الكولونيل شربل بركات/هل بدأ اندثار الحضارة الفينيقية مع دمار صيدا وصور؟

196

هل بدأ اندثار الحضارة الفينيقية مع دمار صيدا وصور؟
الكولونيل شربل بركات/04 تشرين الثاني/2021

في القرن السابع قبل الميلاد سيطر الكلدانيون بقيادة نبوخذ نصر على المنطقة الواقعة بين ايران اليوم وتركيا حتى سيناء جنوبا وقد تمكن هؤلاء من القضاء على المملكة الآشورية ومن ثم الانتصار على المصرييين بقيادة الفرعون نخاو الثاني في معركة كركميش ما جعلهم أسياد هذه المنطقة. ولكن سيطرتهم على الممالك الصغيرة في فينيقيا ويهودا ومؤاب والعمونيين وغيرهم لم تكن دائمة ما جعل هذه الممالك تتمرد أحيانا، خاصة إذا ما شعرت بقوة المصريين ومحاولتهم اعادة بسط نوع من النفوذ شمالا، ما كان يدعو إلى سياسة البطش والقهر التي اعتمدها نبوخذ نصر ضد هذه الممالك لاحقا، خاصة مملكة يهودا حيث هدم هيكل أورشليم وسبى الكثيرين وعلى راسهم الملك. ولم تخلو تلك الفترة من التمرد هنا وهناك والردود العنيفة التي وصلت إلى حد حصار مدينة صور البحرية طيلة 13 سنة دون تمكن الكلدانيين من دخولها الا بعد اتفاق مع ملكها على شروط العودة بدون دمار وتخريب. ولكن هذا التسلط دفع بالناس إلى التأمل بمن ينهي سيطرة الكلدانيين ووقف بطشهم.

وبالفعل كانت بذور أمبراطورية جديدة قد بدأت إلى الشرق من دولة ما بين النهرين في بلاد فارس حيث زحف قوروش العظيم مؤسس الدولة الأخمينية، وبعد احتلاله البلاد الواقعة إلى الشرق من إيران اليوم، نحو الغرب ليسيطر على تركة الدولة الكلدانية في حوالي منتصف القرن السادس قبل الميلاد. وقد كان قوروش بعيد النظر استغل تململ الشعوب من ظلم الكلدانيين فاعترف لهم بحرية المعتقد لا بل سمح لكل من كان اقتيد اسيرا إلى بابل أو ولد بالأسر بالعودة إلى بلاده. من هنا قبلت فينيقيا برحابة صدر سلطة الفرس وساهمت بتزويد ابنه قمبيز باسطول بحري سهّل له فتوحاته باتجاه مصر وسيطرته عليها حتى بلاد النوبة جنوبا. ولكنه عندما اراد التوجه نحو قرطاجة اعترض قائد الأسطول الفينيقي ما جعل العاهل الفارسي يلغي مشروعه هذا ويكتفى بسيطرته على مصر وأطراف من شرق ليبيا اليوم. ومن هنا كان الفينيقيون حلفاء جديين للأمبراطورية الجديدة وشعروا بأنهم يشكلون جزءً من السلطة فيها. ولكن الفرس بعد قمبيز وخاصة في ظل حكم داريوس الكبير، بدأوا بتنظيم البلاد التي سيطروا عليها فعينوا في كل مملكة نائب ملك فارسي يشرف على شؤون البلاد ويجمع الضرائب وينظم سلامة وأمن الطرق الرئيسية بين الممالك ويتصل مباشرة بالشاه أو الامبراطور.

وبعد أكثر من قرن ونصف على حكمهم البلاد وفي زمن ارحشستا الثالث، الذي وصل إلى الحكم بعد مقتل شقيقيه الأكبر منه وتعدد المكائد في العائلة المالكة وقيام الفرعون المصري بمحاولة فاشلة للتخلص من النير الفارسي، وبعدما جرت عدة محاولات من قبل نواب الملك، خاصة في مناطق اسيا الصغرى، للتمرد على السلطة المركزية ما جعله يأمر بحل كل الجيوش المرتزقة التابعة لنواب الملك لضبط سيطرته على انحاء المملكة الشاسعة، قام نائب الملك في مدينة صيدا، والذي شعر بنوع من القوة على ما يبدو، بالتمرد على سلطة الملك. فجهز ارتحشستا الثالث حملة كبيرة للقضاء على هذا التمرد قوامها ثلاثمئة ألف جندي بالاضافة إلى عشرة آلاف من المرتزقة اليونانيين وقرر مهاجمة المدينة.

