د. حارث سليمان/لا تعاقبوا الرهينة بل خاطفيها…الممانعة أصلاً هي في الجوهر ممارسةُ نِفاقٍ خادعة، لأنها تقوم على ادعاء عداء ظاهر لأميركا واسرائيل، وتواطئ خفي معهما

41

لا تعاقبوا الرهينة بل خاطفيها…
الممانعة أصلاً هي في الجوهر ممارسةُ نِفاقٍ خادعة، لأنها تقوم على ادعاء عداء ظاهر لأميركا واسرائيل، وتواطئ خفي معهما
د. حارث سليمان/جنوبية/18 ايلول 2021

في كُلِ مرة، يتلقى السيد حسن نصرالله، توجيهاً أو تعليماتٍ محددة، من ايران لأمر ما، يَتعلَّقُ بتنفيذ خطوة مندرجة بأجندتها الاقليمية، ويستجيبُ لمصلحتها الاستراتيجية، أو يرسلُ له، الرئيسُ السوري بشار الاسد، طلباً لمساعدته في تثبيت سلطته ومواجهة أزمة علاقته بشعب سورية، يَقومُ السيدُ نصرالله بعرض الأمر معكوسا، فبدل أن يكون طلبا طُلِبَ مِنْه تنفيذَه، يَجعلَه طلبا طَلَبَهُ هُوَ، من الإيراني أو السوري، وقام الايراني او الأسد بتلبيته.

في قلب جهات الطلب، وتبديل الطالب بالمطلوب منه، والتعمية بين ماهيتي الأصل والفرع، تتحقق للسيد منفعةٌ لا لُبْسَ فيها، فهو أولا، ورغم عدم إخفائه تبعيته للولي الفقيه، لكنه يريد أن يصوّر أنَّ كلفة هذه التبعية عمليا لا شيء، بل قد تكون ربحا صافيا، وبَدَلَ أن تَظهَرَ الحقيقةُ عارية، من أنَّ ايران تأمره فيطيع… وهذا جزء من تكليفه الشرعي!! حسب عقيدته المٌعْلَنَة، بَدَلَ هذه الحقيقة البديهية، فإنَّهُ يرسم وهما بصريا، و مشهدية محبوكة، تَعرِضُ صورة يظهر فيها، انه يشير على ايران بخيارات لتبنيها، فتتبع مشورته وخياراته…

ثانيا_ بدل ان يُنَفِّذ مطالبَ الأسد ويرضخَ لها، يُصَوِّرُ الأمر، انه ينصحه فيقبل النصيحة، فلا يظهر أنه يُسخِّر حزبه في خدمة الأسد، بل يُصَوِّرُ حزبَه شريكا يمون على حليفه ولا يُرَدُّ له طلب !! …

الخديعة جزء من الصراع، ونجاح نصرالله في المشهدية هذه، تعكس مهارة سياسية لا لبس فيها… وبسبب هذه المهارة فان قسما كبيرا من أشد أعداء حزب الله، يعتقدون أن نصرالله هو شريك في صناعة القرار في إيران نفسها، وليس في لبنان وسورية فقط، وقد بلغ الأمر بالبعض منهم الى الاعتقاد أو الترويج ان السيد نصرالله، كان إمّا صنوا للجنرال قاسم سليماني، في قيادة فيلق القدس التابع للحرس الثوري الايراني، واما شريكا له، وانه بعد اغتيال سليماني اصبح نصرالله قائد الفيلق غير المعلن…

عندما خاضت ايران في لبنان سنة ٢٠٠٦ حربا استباقية ضد اسرائيل، بهدف ردعها عن شن حرب على ايران نفسها، بسبب النزاع على الملف النووي، لجأ نصرالله الى تبني قضية تحرير سمير القنطار، الذي قضى لاحقا في سورية مقاتلا للدفاع عن الاسد.! مشهديةُ الحربِ قضيةٌ لبنانيةٌ لتحرير أسير لبناني، أمّا حقيقتُها وثمارّها فهي ردع اسرائيل عن شن حرب على ايران نفسها.

