الكاتب والمخرج يوسف ي. الخوري/فلول اليسار المُلحد تجتاح الدامور مرّة ثانية

687

فلول اليسار المُلحد تجتاح الدامور مرّة ثانية…
الكاتب والمخرج يوسف ي. الخوري/19 تشرين الثاني/2021

تحرّكنا يوم السبت الماضي، الأب سيمون عسّاف، والصديق جورج يونس، وأنا، باتّجاه بلدة الدامور الشوفيّة حيث كان ينتظرنا شاعر الزجل المعروف جريس البستاني. هذه الزيارة نقوم بها، مع أصدقاء آخرين، أقلّه مرّة واحدة في الشهر، فنروِّح عن أنفسنا بباقات من الشعر يتلوها علينا جريس، ممّا في ذاكرته وممّا كتبه بعد زيارتنا الأخيرة له، ولا تخلو جلساتنا من مبارزات طريفة ومسليّة في الشعر الارتجالي بين الأب سيمون الشاعر والشاعر جريس.
ومن ثوابت زياراتنا هذه، أن يعِدّ لنا جريس المعجنات بيديه، فهو خبّاز ماهر، ولا يأكل إلّا من خبزه الذي يعجنه ويخبزه في فرنه الصغير قرب بيته، والمجهّز فقط لهذه الغاية.
وبينما كان جريس يُعِدّ غداءنا، كان يشغلني ماذا يكون موقف أبناء الدامور من محاكمة الأب منصور لبكي، وهو الذي لم يغادر بلدتهم إلّا بعد دَفنِ الشهداء والصلاة على أرواحهم، وإخراج الأحياء من الأهالي، يوم ارتكب الفلسطينيون وأتباعهم من اليسار اللبناني المجزرة بحقّ أبناء الدامور عام 1976.
بالانتظار، جالسني المحامي جوزيف، ابن جريس، فسألته عن موقف أبناء الدامور من القضيّة، فأجابني باقتضاب: – “لا يُصدّقون”.
(أنا): حتى بعد حكم المحكمة الفرنسيّة؟
حتى لو أصدر الحكم الروح القدس نفسه، لن يقتنعوا.
وعمّي جريس ماذا يقول؟
عمّك جريس مثل كل “الدوامري”. لكن عسى ألّا تُطيل الحديث أمامه عن هذا الموضوع إذ يُزعجه ما يحصل كثيرًا.
وإذا بجريس يعود من فرنه البيتي حاملًا مع صديقنا جورج المناقيش واللحم بعجين وفطائر “الزوباع” الشهيّة، فلم أنتظر وبادرته بالسؤال عن رأيه بالحُكم على الأب لبكي، فأجابني والبشاشة تعلو وجهه:
“بدّك جاوبك دغري ولّا بحُطّ من ايدي وبرجع؟”
“اْللي بيرَيْحك عمّي”.
“لَكِن رح جاوبك بقصيدي كتبتلّو ايّاها”.
أوصل ما يحمله إلى المطبخ وعاد حاملًا بيده ورقة دوّن عليها قصيدة بعنوان: “إلى الأب منصور لبكي الحبيب”، فتلاها علينا:
يا بونا لْروحَك اْلبَسمِه عْطيها
بدنيا اْلحقد عَم ياكُل بَنيها
لا تتأثّر بخطّة جْهَنَّميِّه
بتهمِه مِتِل وجه اْللي رميها
الكنيسِه من اْلسنين الأوليِّه
فيها من الفضايح ما كفيها
مش بِحاجِه تا تِرمي هالأذيِّه
عْلَى خوري بِتراتيلو غِنيها
وأنا من اْلمنطِق اْلمختَص فيّي
القضيِّه بُرفُض بإمّا وأبيها
وْلَا روما بسامح ولَا البطركيِّه
قبِل ما يْغَسْلو بدَمع اْلندامي
كلّ اْلمسألي المتهوم فيها
نظرت إلى الأب سيمون عسّاف الجالس بقربي وقد دمعت عيناه، فسألته: “شو يا بونا سيمون؟”
عقد حاجبيه العريضين، أغمض عينيه لبرهة وهو يُدخل إبهاميه تحت زنّار ثوبه الرهباني، ثمّ أجاب على قصيدة جريس بقصيدة مرتجلة عن الأب لبكي:
أَبونا محترم دنيا ودينو
اْلفضايِل بالمزايا معَمْدينو
مِلي البِيعَه صَلا وألحان حِلوي
بِنغَمْها المؤمنين مقَدْسينو

