سامر فرنجية: ضجر نصرالله الدموي/فارس خشّان: اللبنانيون ضحايا خطأ منهجي خطر في طريقة التعاطي مع حزب الله

73

ضجر نصرالله الدموي
سامر فرنجية/ميغافون/15 تشرين الأول/2021

اللبنانيون ضحايا خطأ منهجي خطر في طريقة التعاطي مع “حزب الله”
فارس خشّان/الحرة/15 تشرين الأول/201
أخبرتني إعلامية لبنانية معروفة بحياديتها وموضوعيتها، كانت تتابع ما سمي باشتباكات الطيونة، أمس أنّ متظاهري “حزب الله” و”حركة أمل” الذين تحوّلوا، بسرعة، إلى مسلّحين، راحوا، بين جولة إطلاق نار وأخرى، يقولون لها ولمن هم بالقرب منها، وابتسامات الرضى ترتسم على شفاههم: “لقد احترق (المحقق العدلي في ملف انفجار مرفأ بيروت) طارق البيطار. وليرِنا مَنْ يرفضون تطييره كيف يُمكنهم الإبقاء عليه”. لم تكن الدماء المراقة، ولا العائلات المرتعبة، ولا التلامذة المختبئون في أروقة مدارسهم، ولا البلاد المنقادة الى مواجهات تعيد شبح الحرب الأهلية الى الواجهة والذاكرة، تعنيهم. وحده “تدحرج” رأس المحقق الذي طالب به الأمين العام لـ “حزب الله” حسن نصرالله كان يسكن هواجسهم. رسالة هؤلاء حتى قبل أن ينجحوا في استقطاب اشتباك مسلّح مع أبناء المنطقة التي دخلوا إليها بصراخ مذهبي وبشعارات طائفية وبسلوك ترهيبي، كانت واضحة لا لبس فيها: نريد رأس البيطار سواء على طبق مجلس الوزراء أو في نيران الشارع. المصيبة الوطنية، في هذه الحالة مزدوجة، فـ”حزب الله” وتابعته “حركة أمل” ليسا قوتين معارضتين، كما هي عليه حال حزب “القوات اللبنانية” المشتبه به في التصدّي لفئة تخريبية من المتظاهرين، بل هما قوتان أساسيتان ليس في تشكيلة الحكومة فحسب بل في صناعتها، أيضاً.
وذهاب “الثنائي الشيعي” إلى الشارع من أجل الضغط على الحكومة التي هما ركنان أساسيان فيها يعني أنّهما كشفا ما كان قد بقي مستتراً من وجهيهما الحقيقيين: نحن مع هذا النظام عندما يخضع لأوامرنا. ونحن أعداؤه إذا ما تردّد في تنفيذ ما نطلبه. وهذه الحقيقة المرّة التي تعرفها غالبية اللبنانيين وتتجاهلها غالبية السياسيين، هي “أمّ الكوارث” التي يعاني منها لبنان ويتكبّد اللبنانيون أثمانها الغالية. إنّ فكرة بناء دولة بالاشتراك مع “حزب الله” هي وهم كبير سبق أن شرحه بالتفاصيل الدقيقة أوّل رئيس إيراني، بعد “الثورة الخمينية” أبو الحسن بني صدر، في كتابه: “مؤامرة الملالي”. إنّ “حزب الله” بطبيعته التكوينية لا يقبل شركاء بل يريد تابعين. يمكن أن يتقبّل بعض المختلفين عنه، لفترة زمنية “طارئة” لكنّه سرعان ما ينقلب عليهم ويحوّلهم الى منفيين أو معتقلين أو قتلى. لا يمكنه أن يتحمّل “كسر كلمته”، فهو عندما ينطق يأمر، وهو عندما يأمر يزعم أنّه يُنفّذ إرادة سامية. ولأنّه كذلك فهو محكوم بتنمية قدراته العنفية. يعرف أنّ المجتمع يستحيل أن يتقبّل رؤاه، ولذلك، فإنّه يعمل بلا هوادة على إخضاعه، بالقوة.