وعندما قررت ايران منع سقوط الاسد في مطلع سنة ٢٠١٢ أعلنَ نصرالله، انه يذهب للقتال في سورية، دفاعاً عن لبنانيين شيعة، يسكنون الحدود بين البلدين، ثم تطور الأمر الى هدف حماية مقر السيدة زينب، رافعا شعارا يستنفر فيه، ويتأهب لدرء خطر وجريمة لا وجود لها، ولا امكانية لحدوثها، ولا معنى للحديث عنها، “لن تسبى زينب مرتين”. فكيف تسبى هاشمية مضى على وفاتها اكثر من ١٣٠٠ عام؟ وكيف يساء الى رفاتها اذا كان مدفنها في القاهرة وليس في دمشق؟، فيما الحقيقة انه كان يحمي في دمشق أسرة الرئيس الاسد ونظامه وعائلته..

ويوم توسعت الحرب لتطال مدن مضايا والزيداني والقصير… رسم السيد طريقا للقدس متعرجة تمر بكل المدن السورية حتى وصلت الى حلب وما بعد حلب شمالا وبعيدا عن القدس…

تتعدد الأمثلةُ والمواقفُ، ويَطولُ سردُ القضايا التي تبناها حزب الله علنا، ليستعملها مطايا تبرر الأجندة الايرانية الممانعة، وتوّطنها كقضايا لبنانية محقة، أو قضايا عربية تطال وجدان العرب وشعوبهم، أو كمقدسات دينية ينبغي الالتزام بها، ومرضاة الله في سبيلها، فيما هي عملياتٌ توّسع نفوذ ايران، وتبسط هيمنتها الاقليمية، وتلبي نزعتها التوسعية.
والممانعة أصلاً هي في الجوهر ممارسةُ نِفاقٍ خادعة، لأنها تقوم على ادعاء عداء ظاهر لأميركا واسرائيل، وتواطئ خفي معهما؛ فمن “أفضال الممانعة” أنَّ أولاد علي لارجاني، وهو مدير مكتب السيد القائد علي خامنئي، يعيشون في كاليفورنيا طبعا، كما يعيش فيها أولاد حسن روحاني، رئيس جمهورية ايران الاسلامية المنتهية ولايته، منذ أشهر قليلة، فجموع المصلين في مساجد إيران، التي تهتف كل جمعة “الموت لاميركا”، فاتهم ان يزيدوا ” التي يعيش من خيراتها اولاد قادتنا ومسؤولينا.

اما الذين يعتقدون ان قضية ايران هي ذاتها قضية فلسطين؛ فهم بحاجة لان يفتحوا عيونهم ويشعلوا عقولهم، لكي يلاحظوا انه كلما قويت ايران وعظم نفوذها في المنطقة، كلما تراجعت القضية الفلسطينية وضعف حضورها، وساءت احوال شعبها في وطنه وفي دول اللجوء الفلسطيني المختلفة، فكيف تزداد قوة ايران مترافقة مع تزايد الكوارث الفلسطينية!!.
مناسبة هذا التمهيد هو معالجة قضية النفط الايراني الذي استقدمه حزب الله الى لبنان… وهو أمر يَتِمّ الاحتفال به، وكأن لبنان كان محاصرا، وقد نجح حزب الله في رفع الحصار عنه…! فهل هذا انتصار آخر حقا؟

نعم انه انتصار ايراني آخر، لكنه ليس انتصارا لبنانيا، ولا يحل أزمة لبنان وشعبه! إنّه انتصار ايراني في خطب ود الغرب لا قتاله ولا مواجهته!

واقع الامر ان لبنان تعرض لانهيار مالي، طال نظامه المصرفي، وأزمة نقدية تمثلت في انخفاض حاد بقيمة عملته الوطنية، وكارثة اقتصادية تسببت بتفكك قطاعاته المنتجة، وخلل بنيوي أظهر عجز دولته عن القيام بوظائفها، وتم تعطيل خدماته ومرافقه العامة، والانهيارات هذه بكل أصنافها، كانت مرتبطة بأداء المنظومة السياسية التي حكمته، والتي كان حزب الله، يديرها ويتحكم بقراراتها، ويضبط توازناتها، ويقوم وما يزال بحمايتها، فضلا عن انشائه سوقا أسودا موازيا، خنق الاقتصاد الشرعي واستنزف موارد الدولة وعوائدها الجمركية والضريبية…

على الرغم من كل ذلك، لم يكن لبنان محاصرا لا بشكل مباشر، أو غير مباشر، ولم يخضع لأي نوع من العقوبات الأميركية أو العربية أو الدولية…