وعندما وصل إلى قربها شعر السكان بخطورة الوضع فحاولوا التوصل إلى تسوية معه وأرسلوا وفدا من وجهائها لتقديم الخضوع للملك وتجنب الحرب عليها، سيما وأن المشكل يتعلق بعصيان نائب الملك الفارسي وليس بالمدينة وأهاليها. إلا أن ارتحشستا لم يقبل بأي حل لا بل قام بقتل كل أعضاء الوفد كإشارة منه بأنه سيدخل المدينة عنوة ما يعني استباحتها. عندها قرر أهالي صيدا عدم تركه يتمتع بالانتصار ويرضي جيشه بالنهب والسبي. وهكذا أغلقوا مدينتهم وقاموا باحراق كل ما فيها والقتال حتى الشهادة. فلم ينل الملك من انتصاره عليها الكثير لا بل بقيت وصمة عار في تاريخه ووسام شرف للمدينة التي لم تقبل الذل وفضلت الاستشهاد. ويقول المؤرخون اليونانيون بأن اربعون الفا من السكان لاقوا مصرعهم في صيدا في تلك الواقعة. ولكن المدينة عادت وبعد أقل من عشرين سنة وفي زمن خليفته داريوس الثالث لتكون مركز الأسطول الفارسي. وقد خسر هذا الملك أمام الاسكندر الكبير في معركة أيسوس حيث فتحت بعدها المدن الفينيقية ابوابها للملك المقدوني. وربما كان للعنف والظلم الذي تعرضت له صيدا بمواجهة ارتحشستا الثالث أثر في نفوس الفينيقيين أقوى من آثار المنافسة مع اليونانيين ما جعلهم يقبلون بهؤلاء للتخلص من النير الفارسي.

ولكن الأسكندر تلميذ أرسطو الفيلسوف والذي كان يؤمن بأنه من سلالة الآلهة اصر على تقديم القرابين في هيكل ملقارت في مدينة صور المعروف يومها بقداسته وخزائنه الغنية بالثروات والأسرار التي يحتويها، وكانت تغطي كل شؤون المدينة الحضارية المهمة إن من ناحية الصناعات أو الطرق البحرية والاكتشافات أو ما يتعلق بأصول الديانة ومعتقداتها وممارساتها والتاريخ الطويل المدون للخبرات البشرية، وقد يكون للتنافس التجاري بين المدن الفينيقية واليونانية أثر نفسي لدفع الاسكندر على دخول صور، وربما ايضا رغبته باعطاء جنوده مجالا لنهب المدينة المعروفة بغناها الأسطوري يومها وعدم خضوعها للاحتلال خلال تاريخها الطويل. فقرر دخولها عنوة وقام بحصارها مدة سبعة أشهر ولم يقدر على احتلالها إلا بعد أن هدم المدينة البرية وردم بحجارتها البحر مسافة ثمانمئة متر للوصول إلى اسوارها ودخولها بعد معارك كتب عنها المؤرخون اليونانيون الكثير حيث استبسل أهاليها بالدفاع عن مدينتهم واستنباط كافة الطرق لمنع العدو من احتلالها وتكبيده خسائر كبيرة. ولذا فقد قتل فيها حوالي ثلاثين الفا وسبي الآلاف وهرب الكثيرون بحرا نحو المستعمرات. وبعد هدم صور قرر الاسكندر بناء مدينة جديدة على الساحل إلى الجنوب منها باسم اسكندرون لا تزال آثارها باقية حتى اليوم.
وهكذا وبعد حوالي الف سنة من الازدهار تتعرض صيدا ومن ثم صور للتدمير الكلي والابادة الجماعية خلال أقل من نصف قرن على ايدي القوتين المتصارعتين الفرس واليونان ما يمحي تاريخ طويل من الخبرات ويعرض ثروة فينيقيا الثقافية بكاملها للاندثار.