ما شهدته بيروت، يوم أمس هو أبعد من اشتباك. إنّه “انقلاب” كامل على “الشركاء”، من أجل تطويعهم أو نبذهم. إنّ الحكومة التي يريد “حزب الله” تطويعها تحت طائلة إسقاطها هي، في واقع الحال، أكثر الحكومات “طواعية”: تشكّلت بتدخّل منه. أخذ الحقائب التي وقعت خططه عليها. جاء بشخصيات ترتجف عند سماع اسمه، ولاء أو رهبة. حرص على كيل المديح لها حتى تلك اللحظة التي وجدت فيها أنّ قرار الإطاحة بالمحقق العدلي طارق البيطار الذي لا يحبّه أيّ من أطرافها أكبر من قدرتها على التحمّل، نظراً لتداعيات خطوة مماثلة داخلياً ودولياً.
وهذه ليست المرّة الأولى التي يلجأ فيها “حزب الله” إلى نهجه الإنقلابي هذا. إنّه يحكم لبنان، بفضله. بحجة رفضه قرارين صدرا عن مجلس الوزراء، نظّم ما سمي بـ”غزوة” السابع من مايو 2008. وبحجة رفضه إنشاء محكمة دولية في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، شلّ البلاد لأشهر طويلة، ممّا أدى الى أزمة اقتصادية كبرى. وبحجة رفضه قرارات المحكمة الدولية، وجّه تهديدات صريحة وعنيفة وخطرة للقوى العكسرية والأجهزة الأمنية إن هي حاولت تنفيذ هذه القرارات. وبحجة إصراره على تنصيب “حليفه” ميشال عون رئيساً للجمهورية، رعى أطول عملية فراغ عرفها تاريخ الجمهورية اللبنانية.
وفي ردّ على “ثورة 17 أكتوبر” 2019 هدّد بالحرب الأهلية، و”فلّت” بعض “قبضاياته” على “الثوّار” من أجل أن يقدّم لهم نموذجاً بسيطاً عن مقاصده.
وهو، كلّما تمرّد، طرف سياسي على إرادته ما توانى عن تذكيره بقوّته التي تعني “غزوات” مشهودة واغتيالات مؤكّدة. وحالياً، إنّ تفلّت المحقق العدلي في ملف انفجار مرفأ بيروت طارق البيطار من سطوته وذهابه بإجراءاته الى مستويات لا تناسبه، أعادا “حزب الله” الى طبيعته، على قاعدة: “يستطيع الذئب أن يغيّر جلده ولكن ليس طبعه”. وهذا يعني أنّ الطبقة السياسية اللبنانية، طمعاً هنا ورهبة هناك، بغطاء بعض الإقليم وبعض الدول الكبرى، ترتكب خطأ منهجياً ضد نفسها، ولكنّ الأهم ضد لبنان واللبنانيين. إنّ كلّ عملية تشاركية مع “حزب الله”، تحت عنوان، إنقاذ لبنان، هي خدعة لها تداعيات كارثية على البلاد، ذلك أنّ هذا الحزب معني بالمحافظة على مكوّنات قوته وسطوته، وليس معنياً، بأيّ شكل من الأشكال، بالدولة والشعب. وليس من قبيل الصدفة أنّ “حزب الله”، وأمام كلّ تحدّ ذي طبيعة قضائية، يأخذ الإشتباك الشارعي والسياسي والطائفي حتى مداه الأقصى.
ليس في ذلك أيّ صدفة، لأنّ هناك تناقضاَ كبيراً جداً بين “منطق العنف” و”منطق القانون”، فإذا ساد “منطق القانون” ضعف، تلقائياً “منطق العنف”، وإذا ضعف “منطق العنف” خسر “حزب الله” الأداة التي بواسطتها يتحكّم بالبلاد والعباد. وموهوم هو كلّ من يمكن أن يتخيّل أنّ دولة، بالتكوين اللبناني، يمكن إنقاذها ممّا تعاني منه، إذا بقي “منطق العنف” هو السائد، ذلك أنّ هذا “المنطق” يولّد نفسه عند أطراف أخرى، الأمر الذي لم يكتشفه اللبنانيون في الطيّونة أمس فحسب، بل سبق أن اطّلعوا على بعض ملامحه، أيضاً في خلدة، بانتفاضة “العرب ” ضد “حزب الله”، وفي “شويّا” بانتفاضة الأهالي ضدّ استعمال بلدتهم لتمويه إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، وفي غريفة ضد مازوت “حزب الله” الإيراني. في الواقع، إنّ اللبنانيين هم ضحايا خطأ منهجي محلي ودولي، فحزب الله” ليس حزباً طبيعياً يمكن شبك الأيادي معه لإنقاذ لبنان، بل هو تنظيم مسلّح لا يمكن أن يؤمّن استمراريته إلّا على ركام الدولة وأشلاء الشعب وإنهاء…الشركاء.

