الأب سيمون عساف: عيد الضيعه … أَعيادنا في الضياع واحسرتاه خسرناها، اضمحلَّ عميق معانيها وانقلبت الى عدم اكتراث وإِهمال، وهذا الاستلشاق هو بالفعل جزء من هزيمتنا

39

عيد الضيعه
الأب سيمون عساف/12 تشرين الثاني/2021

كل عام في كل ضيعه يُقام عيد، ولكل ضيعه شفيع عيدُه مرَّة كل سنة حسب روزنامة الكنيسة.

وفي الضياع يحتفل المؤمنون بعيد الشفيع بشكل احتفاليٍّ بهيج كأَنَّه شخص حاضر من أَفراد كل عائلة.

إِنَّه الحارسُ من الجنِّ والأشرار، الحامي من الأهوال والغوائل، الجامع العيال والمرافق لها في السرَّاء والضرَّاء، والويل لمن يقترب من حَرَم العرين. شفيع الضيعة هو الطبيب المعالج كل علَّة ومرض، والقابع في ذاكرة الجماعة والأفراد، لا يفارق المخيِّلة إلا بمغادرة الأرض.

طنَّ الجرس بحلول العيد يا أهالي الضيعه!

نعم جاء عيد مار جرجس، إِنه  فوق مذبح المصلَّى انتظار، ينادي ممتطيا ظهر الحصان، ممتشقا الرمح في اليمين القادرة لنحر التنِّين القاتل.

يا بَنِيَّ تعالَوا، تجمَّعوا لأُبارك شملَكم وأَصونكم فأَنا اليوم مُعَيِّدٌ معكم، صرخ القدِّيس العظيم!

 رنينُ قرع الصنوج داخل الكنيسة يُدوِّي، صاحبُ الصوت الصادح المخملي، يرنِّم في بداية القدَّاس باركي يا نفسي الربّْ…

ويتناوب على رندحات بعض المقاطع السريانية بقايا كبارٍ في السنّ تتلاشى اللغة الأُم معهم متى رحلوا. واأسفاه!

ينتهي القداس-الذبيحة الإلهية، فيخرج المُصلُّون للمعايده فرحين في ساحة الكنيسة كالمعتاد.

والباعة منتشرون: هنا باعة الحلوى، هناك باعة الألعاب،  هنالك باعة الصور التذكارية، وعلى أيامنا كان يأتي القرَّاد بدفٍّ وعصا يرقِّص قردَه على إِيقاع بعض نغم أغنيات شعبية، فيسحر الناس خصوصا الأولاد.

يتحلَّقون ليشاهدوا المنظر المذهل للمرَّة الأُولى، هذا ما كان يرغِّبهم لاسترجاع العيد في مستقبل العام القادم.

وماذا عن لفيف الشباب والرجال المفتولي السواعد المشمِّرين عن الزنود لتربيع الجرس.

تلك عادة ولا أَجمل في الجبال، منذورة أَيضاً للبياد يأخذ مكانها جرس الكهرباء في المعابد الجديدة.

دقِّيقَةُ الجرس الشباب القبضايات، يتبادلون الدور  ويتباهون باستعراضهم الفروسي أَمام المتفرجين قلوب تنطُّ مع كلِّ طنَّة ورنَّة.

مشهد يسبي العقل ويحملنا الى ماضٍ قصيٍّ، إِلى ذكريات متغلغلة مع سَرَيان الدمِّ في مجاري العروق…

والصبايا يتسارعن الى فرْم وهرْم تبولة العيد وتحضير مائدة الصحب والخلاَّن…

   صوَرٌ قديمة عفَّ عليها غبار النسيان هيهات لو تعود، هيهات أن تعود بيوت عزِّ صارت اليوم خرائب متهدِّمة مهجورة، كأَنها مرصودة بأطياف من سكنها من زمان، تومىءُ من فروج الصمت طالبة الرحمات راجية الرجوع الى إِحياء أَماسيها.

ومن قال ليست الأَرواح حاضرة تحرس الأَمكنة بحنينها مرفرفة رغم خروجها من قمصانها التي من حَمَإِ مسنون.. 

أَعيادنا في الضياع واحسرتاه خسرناها، اضمحلَّ عميق معانيها وانقلبت الى عدم اكتراث وإِهمال، وهذا الاستلشاق هو بالفعل جزء من هزيمتنا.

يا هو!! يا عالم!!

 اليوم بطالة عن جميع الأَشغال العالمية، قال الكتاب إِحفظ يوم الربّْ.

ما بالكم أَيها الأَحبة؟ لكم أَذان ولا تسمعون وأَلسن ولا تتكلَّمون وأَعيُن ولا ترون؟ اليوم تكريم شفيعكم حارس الضيعه!!!

نتحسَّر أَين راحت شباب الضياع؟ هاجروا؟ سافروا؟ نزحوا؟ غادروا؟ ماتوا؟

 ما أَقساك يا زمن، حمل موج البحر إِلى البعيد البعيد شباب بلادي ولن يعودوا.

لا ضيعه لا شفيع ولا أَعياد بعد اليوم بل مآتم، لا ازدهار ولا عمران بل أَشباح سوداء تخيِّم فوق الجبل وكأنه في مناحة نياحة المودّع إِلى الأَبدية.

كم أُم لواها العمر، تنتظر رجوع بنيها من خلف المحيطات؟ وكم أَب مجروحٍ على غياب الأعزاء الذين فارقوه وقد يغدره العمر قبل ان تسعد عيناه برؤيتهم؟ أَيها المهاجرون المنتشرون تحت كل كوكب وعلى كل أرض عودوا كرمى لانتظار رجاء أَهاليكم قبل أَن تخلو الدار والديار فتصبح أَثرا بعد عين.

عيد الضيعه في يقيني بات في خبركان… وأَنا خجلت من نفسي عندما أَدركت أَن الحياة حفلة تنكرية، حضرتُها بوجهها الحقيقي بين الليل وما يستر من مجون والنهار وما يُكثر من جنون!!!