نديم قطيش: للبنان يشبهُ عبد اللهيان/أقلّ ما يمكن للّبنانيين فعله، هو العزوف عن “شرعنة” الاحتلال وتلطيف ملامحه، والكفّ عن الادّعاء أنّهم يخوضون معركة سيادية استقلالية من داخل مؤسسات وآليّات النظام السياسين

55

للبنان يشبهُ عبد اللهيان
أقلّ ما يمكن للّبنانيين فعله، هو العزوف عن “شرعنة” الاحتلال وتلطيف ملامحه، والكفّ عن الادّعاء أنّهم يخوضون معركة سيادية استقلالية من داخل مؤسسات وآليّات النظام السياسي

نديم قطيش/أساس ميديا/الإثنين 11 تشرين الأول 2021

أفضل ما حدث للبنان أخيراً هي الزيارة الصادقة والواضحة لوزير خارجية إيران حسين أمير عبد اللهيان. جاء ليؤكِّد المؤكَّد، وهو أنّ لبنان ليس سوى جمهورية الوليّ الفقيه، من دون توريات ومن دون مجاملات. في مقرّ رئاسة الوزراء في السراي الحكومي، نصح الزائر الإيراني، المتحدّر من الحرس الثوري، مضيفه الرئيس نجيب ميقاتي أن يحذو لبنان حذو أفغانستان والعراق في ما خصّ العمل كقناة خلفيّة لفكّ الحصار الاقتصادي عن إيران. ومؤدّى النصيحة أن يطلب لبنان استثناءات محدّدة تسمح لإيران بتزويده بالمحروقات وبناء معامل الكهرباء في مقابل رفد الخزينة الإيرانية بأموال هي بأمسّ الحاجة إليها.

أقلّ ما يمكن للّبنانيين فعله، هو العزوف عن “شرعنة” الاحتلال وتلطيف ملامحه، والكفّ عن الادّعاء أنّهم يخوضون معركة سيادية استقلالية من داخل مؤسسات وآليّات النظام السياسي

ولو صدق عبد اللهيان في أنّ إيران عازمة على مساعدة لبنان، حتى من دون مقابل، فهذا ثمن بخس تدفعه إيران لحماية استثمارها الأبرز خارج إيران، وصفقة مربحة لنظام خامنئي. شراء لبنان بمعمليْ كهرباء وبضع ناقلات محروقات، ثمن أقل بكثير الكثير من دعم البنك المركزي للتهريب المنظم.

في أحسن الأحوال، يشنّ عبد اللهيان، عبر الوعود بالمحروقات ومعامل الكهرباء، هجوماً ديبلوماسياً وحملة علاقات عامّة تلاقي الدعاية السياسية لميليشيا حزب الله التي تقول إنّ الأزمة اللبنانية هي وليدة حصار دولي على “لبنان المقاومة”، وليست نتاج الفشل السياسي والإداري والاقتصادي “للبنان المقاومة”.

طبعاً لم يكلّف عبد اللهيان نفسه عناء تبرير أو شرح أو تلطيف تصريحات علي غلام رشيد، قائد ما يُعرَف بـ”مقرّ خاتم الأنبياء”، الذي استبق الزيارة بالقول إنّ قاسم سليماني قائد فيلق القدس السابق أعلن قبيل مقتله بـ3 أشهر أنّه قام بتنظيم 6 جيوش خارج الأراضي الإيرانية، تشمل ميليشيا حزب الله، وذلك بدعم من قيادة الحرس الثوري الإيراني وهيئة الأركان العامّة للجيش، وأنّ هذه الجيوش ستدافع عن إيران. سبق لحسن نصرالله أن أكّد ذلك بقوله إنّ إيران لن تقاتل وحدها.

في كلّ الأحوال، فإنّ الصراحة الإيرانية، في استتباع لبنان، يجب أن تكون موضع تقدير، لأنّها لا تكذب على اللبنانيين، ولأنّها تسدّ الذرائع أمام أكاذيب أركان السلطة السياسية في التعاطي مع إيران ومندوبيها السامين، ومع ذراعها العسكري والأمني المحتلّ في لبنان. وأمّا النواح على الهيمنة الإيرانية، في المقلب الآخر، وزجليّات أنّ لبنان لن يكون ولن يقبل ولن ينحني ولن ولن ولن.. فهي ممّا يمكن تفاديه في الوقت الحاضر، احتراماً للنفس أوّلاً، وإفساحاً في المجال للتفكير بما هو كائن وبما يجب أن يكون، وبآليّات إدارة واقع الاحتلال الإيراني للبنان وما بعده.