ضجر نصرالله الدموي
سامر فرنجية/ميغافون/15 تشرين الأول/2021
مشكلة نصرالله أنّه بات مُضجرًا. لكنّ المشكلة الفعلية، أنّه ما زال فعّالًا. أما مشكلتنا، فهي أنّ فعاليته حتمًا دموية.
تحقيق مقابل تحقيق
رغم سقوط قتلى وجرحى، نجحت تظاهرة حزب الله وحركة أمل وتيار المردة، في هدفها، وهو تحويل قضية المرفأ إلى نقطة توتّر أهلي، تدخل في لعبة المقايضات الطائفية. رغم سقوط قتلى وجرحى، أو بالأحرى بسبب سقوط قتلى وجرحى…فقد كان المطلوب من تظاهرة البارحة أن تُوتِّر الأجواء، كما جاء على لسان المتّهمين وماكيناتهم الإعلامية منذ أكثر من أسبوع، لتُحشَر قضية التحقيق في زواريب سياسة «الشارع مقابل الشارع» قبل دفنها. بات التحقيق بجريمة المرفأ لـ«المسيحيين» حصرًا، كما ردّد المشنوق منذ أشهر، وصار لـ«الشيعة» جريمتهم، وربّما تحقيقهم، لكي تبدأ لعبة المقايضة بينهما. نجح نصرالله مجدّدًا في لعبته المفضّلة، أي التطييف الدموي للقضايا كوسيلة لضبطها، كما فعل مع معظم القضايا التي واجهته في السنوات الأخيرة، من اغتيال رفيق الحريري إلى موضوع السلاح، وصولًا إلى طائفة وزير المالية، مضيفاً إليها اليوم التحقيق بأكبر انفجار في تاريخ لبنان. سلامة «باتك فيليب علي حسن خليل» باتت مطلبًا طائفيًا لا مساومة عليه، كما أكدّ تجمّع العلماء المسلمين.
مظاهرة ضدّ الطائفة
«باتك فيليب علي حسن خليل» صورة كانت تعبّر عن فساد سياسي لبناني، تلطّى وراء شعار المحرومين لكي يجني، هو ومعلّمه، ثروات طائلة. صورة انتهت البارحة مع تطويبه بالدم كأحد قدّيسي المقاومة. لم تكن مظاهرة البارحة موجّهة ضدّ القاضي بيطار وتحقيقاته فحسب. كانت تمريناً بالدم هدفه ضبط الجمهور، بعد مرحلة من التصدّع والتململ بدأت مع ثورة تشرين وتعمّقت مع الأزمة. بات الحزب أمام مأزق الانضباط الداخلي، فاخترعت ماكينته الإعلامية معيارًا جديدًا للانتماء الأهلي، مجسَّدًا بكره «هذا القاضي». فقامت حفلة جنون حول شخصه، هدفها ليس إقناع الناس بصوابيتها، بقدر ما هي ترسيم لحدود الجماعات، ترسيم أخذ البارحة لون الدم. نحن الجماعة التي تكره بيطار، وأنتم المجرمون، كنت تعلمون… كما مع ثورة تشرين أو الاعتراض على الأزمة الاقتصادية، بات المطلوب من قيادة الثنائي الشيعي منع تسلّل أي قضية إلى داخل البيئة، منعاً لكسر الإجماع المفروض بالقوة. وبعد عمل دؤوب لصدّ أي ارتدادات للاحتجاجات الشعبية، تسكّر اليوم ملف انفجار المرفأ، ليعود الوضع إلى ما كانت إليه الأمور منذ سنتين: جماعة في وجه جماعات…
السياسة بالدم
أبعد من القاضي بيطار، كانت تظاهرة البارحة تذكيرًا من نصرالله لباقي الطبقة السياسية بأنّه ما زال يمتلك سلاحه الأساسي، سلاح الحرب الأهلية، وهو مستعدّ لاستعماله، مهما كلّفت الأمور. سلاح الداخل ليس سلاح الصواريخ والدبابات. هو سلاح الحرب الأهلية، الذي لم يتعب حزب الله من إشهاره منذ صعوده السياسي. وهو سلاح لا يمكن تسليمه للجيش أو مواجهته بالشارع. فمنذ أكثر من أسبوع وحزب الله يهدّد بالعنف الأهلي، تهديد موجّه أولًا إلى الطبقة السياسية التي ربّما أخذت بعضًا من الحريّة بالتعاطي مع سطوة حزب الله عليها. فرغم المطالبة المتكرّرة لنصرالله ووفيق صفا ووزرائهم ونوّابهم وإعلاميّيهم بالإطاحة بـ«هذا القاضي»، لم تلبِّ الطبقة السياسة الأوامر بالسرعة المطلوبة، خوفًا من ردّة فعل الشارع أو من ضغوط خارجية. فجاء إنذار البارحة ليذكّر أولئك «الكومبارس» بأنّ قواعد اللعبة لم تتغيّر، وأنّ وراء إصبع نصرالله، هناك منخار وفيق صفا، ووراءه، هناك قمصان سود، ووراءهم، هناك «أر بي جي»، ووراءهم هناك… إسألوا لقمان سليم.
