سجعان قزي/اللقاءُ الأخير… والدائم مع الشيخ بشير

157

اللقاءُ الأخير… والدائم مع الشيخ بشير
هائلاً كان ذاك النهار. المهنّئون قبل أيام، جاؤوا أنفسهم يعزّون. والذين لم يُصدّقوا انتخابَه، هم أنفسُهم لم يُصدّقوا موتَه، والّذين لم يًشاركوا في انتخابه، شاركوا في مأتمه. والّذين لم يُعطَ لهم فرحُ تأييدِه، أُعطي لهم حزنُ وداعِه. ويبقى أنّ “بشير حيٌّ فينا”، كان الشعارُ الذي صُغتُه مطلَعَ أوّلِ لقاءٍ في المجلسِ الحربيِّ بعد استشهاد بشير، وصار أكثرَ الشعاراتِ تَردادًا.
سجعان قزي/افتتاحيّةُ جريدة النهار/ 16 أيلول 2021

الأحد 12 أيلول 1982 اتّصل بي الرئيسُ بشير الجميّل يَسألُني إذا كنتُ أنهيتُ خِطابَ القسَم الذي كلّفني إعدادَه. تواعَدْنا على اللقاءِ في دارتِه في بكفيّا التاسعةَ من مساءِ الاثنين 13، أي عشيّةَ استشهادِه. وصلتُ، فوَجَدْتُه جالسًا في الصالونِ الداخليِّ مع زوجتِه، السيدة الأولى صولانج (صولا)، يَستمع إلى موسيقى كلاسيكيّةٍ عبرَ آلةِ حديثةٍ أهداه إيّاها أحدُ أصدقائه. ولأنّه لم يكُن تعلَّمَ تشغيلَها بعدُ، راح يَكبِسُ على أزرارِها علّه يُحسِّنُ الصوت. بَقينا هكذا بِضعَ دقائق، ثم ما لبثَت زوجتُه أنْ تَركتْنا، وأتى بشير بغليونٍ كان يُدخّنُه في الجلساتِ الحميمةِ حَصْرًا، وهي نادرة. فهو لا يُدخِّن، وإذا ما نَدَر أنْ أشْعلَ سيجارة، يَتركُها شاعلةً ولا يُدخّنُها، حتّى تنطفئَ وحدَها.

جَلس رئيسُ الجمهوريّةِ المنتخَب على كرسيٍّ جِلديٍّ قديم، وجَلسْتُ قبالتَه حولَ مِدفأةٍ مُطفَأة. وما إِن بدأتُ قِراءةَ الخِطاب، وأنهيتُ الفقْرةَ الأولى منه (“أديّتُ مضمونَ القسَم، وها إنّي أتلو نَصَّه. أدّيتُ مضمونَه طوالَ ثماني سنواتِ المقاومةِ، وأتلو نَصَّه في بَدءِ ستِّ سنواتِ الحُكم”)، حتى قال لي: “أَعِدها”، فأعَدْتُها، وارتاحَ في نهايتِها إلى ضحكةٍ طويلةٍ خَتمها بقولِه: “لئيم، فظيعة، اخْتصَرْتَ كلَّ شيء”.

وانْطَلقتُ أقرأُ، وهو يُنصِتُ، مُلتقِطاً بسرُعةٍ لمعاتِ الخِطاب حتّى انتهيتُ من قراءتِه. أعجَبه الخِطاب، وعَلّقَ بأربعِ ملاحظاتٍ رئيسةٍ تَناقشْنا فيها، هي الآتية:
المسيحيّون في لبنان. توقّفنا طويلًا لإيجادِ صيغةٍ تحدِّدُ الخصوصيّةَ المسيحيَّةَ في وطنٍ للجميع. وحين قلت له: “أنت اليومَ رئيسُ وطنٍ أنشأه المسيحيّون لا رئيسَ وطنٍ مسيحيِّ”، أجابني على الفور: “صَحّ”. وبالفعل، في اليوم التالي، أطلقَ هذه الفكرة في خِطابِه إلى مأدبةِ غداءٍ أقامَتها شقيقتُه، الأخت أرزة، في دير الصليب لمناسبةِ عيد الصليب.
الشهداء. كان لا بدّ من حَسمِ الموقفِ من اللبنانيّين الّذين سقطوا في الحرب، وهم يَنتمون إلى قوى مختلِفة. فقال بشير: “أنا كرئيسٍ للجُمهوريّة، لا يُمكنني إلا أنْ أساويَ بين الجميع، ولو انَّ بينَهم اختلافًا سياسيًّا أو عقائديًّا. فكُلّهم سقطوا من أجلِ “لبنانٍ ما”…