رجل موهوب والإبداع عُلوي
فَضيل كتار ناس مكرمينو
دَرَج تسعين عمرو بيت خَلوي
بَدَل ما يقدسو شَيبِة وَقَارو
تجنُّو المُغرضين اْلحاسدينو
لا والله، لَإنّهم حاقدون وليسوا فقط حاسدين! إذا تتبّعنا مصدر الضجّة حول هذه القضيّة، نجد أنّ معظمها يأتي من أناس غير سَوِيين، يساريين، مُلحدين، يكرهون الكنيسة ويكرهون الله. إنّهم مجتمع العلمانيين الجدد الذين يأخذون العلمانية كموضة تعطي رونقًا زائفًا لحياتهم البائسة. هؤلاء لم تعرف قمحة الأب لبكي طريقًا إلى قلوبهم. إنّهم فلول الذين أحرقوا الدامور في العام 1976 ولم تَطَل نيرانهم جسد الأب لبكي يومذاك، فعادوا ليحرقوه اليوم. ليس الأب لبكي أرفع شأنًا من جان-دارك القدّيسة، فجان-دارك المجاهدة وأحرقوها! وليس أقوى من بطرس القديس، فبطرس الصخرة وصلبوه مقلوبًا! وليس أعلم من بولس القديس، فبولس اللاهوتي العظيم وناقل الكلمة إلى أقطاب الأرض وقطعوا رأسه! مسيحنا عذّبوه وصلبوه وهو الله الذي إليه يتضرّعون.
تأتيك عاهرة وتضع منشورًا على صفحتها الالكترونيّة من كلمة واحدة: Pédofile، وهي نسيت نفسها وصدّقت بأنّها تُحقّ الحقّ بنفسها. ويأتيك مقدّم برامج تلفزيوني، يعظ البطريرك الماروني كي يعتذر عن “أفعال” الأب لبكي، ونسي هذا المقدّم تفاحشه غير المستقيم على الشاشات وفي العلن، والخارج عن طبيعة الآدميين. وتأتيك “نسوية” (féministe) عديمة الأدب والخُلُق تريد الدفاع عن الطفولة “المغتصبة”، ولا ينقصها غير الدعوة إلى نزع أعضاء الأب لبكي التناسلية وإطعامها للكلاب، ونسيَت أن فكرها النَسَوي هو في لا وعيه فكر إبادة يطمح لقطع دوابر آدم. ويأتيك يساري مُلحد بـِ “مجازٍ مُرسل” يُريد به كل أبناء الكنيسة من خلال شخص الأب منصور لبكي، ونسي فجأة معركته لإسقاط النظام، ومواجهة نهب المال العام، واسترجاع أموال المودعين وتعليق مشانق المُرتكبين في انفجار مرفأ بيروت…
كلّ هؤلاء المشهّرين بعِرض الأب منصور تفاعلوا مع الحكم الصادر في فرنسا بحقّه من باب “يا قحبِه يا شلكّيِه شيلي مِنّك حُطّي فيّي”، وما ذلك إلّا انتقامًا لا واعيًا من المجتمع لأنّه لا يتقبّل وساخة أمثالهم.
فهل التشهير بالأب لبكي يمحي ذنوب العاهرة وتخريبها بيوت العوائل؟ وأقصد بالعاهرة هنا تلك التي يكمن عهرها في رأسها وليس بما بين فَخذَيها.
وهل غيرة المقدّم التلفزيوني على الكنيسة تُنسينا أنّه لا يعرف باب الكنيسة، وأنّه لا ينفكّ يدافع عن أبناء السوء في برامجه المدمّرة للعائلة، ناهيك عن أنّه من أكثر الذين تعرّضوا بالافتراء من منابره على الكنيسة وعلى سيّد بكركي بالتحديد.
وهل إذا تهكّمت متنمّرة نسويّة على الأب لبكي، يُصبح بإمكانها أن تُنجب البنين بواسطة تلقيح نفسها؟
وهل بإساءاتكم إلى الأب منصور أيّها العلمانيّون الملحدون الغيارى على نفسيّات الأطفال المُتحرّش بهم، سننسى أنّكم وأسلافكم اجتحتم بلدة الدامور في يوم من الأيام، ودستم كرامة أهلها بجزاميكم الفلسطينيّة، وذبحتم أطفالها بمّن فيهم الرضّع؟
ولأختصر موقفي من قضيّة الأب لبكي، أعود بالقارئ إلى مسألة طلبت من طلّابي في الجامعة معالجتها، وأثارت يومها بعض الضجّة، وها هي:
امرأة عجوز صدمتها سيارة. مرّت بقربها فتاة مؤمنة كانت قد أمضت ليلتها بالصلاة وتلاوة مسبحة الورديّة. الفتاة تابعت طريقها خشية أن تتأخّر على وظيفتها وتتعرّض للمعاقبة من ربّ عملها. بعدها مباشرة وصلت زميلتها في العمل، وكانت هذه قد أمضت ليلة حمراء بفحشها مع عشيقها. رأت الأخيرة العجوز مدرجة بدمائها، ومن دون أيّ تردّد حملتها إلى المستشفى وأنقذت حياتها، وقد تحمّلت عبء صرفها من عملها، كما تحمّلت مشقّة توقيفها للتحقيق لأكثر من يوم.
وكان سؤالي للطلّاب: “مَن مِن بين الفتاتين أعلاه يحبّها يسوع أكثر؟
المسألة الأخيرة فيها عبرة ألا وهي: مهما تطاولتم أيّها المفترون على الأب لبكي، ستبقى أعماله الخيّرة والإنسانيّة، ووقفته مع أهالي الدامور في العام 1976 هي المؤثّرة في وجداننا.