الأب سيمون عسَّاف/متى تتعانق أغصان الزيتون وأجنحة الحمام في سمائنا وتنتشر أطياف السكينة وتورف أفياء السلام في بلادنا؟

34

متى تتعانق أغصان الزيتون وأجنحة الحمام في سمائنا وتنتشر أطياف السكينة وتورف أفياء السلام في بلادنا؟

الأب سيمون عسَّاف/16 تشرين الثاني/2021

سلام على شهداء شرق أحرار أحياءً وأمواتا خلَّدوا تاريخ النضال في عهود أمراء ورؤساء وسلاطين وملوك قهقهوا على الدماء والدموع والأوجاع. أممنا مقهورة بسبب الأنانيات الآكلة والتسلط المستبد والتعصب الأعمى.

يا ليتهم علموهم معنى العبادة قبل بناء بيوتها العالية الخالية من الانعتاق. أليس البشر أولى من الحجر وقيمة الروح أغلى من قيمة المادة الخرساء؟

متى يصبح الإنسان عندنا حراً متمرداً على عبوديات الحرف الأجوف وعيوب الأنظمة البائدة؟ متى تقفل السجون وتتحول إلى مدارس أخلاق وأدب، وعوض ممارسات القتل والتعذيب يمارس احترام كرامة المرء وعزته؟

لماذا تخزين ترسانات الأسلحة والتفنين بأساليب الشر والثورات في مساحات الأمم المستغََلَّة شعوبها البائسة؟

هل طافت مواسم القمح واندفن الفقر حتى انحرف السلوك وراح من بطر وترف يتلهى بلعبة الحديد والنار؟

غريب أمر الناس وغريب اعتيادهم على العار والذل والخذلان. عجيب شأنهم كيف يرضون بما يقدم لهم من سموم فاتكة بطبيعتهم البريئة البتول. كم من اليتامى والفقراء والمعدمين تنهشهم الفاقة ويفترسهم العوز وما من يشعر بحاجاتهم وضروريات عيشهم المنكود.

ولبنان مصاب بهذه الأمراض المتفشية في جسد أهله المساكين. متى ينزاح هذا الكابوس الذي ينؤ من ضغطه كل سكان الشرق؟

متى تتعانق أغصان الزيتون وأجنحة الحمام في سمائنا وتنتشر أطياف السكينة وتورف أفياء السلام في بلادنا؟

إننا نعيش تحت رحمة الأخطار والتهديد والعالم يأخذ منا وقوداً للبارود والرصاص، فقط لأن الجهل يلف قوافل الأغبياء في دارنا والديار. هل صارت القوة لغتنا وما أحقرها إذا كانت للانتقام، حتى بتنا لا نفهم إلا بألسنة العنف والاستبداد؟

أليس هذا المنطق من واردات الفسق المصطنع الباضع في مسالخ الفساد؟

أين العقل لا يكتب الكلمات الرسولية لعمار الأفراد والمجتمعات بدل أن يلجأ إلى وسائل الأبالسة؟

هل شرائع العدل الإلهية تقضي بقضاء الواحد على الآخر؟

وأي ضمير يطمئن بالقاينية المتلذذة بسفك الدماء وتكديس الجماجم والعظام؟

 قذرة هي ألعوبة الحروب والتحديات الفارغة في مدنية العصر.

تكمن البطولة في هذا الزمن في صنع السلام لا في صنع الحروب وترك الضحايا والأشلاء ومخلفات الموتى والركام. نحن اليوم أكثر من أي يوم يلزمنا الترصن والفِطن واتقاء شياطين عوالم الظلمات.

من مصدر الإشراق ولدنا والضياء من فوق يرشقنا بالأشعة وما تزال عيوننا تحدق في أفلاك الدياجي والعتمات.

شرائح لبنان تحتاج إلى التقى والتعقل والنظافة وإرضاء الله. أن المنطقة مرجلٌ يغلي والأوضاع على شفا الانفجار من دون أن توفر هذا أو ذاك بل تحصد اليابس والأخضر وتذر الرمل والرماد في الوجوه المغفلة.

أجل إن المرؤة هي في نبذ الكوارث الجهنمية والنكبات لإسعاد الرعايا التي على صورة الله خُلِقَتْ، لا بالرهانات على تدمير أمن المسكونة برمتها. لا ألف مرة، لا يجوز لأي فكرٍ عاقل وعقل مفكِّر أن يرتكب حماقة التجربة الطاحنة فيغدر بحضارات تخجل من تفاهات رجالها الشكلية. وحدها الروية الهادية والنية النادية تبعد الأهوال وتجلب الخير إلى فعلته. إن ثقافة المرمغات الدموية والكرنفال الترويعي بات من غير قاموسنا وفي غير ناموسنا.

خلاصة القول، لبنان على مفترق طرق وعلى بنيه جميعا أن يختاروا فرصة التفاهم لخلاص الهيكل-المُصلَّى يجتازوا النفق ويتجاوزوا المحنة وإلا سيهبط على جميع الرؤوس أبرياء ومجرمين ولدى الرب يكون الثواب والعقاب بعد حريق وخراب.

عسى القرَّاء والسامعون يرعوون ويهتدون وعلى إله العرش الاتكال ونعم المصير.

من أرشيفنا لعام 2005/المقالة التي في أعلى نشرت على موقعنا في 13 أيلول 2005