معاهدةُ الصّلح مع إسرائيل. كنتُ قبلَ أسبوعٍ من تلك الجلسة، اجتمعتُ إليه طارحاً له تصوّراتي، وسائلاً إيّاه إذا كان يريدُ تمييزَ أحدٍ في الخِطاب الرئاسي، فأجابني: “اثنان فقط: والدي، والرئيس سركيس”. ولمّا أتيْنا في جلستِنا على ذكرِ موضوع إسرائيل، أجابني: “أفضِّلُ ألّا نَذكر الآن عبارةَ “معاهدة سلام”، ولنكتفِ بالحديثِ عن عمليّةِ السلام”.
أميركا. واتّفقنا على اختيارِ التموضع التالي: مصلحةُ لبنان أن يكون حليفًا استراتيجيًّا للعالمِ الحرّ، لأنّنا جُزءٌ من قيمِه الديمقراطيّةِ والليبراليّة.

وبعد تداولٍ نحو ساعة، انتهينا من مناقشة الخِطاب، على أن أقومَ بالتصحيحِ اللازم، لنعودَ إلى قراءتِه مُشَكَّلًا مرّة أخيرة عند التاسعة مساءَ الثلثاء 14 أيلول. ورُحنا نَتبادل أحاديثَ متنوّعة.

سألني إذا كان يوم الخميس 16 أيلول مناسبًا ليزورَ إذاعةَ “لبنان الحر” كما زار مودِّعًا أغلبيّةَ مؤسّساتِ المقاومةِ اللبنانيّة، فأجبْتُه: “بكل سرور”. وأخْبرني أنّه سيزورً صباحَ الغد بيتَ كتائب الأشرفيّة ليلتقيَ الأهالي. سألته: “هل ستبقى تتردّدُ إلى اجتماعاتِك السابقة”؟ فأجابني على الفور: “اجتماع الأشرفية سيبقى”، ورفع قبضةَ يدِه إلى مستوى وجهِه، وقال بصوتٍ حازم وبالفرنسيّة: “سجعان، القاعدةُ، الأشرفية، كرمُ الزيتون، وجميعُ مواقع الصمودِ لا يجبُ أن نَنساها. يجب أنْ أظلَّ مُمسِكًا بالأرض”. وإذ لم أشَأْ مناقشَته لشدّةِ اقتناعِه بضرورةِ التواصل مع القاعدة الشعبيّة، نقلتُ إليه ما يُقال عنه بين الناس وفرحِهم به، خصوصًا في المِنطقةِ الغربيّةِ من بيروت. وقلت له أيضًا: “نَشَرَت لك الصِحافةُ صوراً كثيرة، ولم تَنشر صورةً لمايا” (طفلتِه الشهيدة).

فأجاب: “بلى ظَهرت لها ثلاثُ صورٍ في بعضِ الصحف، لكنهم حَسِبوها يمنى”. وسألني: “هل نُشِرَت لي صورةٌ أمارسُ رياضةَ الركض؟” أجَبته: “نعم، في الـــ “باري ماتش”. “ونُشِرت لك صورةٌ أخرى واقفاً إلى سريرِ “صولا” في أوّلِ لقطةٍ لك مع نديم، ابنِ الخمسةَ أشهرٍ، وكُتبَ تحتَها، “ظاهرةُ بشير الجميل”.

صَمَت لحظةً، ثم قال مبتسمًا بخجَلٍ، وبالفرنسيّة من جديد: “حقًّا إنّي ظاهرة بعدَ كلِّ ما قُمتُ به”. ثم انتقلنا إلى مواضيعَ أخرى. وقال مُشمَئزاً: “يا أخي، جماعةُ الإدارةِ هلكوني، ما هذا الأخطبوط؟ الإدارةُ اليوم فاقدةُ كلّ دمٍ وحيويّة. تَلزمُها معنويّات. جميعُ الّذين اجتمعتُ بهم استحالوا أبطالاً مُخلِصين ونزيهين ورَمَوا التُهَم على رؤسائِهم”.

عن تشكيلِ الحكومة، أخبرني أنّه لم يَستقِر قرارُه بعد على كلِّ الأسماء. سمّيت أمامَه بعضَ الأسماءِ التي يجري التداولُ بها، فأجاب: “ليسوا واردين على الإطلاق”. قلتُ له: “إنَّ استدعاءَك سليمان العلي لرئاسةِ الحكومةِ الأولى سيتركُ انزعاجًا”؟ وَدَدتُ أُكمِلُ فرفع يدَه في الهواء: “توقَّف. يكفي، لا تَضع الخِنجرَ في الجرح. لولا سليمان العلي، لما كان اكتملَ النصاب. ولو لم أعِدْه برئاسةِ الحكومة، ما كان جاءَ إلى جلسةِ الانتخابِ مع كتلتِه النيابيّة. لذا معه، أشكّل وزارةً موقّتة، أكون بها وَفِيتُ بوعدي، والوقتُ مفتوحٌ أمامي لأغيّرَ الحكومة. ستّةُ أشهرٍ أمرِّرُ بخلالِها ما يجب تمريرُه من تطهير ومراسيم ومشاريع واتفاقيّات، ثم نشكّل حكومةً فتيّة”.

