شارل الياس شرتوني/الفاشيات الشيعية وسياسة الارض المحروقة

88

الفاشيات الشيعية وسياسة الارض المحروقة

شارل الياس شرتوني/19 تشرين الثاني/2021

مما لا ريب فيه أننا قد دخلنا في مرحلة تختلف نوعيا عن سابقاتها لجهة التدمير المعلن لكل المقومات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية والبيئية، وإحالة لبنان الى مكب نزاعي مفتوح على الصراعات الاقليمية، دون أي اعتبار لحالة الاعياء الشاملة التي يعيشها اللبنانيون على مستوى التدهور المأسوي للاوضاع المعيشية والشروط الحياتية، وما شريط الحرائق المتنقلة الا صورة فاقعة عن أحوال الحصار المميتة التي تحيق بحياتنا اليومية. إن المراهنة على الاستحقاق الانتخابي القادم في ظل السياسة الانقلابية المعلنة التي تعتمدها الفاشيات الشيعية ينم عن قراءة خاطئة وسذاجة تتجاهل عمدا نوعية المخاطر التي تتهدد السلم الاهلي، ودرجة انهيار المؤسسات الدستورية التي باتت صور مجازية لدولة فاشلة بكل المقاييس. لا سبيل للخروج من سياسة الأرض المحروقة والابواب الموصدة، ما لم نعترف أننا في وضعية انقلابية تقف وراء سياسة الانهيارات الارادية الشاملة، التي تفسر هذا الجمود القاتل منذ سنتين لجهة التعاطي مع الملفات المحورية التي خرجت عن الضوابط الزمنية والمهنية التي تستلزمها الحلول المالية والاقتصادية-الاجتماعية والبيئية بكل مندرجاتها. لا عجب أن الأزمات تضاعفت بحكم إرادة التأزيم، وشراسة الاقفالات الاوليغارشية، والتشبث بالمصالح التي نشأت عن سياسات النهب المنهجي خلال العقود الثلاثة المنصرمة وانعدام المسؤولية والانحدار الأخلاقي بكل أبعاده الخاصة والعامة، وتواردها مع سياسات الفاشيات الشيعية الانقلابية، ومصالح الجريمة المنظمة التي تديرها.

إن عرقلة التحقيق الجنائي المالي والأمني في جريمة المرفأ الارهابية، وما رافقهما من استعمال لأجهزة التحقيق الأمنية والقضائية، وتشكيل حكومات صورية مؤلفة بمعظمها من أشخاص قاصرين لا يمتلكون الحد الادنى من الاستقلال والرشد المعنوي، أو بأحسن الاحوال هم أدوات وقحة لسياسات السيطرة الشيعية. من هو هذا المسؤول السياسي الذي لا يمتلك الجرأة الاخلاقية التي تجعله يكسر مؤامرة الصمت في وقت يعاني فيه المواطنون اللبنانيون الأمرين من التدهور المخيف لأوضاعهم المعيشية. سياسة النهب تتابع من خلال لعبة الدولار المتحركة التي سلبت اللبنانيين ما لايقل عن ستة مليارات في السنتين الماضيتين، ومعابر التهريب على تنوع مواده التي اختلست ودائع اللبنانيين في المصرف المركزي من خلال سياسات الدعم المفخخة والفاسدة، وتبييض أموال الجريمة المنظمة والإرهاب، وعدم اجراء الاصلاحات الهيكلية على الأصعدة المالية والاقتصادية من أجل اعادة تحريك الاقتصاد، وتحفيز الاستثمارات، وايجاد فرص العمل التي تحول دون ديناميكيات الإفقار والهجرة، وعملية الاستهداف المنهجي للذخر الاجتماعي اللبناني بكل مرتكزاته الاقتصادية والاجتماعية والتربوية، بفعل خيارات ايديولوجية وسياسات سيطرة تستهدف حيثية البلاد الكيانية والسياسية والبنيوية. إن سياسة ” تناسل الأزمات ” التي يعتمدها حزب الله ليست بصدفة بل خيارا سياسيا يمهد لانهيار البلاد توطئة لتبدلات جيو-سياسية تندرج ضمن سياق السياسة الانقلابية التي يديرها النظام الإيراني على المستوى الاقليمي، والتي تتلاقى مع مصالح الاوليغارشية السياسية المالية التي تحتجب وراء الحبكة الانقلابية من أجل حماية ريوعها وحيازاتها وأموالها المنهوبة. ناهيك أنه ليس من امكانية لاجراء أي اصلاح مالي واقتصادي في ظل الانهيارات السياسية الداخلية والخارجية، واحكاماتها النزاعية المتلازمة، والمفكرات الانقلابية المتداخلة، ومؤدياتها الإرادية التي تسعى لتثبيت ودفع الانهيارات المتكاثفة في البلاد.

لقد دخلنا منذ زمن بعيد نفقا مظلما ولا سبيل للخروج من تمادياته ما لم نخرج من اللعبة الاوليغارشية المغلقة التي تحكمها الفاشيات الشيعية صعودا ونزولا، ولا سبيل لذلك ما لم تدول الأزمة اللبنانية بكل مندرجاتها الاستراتيجية والسياسية والمالية والاقتصادية والايكو-سيستيمية، حتى يصار الى فصل المسارات التي يسعون الى تركيزها من خلال تحويل لبنان الى منصة لادارة السياسة النزاعية الايرانية في المنطقة، وشبكات الجريمة المنظمة التي بنتها على خطوط التواصل الداخلية والإقليمية والدولية. إن الرهان على الديناميكيات الداخلية البحتة والتنكر للواقع الانقلابي يقع في دائرة التعمية الارادية والتضليل وتوارد المصالح على تنوع مداراتها. تقتضي الحلول الجدية تحكيما دوليا للنزاعات السياسية من خلال انفاذ الفصل السابع من شرعة الامم المتحدة، وتطبيق المعاهدات والقرارات الدولية التي تحول دون التفاعلات النزاعية ( اتفاقية الهدنة ١٩٤٩، القرارات ١٥٥٩، ١٦٨٠، ١٧٠١، ٢٥٩١)، وتعيد الاعتبار لمفاهيم السيادة الوطنية والقرار الذاتي، وتسمح بتحرير الارادة الوطنية من قيود السياسات الاقليمية المتنازعة وتبعياتها، وتؤسس لحوار داخلي ينهي التركات النزاعية المديدة لحساب تسوية تاريخية توازي ما سبقها من صيغ ميثاقية وتوافقية وإصلاحية تمهد للمئوية الثانية، والا فالبلاد قد دخلت في سياق النزاعات الدولية والاقليمية المفتوحة بكل مفارقاتها ومفاجآتها غير السارة. إن لعبة الانهيارات الاقليمية المفتوحة التي تعتمدها السياسة الامپريالية الايرانية ومقابلاتها الجهادية في النطاق السني، لم تعد مقبولة والرد عليها لم يعد خيارا حرا، بل خيار الضرورة للحؤول دون التداعي المضطرد للنظام الاقليمي، وللحروب الأهلية الإسلامية وامتداداتها في الحيز الديموقراطي والليبرالي الغربي.