حلّ التوازنات بالعنف
لم يطلق نصرالله الرصاصة الأولى البارحة. لكنّه مهّد لهذا النهار الدموي بكل ما لديه من أدوات. لكن هناك من أطلق هذه الرصاصات، يتحّمل مسؤولية الدم أيضًا. هنا نعود إلى حادثة عين الرمانة الأصلية، وسؤالها الأزلي: من بدأ؟ سؤال أزلي ربّما، لكنّه سخيف، ولا يصلح لأكثر من سجال بين صبيان حول من يتحمّل مسؤولية الشرارة الأولى في حرب كان لها آلاف الشرارات. هناك من أطلق هذه الرصاصات، لأنّه سيكون هناك دائمًا طرف في وجه مشروع حزب الله للسطوة على البلاد، ما يجعل هذا المشروع مدخلًا حتميًا لعنف سياسي. هذا الطرف اليوم، هو سمير جعجع، الذي ورث البارحة موقف الاعتراض على حزب الله، مدشّنًا مرحلة تجاذب مسيحي-شيعي، سيكون لها أثرها العميق على السياسة اللبنانية. هناك من أطلق هذه الرصاصات، لأنّه سيكون هناك دائمًا جماعات في وجه مشروع حزب الله للغلبة الطائفية، ما يجعل هذا المشروع مدخلًا حتميًا لعنف أهلي. فيمكن أن يكون هناك قنّاص أو طابور خامس أو مؤامرة أمنية، لكنّ الأكيد هو أنّ التوترات الأهلية لا تحتاج إلى تلك شرارات لكي تنفجر. هناك من أطلق هذه الرصاصات، لأنّ العنف دخل السياسة اللبنانية ولم يخرج منها، بل تمّ الاحتفاء به. هناك من أطلق هذه الرصاصات، وهناك من سيردّ غدًا. فمنذ سنتين، ومحور الممانعة يبحث عن مؤامرته التي لا يستطيع الحكم من دونها، ووجدها البارحة. فانطلقت سريعاً حملة شيطنة حزب القوات اللبنانية. التكرار مضجر. ولكن كما بدأ هذا المقال، هذه إحدى مشاكل نصرالله أنّه بات مضجراً.
مرآة نصرالله والخروج منها
لكنّ نصرالله لا يمتلك احتكار الضجر الدموي. فجعجع بات ينافسه على هذه الصفة، في مشروعه العبثي للاستلاء على موقع المعارض للحزب، مشروع قائم على إغراء العنف المضادّ. ففي عسكرته وامتداداته الخليجية وحلمه المتكرّر بتوحيد البندقية، أصبح جعجع الخصم الأول لحزب الله، ولكنّه أصبح أيضًا صورته المعكوسة. في وجه العنف، عنف مضاد، في وجه إيران، السعودية، في وجه القائد، قائدٌ آخرٌ… والنتيجة قتلى وجرحى يسطرون خطوط النار الجديدة. لا بديل من مواجهة حزب الله، ولكن لا بديل أيضاً من مواجهة «مشكلة حزب الله»، أي مواجهة السياسة على شفير الحرب الأهلية. امتنعت القوى السياسية، سواء كانت تقليدية أم ثورية، عن مواجهة حزب الله بإسم السلم الأهلي. وفشلت. فقرّرت القوات اللبنانية كسر هذا الابتزاز. وستفشل. لكنّ الفشلَيْن لن ينفيا ضرورة هذه المواجهة المزدوجة، مواجهة تتطلّب الاعتراف بأنّ هذا المجتمع على طريق الانفراط، لا يحتمل لا مقاومة ولا مقاومتها.