“وكم تعتقدُ يُلزِمك من الوقت لتُبرمَ المعاهدةَ مع إسرائيل”؟ أجاب: “من أربعةِ أشهرٍ إلى خمسة. هم يريدونها الآن وفوراً. لكني لست مستعدًّا للقَبول بذلك. الأمرُ متعلقٌّ أيضًا بما يُمكن أن يَحصُلَ من تطوراتٍ في الأسابيع المقبِلة، وبالآليات الديمقراطيّةِ عندنا. السلامُ شيءٌ والخضوعُ لشروطِهم شيءٌ آخَر”.

ثم عاد إلى الشعب: “أريدُك أن تشدّدَ أكثر في الخطاب على مدى ما تَحمّلَ منا هذا الشعبُ الطيّب: كلُّ ما طلبناه منه، لبّى. وكذلك، أعطِ المقاومة (اللبنانية) بمفهومِها الوطنيِّ الجامع حقَّها في الخِطاب”.

أيْقنتُ كم هو يراهنُ على الشعب، وكم هو متأثِّرٌ بتضحياتِه. وعن الجيش اللبناني، أوضح لي: “لا أريده مسلمًا ولا مسيحيًّا، بل وطنيًّا، وأنا سأكون القائد الأعلى. سأُنشِئُ الحرسَ الوطنيَّ ليَستوعِبَ الميليشيات بعد تأهيلِها. لن تبقى قيادةُ الجيشِ كما هي اليوم، سأعزّزُ رئاسةَ الأركان وأخلُق جيشًا قويًّا، مقاوِمًا وقادرًا على التحرّكِ والتدخّلِ والدفاعِ عن سيادةِ لبنان. انتهينا من جيشِ الصالونات والتلفزيونات، ومن الجيشِ الذي يخشى التدخّلَ خشيةَ أن يَنقسِم”. وعن السفراءِ شَرح لي: “الرئيسُ سركيس وعَد أربعةَ أشخاصٍ من خارج الملاك، سأنفّذ له رَغبتَه، لكن ليس في سفاراتِ الدول الكبرى والهامّة. ستكون الديبلوماسيّةُ سلاحًا أساسيًّا في عهدي”.

كانت الساعة تجاوزت منتصف الليل: اجتماعُنا استغرقَ ثلاث ساعات. اليوم التالي، الثلثاء لم أكلّمه. لم تكن لي حاجة لذلك، إذ موعدُنا اللقاءُ مساءً في بيته.

بعد ظهر الثلثاء 14، نحو الرابعةِ والربع اتّصلوا بي من مكتبي في إذاعةِ لبنانَ الحر التي أسّستُها وأدَرْتُها بين سنتي 1978 و1985، يُبلغونني أن انفجارًا هائلًا في شارع ساسين ـــ الأشرفية. قلت فوراً: “راح بشير”. فأجابني مخاطِبي: “ما علاقةُ بشير بالأمر”؟. قلت له إنه هناك. غريبٌ حدْسي في تلك اللحظة.

وما هي دقائق، حتّى عاد الاتّصالُ الثاني: بلى الانفجار وَقعَ في بيت الكتائب/الأشرفية. هَرولتُ كالمجنون إلى الإذاعة. أخْبروني أنّه وقعَ قتلى وجَرحى، لكن بشير خَرج سالماً، وصرّح. هدأتُ قليلاً، على حدس قلِق. اتَّصل بي أيضًا مندوبُ الإذاعة في الأشرفيّه، شربل زوين، وقال لي فرِحًا: “بشير حيّ، خَرج وقال لنا كِيف الشباب”. توجّهتُ إلى المجلس الحربي. كانت موجةٌ من الفرح والانشراح بأن بشير أُنقِذ. وكانت الشَهاداتُ تنهال من الشباب، ووصل شابّان ساهما في إخراجِه من تحت الأنقاض: “خَرجَ بخَدْشٍ بسيطٍ في وجهِه”. تلاقت جميعُ الأخبارُ الوافدة: خرج وصرّح وغادر… لكن أين بشير؟ إنها الأوهامُ الجَماعيّة .Hallucinations collectives

تتالت الاحتمالات: حيٌّ ووَصَل الإسرائيليّون ونقلوه بطوّافةٍ عسكريّة لأنَّ طوّافةً حَوّمت فوق الأشرفية. حيّ وأخذَه الجيشُ اللبنانيُّ كانقلابٍ عسكريّ. حيٌّ في أحدِ المستشفيات. وسْطَ هذه التكهّنات المذهولة، وصل إلى المجلس الحربي القائمُ بأعمالِ السفارةِ الأميركيّة في بيروت، يَتفقّد آخِرَ ما لدينا من معلومات. هاتفياً، اتّصل بي الرئيس سركيس ومسؤولون آخرون، وكنت أطمئِنُهم…