وقد تعمّد عبد اللهيان أن يشير، وهو في بيروت، إلى الحوار الإيراني السعودي وتقدّمه، كي يبعث برسالة واضحة، مفادها أنّ ثمّة منطقة جديدة بعلاقات جديدة وبتوازنات قوّة جديدة، يجب على الرؤوس الحامية في لبنان الانتباه لها. وهو وإن كان شديد المبالغة في هذه الناحية، وشديد الاستعجال في استخلاص نتائج إقليمية ثابتة ونهائية للحوار بين الرياض وطهران، إلا أنّه يلعب في مساحة مؤاتية سياسياً وإعلامياً ومعنوياً، تتزامن مع موجة عربية للتطبيع مع نظام الأسد يقودها الملك الأردني عبدالله الثاني بتفاهم ضمنيّ مع واشنطن، ومواكبة مصرية خليجية علنيّة.

لا تترك هذه البيئة الإقليمية والدولية المحيطة بالأزمة اللبنانية الكثير من عناصر التفاؤل للّبنانيين، لكنّها في الوقت نفسه توفّر لهم فرصة العصيان على هذا المناخ عبر تسريع تسليم البلد لحزب الله بالكامل وبوجوه سافرة، من دون توريات ومن دون أقنعة تسمح بتغطية النفاق السياسي الذي تكتنفه شروط الواقعية السياسية.

إنّ المهمّة الوطنية الأولى للّبنانيين الآن هي العزوف عن تغطية احتلال إيران للبنان عبر المشاركة في “حكومات فيشي” أو الانخراط في أيّ حوار وطني أو غير وطني، اقتصادياً كان أم سياسياً، والانصراف بدل ذلك إلى تشكيل حركة استقلال وتحرّر وطني، عنوانها إسقاط “نظام حزب الله”، وعلى قاعدة القطيعة الشاملة معه.

إنّ انتزاع استقلال لبنان هو مهمّة لبنانية أوّلاً وثانياً وأخيراً.. والتقاعس عن هذه المهمّة هو ما يمهّد للتطبيع العربي والإقليمي والدولي مع نظام حزب الله في بيروت لا العكس… أمّا الاتّكال على معارك يخوضها أصدقاء لبنان عنهم فوهمٌ تامٌّ لا تسمح به الظروف ولا المصالح الراهنة.

أقلّ ما يمكن للّبنانيين فعله، هو العزوف عن “شرعنة” الاحتلال وتلطيف ملامحه، والكفّ عن الادّعاء أنّهم يخوضون معركة سيادية استقلالية من داخل مؤسسات وآليّات النظام السياسي. فهذا المسار هو مسار عمالة لا أكثر ولا أقلّ، والمضيّ فيه هو بمنزلة العدوان العلنيّ على سيادة لبنان وموقعه، وعلى ما بقي من علاقات لبنان العربية، وتبديدٌ مقرَّرٌ سلفاً لآخر عناصر المناعة في الجسم اللبناني.

انتهى الأمر بانهيار كلّ شيء وبعون رئيساً. سيحدث الأمر نفسه مع ميليشيا حزب الله، وذلك نتيجة عدم مواجهتها بمشروع سياسي شعبي وطني جذريّ. سننتهي بتحقيق كلّ المخاطر التي يتمّ التحذير منها الآن، وبالميليشيا ممسكةً بالدولة، بالتقسيط “المريع”!

ليتسلّم حسن نصرالله لبنان من دون معونات وأدوات تجميل سياسية، وليتحمّل وحده مسؤوليّة الانهيار الذي وصلت إليه جمهورية ولاية الفقيه. ليأتِ باسم الدولة اللبنانية بالمحروقات والكهرباء الإيرانية عبر مرفأ ومطار بيروت. وليسدِّد ثمنها من حسابات مصرف لبنان مباشرة. وليعلن انضمام لبنان الحقيقي والفعلي إلى محور الممانعة والمقاومة، وليتحمّل تبعات ذلك بالكامل.

أمّا بقيّة اللبنانيين فسيدفعون أثماناً أكبر ممّا يدفعون الآن أو ممّا سيدفعونه في المستقبل القريب، بصرف النظر عن مجاملة حزب الله أو مواجهته.

ألم يكن انتخاب ميشال عون هو لتفادي الأسوأ وانهيار الليرة والاقتصاد؟

انتهى الأمر بانهيار كلّ شيء وبعون رئيساً. سيحدث الأمر نفسه مع ميليشيا حزب الله، وذلك نتيجة عدم مواجهتها بمشروع سياسي شعبي وطني جذريّ. سننتهي بتحقيق كلّ المخاطر التي يتمّ التحذير منها الآن، وبالميليشيا ممسكةً بالدولة، بالتقسيط “المريع”!