معظم مدنه الكبرى، ثم لاجتياح مضاد استكمل دمار مناطقه ومدنه الرئيسة، كما تربع على سدة سلطته منظومة فاسدة لم يعرف التاريخ البشري مثيلا لشراهتها واطماعها، ثم خضع لنفوذ ايراني منفلت من اي ضابط او رادع، العراق هذا استطاع مع حكومة الكاظمي ان يخطو الخطوات الاولى نحو استعادة عافيته وهويته. وقد شكلت التجربة العراقية نموذجا لشعب لبنان يمكن ان يتبعه؛ وتتلخص بنهج وعمل هادئ، فتمت اولا عملية استعادة هيبة الجيش العراقي الذي كان قد تم حله، بعد الاحتلال الاميركي، بقرار اميركي ايراني مشترك، ثم تحقق رسم خط فاصل بين الهوية الوطنية العراقية والنفوذ الايراني، وقامت ثورة تشرين العراقية، ترفع مطالب من بعدين: الاول محاربة الفساد والثاني مواجهة النفوذ الايراني داخل العراق، وطبقا لمطالب ثورة تشرين جرت انتخابات نيابية مبكرة ونزيهة، وكانت نتيجتها هزيمة الفصائل الولائية لايران، فيما تماهت حكومة الكاظمي مع اهداف ثورة تشرين العراقية، وقامت بكشف ومعاقبة قتلة نشطائها، وبذلك استعاد العراق حضوره العربي والدولي .