محمد علي مقلد/الشيعيّة السياسية وليس الشيعة الاستبداد السياسيّ وليس الاحتلال

77

الشيعيّة السياسية وليس الشيعة الاستبداد السياسيّ وليس الاحتلال
محمد علي مقلد/نداء الوطن/16 تشرين الأول/2021

إشتباكات الطيونة ليست من صنع الشيعة، بل من صنع الشيعية السياسية. والفارق ليس شكلياً ولا لفظياً. إنه الفارق بين التعبير بلغة طائفية أو مذهبية والتعبير بلغة السياسة. الذين تظاهروا البارحة، نخباً بحسب الوزير أو مدججين بالسلاح هم من الشيعة لكنهم لم يتظاهروا لكونهم شيعة ولا بدافع انتمائهم الديني. ولم يتكرر اسم الحسين في حناجر مسلحيهم الملتحين تكريماً لذكراه ولشهادته في وجه ظالميه بل بغاية تعبوية وعلى سبيل التحدي وشحذ الهمم.
الشيعي الذي دخل إلى عين الرمانة غازياً لا يعرف أن السيارة التي حطم زجاجها قد تعود لشيعي آخر هارب من غيتو الشيعية السياسية، وأن عدداً كبيراً من الشيعة تخلوا بكامل حريتهم عن السكن بين أبناء ملتهم والتحقوا بمن أرغموا على هجر منازلهم أو إخلائها أو بيعها في لحظات متفرقة من الحرب الأهلية.
من يستخدم تعبير الشيعة أو الثنائي الشيعي أو الغيتو الشيعي وكل مشتقاته اللغوية يدعم، بقصد أو بغير قصد، خطة تحويل الصراع من سياسي إلى طائفي ونقله من النطاق الوطني إلى حروب بين المناطق والأحياء والزواريب.

أزمة الوطن هي أزمة القوى السياسية في الحكم وفي المعارضة التي أدارت شؤونه وبددت بذور الديموقراطية التي نشأ عليها وحولته إلى نظام استبدادي، فعطلت الدستور وانتهكت القوانين ودمرت المؤسسات واستباحت القيم وألغت الفصل بين السلطات، وما غزوة الشيعية السياسية على عين الرمانة وفرن الشباك إلا فصل من فصول الحملة الممنهجة على السلطة القضائية لإلغائها وتحويلها، كما في أنظمة الحزب الواحد، الدينية أو القومية أو اليسارية، من سلطة مستقلة إلى فرع من أجهزة المخابرات.

بعض وسائل الإعلام والقوى المعارضة تخدم مشروع الشيعية السياسية حين تشخّص الأزمة فتراها أزمة احتلال فحسب. ما من عاقل أو مجنون ينكر دور العوامل الخارجية في أزمة لبنان. لكن التجربة قدمت الدليل على أن القوى الخارجية لم تتدخل إلا بطلب من قوى داخلية. هذه كانت حالة التدخل الاسرائيلي والسوري والإيراني، وهي حالة كل أشكال التدخل الأخرى العربية والدولية.

القول بالاحتلال يستدعي القول بالتحرير أي بالمقاومة، أي بتشريع السلاح من خارج الدولة. هنا يتساوى الجميع في تقويض بنية الدولة الدستورية، إذ لا فضل لمقاوم على مقاوم إلا بقدرته على استيراد الأسلحة التي تستخدم في البداية ذريعة للتحرير، ثم تتحول بعد ذلك أداة للحروب الأهلية. هذا لا يقال فحسب عن سلاح “حزب الله” بل عن كل سلاح آخر، بما في ذلك سلاح الأحزاب اليسارية التي قاومت الاحتلال الإسرائيلي أو سلاح “حزب الكتائب” و”القوات اللبنانية” في مواجهة الفلسطينيين.

في غياب العامل الداخلي يغدو الاحتلال عارياً. إسرائيل لم تجد سنداً لها بعد انسحابها إلا شبكات معزولة من العملاء الأفراد. أما النظام السوري فينام ملء جفونه مطمئناً، بعد انسحاب جيشه، إلى من يقوم مقامه في كل شاردة وواردة، بدءاً بالمعابر غير الشرعية التي حملت في ظل وجوده اسم الطريق العسكري، وعليها مر ميشال سماحة وبعده حاملو العبوات الناسفة، وصولاً إلى معبر النيترات عبر المرفأ، وبينهما عمل دؤوب تقوم به المنظومة الحاكمة لتدمير الدولة ومؤسساتها.

أفضل عبارتين تستقوي الشيعية السياسية بهما أمام جمهورها لحشده وتعبئته وحقنه طائفياً هما “الاحتلال الإيراني” وتعريف الثنائي بأنه ثنائي “شيعي”. وأفضل السبل لتنفيس هذا الحقن مواجهة الأزمة ضمن إطار وطني جامع يشمل كل المناطق والطوائف، ويضم كل قوى الاعتراض الراغبة بإحداث تغييرات جذرية في النظام تحت سقف الدستور وبعيداً عن العنف. ولا بد أن يكون المتظاهرون، نخبة أو رَعاعاً، قد تعلموا من تجربة البارحة أن الالتزام بأحكام القانون واحترام القضاء واستقلاليته أقل كلفة من التضحية بالأنفس والأموال والأمان.