نحو السابعة، رنّ هاتفُ مكتبِه. أجبتُ أنا. كان على الخطِّ الشيخ أمين. سألني تفاصيل جديدة. أجَبتُه: “أنا مطمئِنٌ مبدئيًّا. جميعُ الّذين نَثق بهم أكّدوا خروجَه سالماً”. فأجابني: “دُرتُ على جميع المستشفيات ولم أجدْه”. وأضاف: “وافني الآن إلى جسر الكرنتينا”.

وافيت الشيخ أمين إلى جسر الكرنتينا. رافقته في سيارته، كانت “صولانج” حدّه، وديب أنستاز، رئيس الشرطة، في المقعدِ الخلفي. كان الشيخ أمين مغتاظاً، وكذلك “صولا”: لماذا إخفاء الحقيقة عنهما؟ بدأ الشكّ يساورُنا بكلِّ الناس حتّى بالمرافقين. دُرنا المستشفياتِ جميعَها مرّةً أخرى فلم نَعثر عليه. ثم صِرنا ندورُ في السيارة ضائعين ثم عدنا إلى المجلس الحربي.

التاسعة والنصف ليلاً، ونحن في المجلس وسْطَ ذهولٍ مخيف، وصل الرئيس الشيخ بيار الجميّل. دقائق ودخلَ زاهي بستاني، مستشار بشير. كانت “صولا” جالسةً إلى مكتب بشير، تقدَّم منها وقبّلها، وأعطاها مِحبسَه. كانت هذه علامةً كافيةً لنَفهمَ كلّ شيء: مات بشير.

لم تَنهمِر الدُموعُ بل كان ذهولٌ كبير. ضَبطَ الجميعُ أنفاسَهم، وحَبَسوا دموعَهم، ثم وَصل الدكتور إيلي كرامي، نائب رئيس الحزب، فكريم بقرادوني، فأكّدا النبأ. بشير لم يَنجُ، الآن وجدوا جثّتَه. لم يَشأ الشيخ بيار أن يُصدّق. سأل بإيمان عميق: “متأكّدون؟ رأيتموه؟ وماذا عن الّذين قالوا إنه خَرج حيّاً”؟ بعدَها، وسَط صمتٍ صارخ، وَضع الشيخ بيار مِنكبَيه على ركبتَيه، وخبّأ رأسَه بين يديه. تقدّم منه شارل مالك ورَكع وانْحنى أماَمه فرفَعه الشيخ بيار.

لحظتَذاك انهالَت الدموع، خريراً صامتًا لا حشرجةً شاهقة، فالدمعةُ تمرَّدت على الخبر. لم تكن سَيّالةً لأنَّ الاقتناعَ بموتِه لم يكن نهائياً. بقي الشيخ بيار لحظاتٍ في انخطافِه هذا، دون كلمة. وبعد نحو عشرِ دقائق، توجّه الجميع إلى بكفيا، فبقينا فادي افرام، فؤاد أبو ناضر، زاهي بستاني، كريم بقرادوني، جوزيف أبو خليل، طوني بريدي، إيلي حبيقة وأنا، وعَقدنا اجتماعًا مع الشيخ أمين في قاعةِ الاجتماعات، وقَرّرنا إكمالَ المشوار. تَعهّد الشيخ أمين بإكمالِ المسيرة وباحتضانِ رفاق بشير… وتَفرّقْنا إلى اليوم التالي. أنا ذهبتُ إلى إذاعة لبنان الحر في أدونيس حيث كان فريق العمل يَنتظر عودتي. أبْلغتهم الفاجعةَ وأخّرتُ إعلانَ النبأِ حتى منتصفِ الليل بغيةَ إعطاءِ المجالِ للقوى العسكريّةِ لاتّخاذِ الإجراءاتِ على الأرض.

هائلاً كان ذاك النهار. المهنّئون قبل أيام، جاؤوا أنفسهم يعزّون. والذين لم يُصدّقوا انتخابَه، هم أنفسُهم لم يُصدّقوا موتَه، والّذين لم يًشاركوا في انتخابه، شاركوا في مأتمه. والّذين لم يُعطَ لهم فرحُ تأييدِه، أُعطي لهم حزنُ وداعِه. ويبقى أنّ “بشير حيٌّ فينا”، كان الشعارُ الذي صُغتُه مطلَعَ أوّلِ لقاءٍ في المجلسِ الحربيِّ بعد استشهاد بشير، وصار أكثرَ الشعاراتِ تَردادًا.