أما الأطراف والدول التي تعرضت لعقوبات أميركية أو أوروبية فهي أولا سورية التي خضعت لعقوبات اوروبية بسبب سياساتها القمعية تجاه شعبها ولعقوبات “قانون قيصر الأميركي” بسبب جرائم القتل والتعذيب المنهجي التي أدَّت الى وفاة آلاف المعتقلين السجناء، وثانيا إيران نتيجة لخلافها مع دول الغرب واميركا حول الملف النووي الايراني، وقد أدَّتْ هذه العقوبات على ايران، الى تقليص او انعدام صادراتها النفطية، وإنخفاض خطوط تمويل الحكومة الايرانية التي تعتمد على موارد بيع النفط بنسبة تصل الى ٨٥% من ميزانياتها، وانطلاقا من شح الموارد المالية الايرانية شحت خطوط تمويل حزب الله وموارده، وتعرض هو أيضا لعقوبات مالية فرضتها على مسؤوليه وزارة الخزانة الاميركية.
يوم تألفت حكومة د. حسان دياب، كان في رأس جدول أعمال أصحابها ورعاتها

• مواجهة قانون قيصر وخرق عقوباته على نظام الأسد وإمداده عبر لبنان بكل إحتياجاته .

• حل أزمة تمويل حزب الله، في فترة الانتظار الحرجة لعودة ايران والغرب مع اميركا، الى الاتفاق النووي، هذه العودة التي ترفع العقوبات عن إيران وتعيد الحياة لشرايين امداداتها المالية، بما في ذلك موازنات حزب الله ومخصصاته.
على مدى عشرين شهرا تم تسخير إحتياط مصرف لبنان من العملة الاجنبية، للقيام بهاتين المهمتين، وذلك من خلال آليات دعم مواد مختلفة، أهمها المشتقات النفطية، وتم صرف ما يقارب ١٧ مليار دولار أميركي، لتمويل عمليات الدعم، التي ذهب حوالي ثلث قيمتها، أرباحا محققة لمنظومة التهريب التي تحكم بحركتها وادائها، كل من الفرقة الرابعة في جيش الأسد وقيادات بارزة في حزب الله. واستطاع حزب الله من خلال التربح من فرق أسعار المواد المدعومة وخاصة النفط، أن يستمر في دفع مخصصات عناصره بالعملة الاميركية، التي كان يشتريها من السوق الموازية بالسعر الاعلى الذي يتصاعد عند كل حدث.

الجديد اليوم أنَّ حزب الله بعد ان أمّن خط امداده بالنفط الايراني عبر سورية يتجه الى دفع رواتب افراده بالعملة اللبنانية التي يتقاضاها ثمنا لهذا النفط، اذا صحت هذه الانباء، فان المنتظر ان نشهد تدنيا كبيرا في حجم الطلب على الدولار الاميركي في السوق اللبنانية الموازية، وهو سبب يؤدي الى هبوط سعر الدولار، حيث كان الحزب يستحوذ على اكثر من ٥٠% من الطلب على دولار النقدي في سوق الصرافة.

لم تُحَلَ أزمة لبنان، وعجزه عن تمويل مستورداته النفطية، فايران لا تستطيع تأمين كامل الاستهلاك في لبنان وسورية، ما تم انجازه مسائل ثلاثة، سماح لايران ببيع نفطها بشكل محدود، تمويل ميزانية حزب الله، وخروقات محدودة في قانون قيصر الذي يستهدف الاسد.

عندما انتهى الدعم، انتهى تهريب المواد المدعومة، وبذلك انتهت حكومة د. حسان دياب التي كانت التي كانت اهم وظائفها تمويل التهريب من اموال مصرف لبنان.

لم يكن لبنان محاصرا، كان الحصار على ايران وسورية، وتاليا كان حزب الله في ازمة، ولبنان كان الرهينة، التي إنْ أكلت أكلَ الخاطفون معها، وإنْ جاع الخاطفون استولوا على طعامها واستعملوا نفطها ودواءها.

والمعادلة التي وصلنا اليها؛ إنَّ إمدادَ لبنانَ يَمُرُّ بامداد سورية وايران، وجوع ايران وسورية يفرض ان يُجَوّع لبنان، لذلك صدرت تخفيفات واجازات لقانون قيصر، لم يسمح حزب الله ان تحاصر إيران وسورية دون أن نحمل عنهم أعباء الحصار.

الرهينة ما تزال حية لكن محتجزة، لا تعاقبوها، بل عاقبوا خاطفيها!