د. توفيق هندي/بعد تشكيل الحكومة.. الإنتخابات النيابية والتغيير من الداخل

45

بعد تشكيل الحكومة.. الإنتخابات النيابية و«التغيير من الداخل»
د. توفيق هندي/جنوبية/16 أيلول/2021

بعد مقاله تحت عنوان “بعد تشكيل الحكومة.. الإنتخابات النيابية بين الحقائق والأوهام!”، يتطرق الكاتب توفيق الهندي في الجزء الثاني، الى ضرورة منع إعادة إنتاج طبقة سياسية مارقة في الانتخابات النيابية القادمة وكيفية التغيير من الداخل.

بالموازاة، يلاقي حزب الله هذا الإصرار الغربي بالقول، أنه هو أيضاً مع إجراء الإنتخابات في موعدها. غير أنه أكثر من المرجح، أن يكون هذا الموقف مناورة، يهدف من خلالها الى إلهاء المجتمع السياسي والمدني، ودفعه إلى تركيز جهوده على الإنتخابات بدلاً عن مواجهته.

لمعرفة كيف يمكن مواجهة الإحتلال الإيراني والمتعاونين معه، لا بد من أخذ العبرة من مرحلة مواجهة الإحتلال السوري والسلطة الأمنية السورية-اللبنانية الناتجة عنه. بإختصار، شكل نداء بكركي في أيلول 2000 صفارة الإنطلاق للمرحلة الحاسمة لتحرير لبنان، بالرغم من عدم إنقشاع الأجواء الدولية لتحقيق هذا الهدف. حدث 11 أيلول الجلل أحدث تغييراً جذرياً، في التوجه الغربي بشكل خاص والدولي بشكل عام وأنتج القرار 1559 عام 2004، بالتناغم مع الحركة السيادية اللبنانية المتصاعدة. ولا بد من الإشارة إلى الدور الرئيسي، الذي لعبه لقاء قرنة شهوان، الذي تأسس بتاريخ 30 نيسان 2001، وضم قوى سياسية راديكالية، إلى جانب شخصيات سياسية، باتت مقتنعة بعد التجربة بعدم الجدوى من “التغيير من الداخل” في ظل الإحتلال. وتضافرت المكونات السيادية تباعاً بحيث تصاعدت الحركة السيادية السلمية، فكان لقاء البريستول والمظاهرات المليونية بعد إغتيال الشهيد رفيق الحريري وصولا” إلى تكوين 14 آذار.

والعبرة هنا، هي اليوم بالإنطلاق بتوحيد الرؤية حول ماهية المشكلة، وتحديد الأهداف بوضوح وخريطة طريق واضحة لتحقيقها، والإنطلاق بشكل من أشكال لقاء قرنة شهوان متعددة الطوائف، والسعي إلى توحيد متدرج لروافد الحركة الخلاصية السيادية الثورية. أما حزب الله، فلن يخاطر، برأيي، ولو بواحد بالمئة بإجراء أي إنتخابات مبكرة أو غير مبكرة، يمكن أن تفقده الأغلبية النيابية الصلبة، التي يتمتع بها والتي تسمح له بالتحكم بسهولة، بالمسارات والآليات الدستورية وبالمؤسسات الدستورية الثلاث؟! وإستطراداً، في حال فقدانه لها، لن تتأثر كثيراً سطوته على الطبقة السياسية، إنما إنتخاب باسيل يتطلب حينها ضغوطا أكبر عليها. والبديل عن الإنتخابات عنده هو تمديد ولاية البرلمان. وما أسهل إختلاق المبررات (أحداث أمنية، خلاف حول قانون الإنتخاب،…)! أما إذا إفترضنا أن المستحيل حدث، وهو أن يقبل حزب الله بإجراء إنتخابات نيابية وكان إجراؤها تحت ضغط الخارج ورقابته، فلن يكون التغيير ذات شأن من حيث تمثيل الثورة، ولو حصّلت هذه الأخيرة بعض النجاحات المحدودة.

فلا يزال حزب الله والطبقة السياسية المارقة بمكوناتها كافة، تمتلك عناصر القوة التالية: غطاء السلاح الذي يؤمنه حزب الله لنفسه ولها، المال الوفير المتراكم منذ سنين، من خلال نهب المال العام والخاص، ومن خلال “المساعدات” الدسمة من الخارج، التنظيم الحزبي، إمتلاكها الخبرة الإنتخابية، إمتلاكها الماكينات الإنتخابية المجربة، الإمساك بإدارة العملية الإنتخابية، المساعدة الهامة التي توفرها لها الدولة العميقة، وأخيراً غباء بعض الحالات الشعبية الغنمية التي تؤلّه “زعيمها” الفاسد الذي “بياكل وبتطعمي”. فخطأ منطق التغيير، من خلال إجراء الإنتخابات خاصة، أو من خلال الآليات الدستورية عامة، يكمن في تناقضه مع منطق خريطة الطريق، التي توصل إلى خلاص لبنان.

خارطة الطريق لخلاص لبنان التي عرضتها مراراً والوحيدة المجدية برأيي: لبنان في خضم “الصوملة” الكاملة النهائية، و”الحبل عالجرار”، مما سوف يحوله إلى قنبلة موقوتة، تهدد الأمن والإستقرار والسلام الدولي والإقليمي، ويحوله بالتالي تهديداً للمصالح الدولية والإقليمية. كيف؟ الطرف الوحيد في لبنان الذي سيزداد “قوة وفعالية وقدرة” على التدخل في المنطقة، ولا سيما مع رفع العقوبات عن إيران، هو حزب الله في بحر من الفوضى الأمنية، في المناطق اللبنانية الخارجة عن نفوذه المباشر، بالإضافة إلى إمكانية كبيرة لتطور دراماتيكي خطير، لوضع النازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين وبعض اللبنانيين خاصة في شمال البلاد، من حيث سهولة إختراق بيئتهم من داعش وأخواتها، بالإضافة أيضاً، إلى إمكانية كبيرة لحدوث هجرة غير شرعية إلى أوروبا.

لكل هذه الأسباب، تراني مقتنعاً، بأن مصلحة أميركا وروسيا وحتى الصين، والدول الغربية والدول العربية والإقليمية الوازنة، يمكنها أن تتلاقى في مرحلة ليست ببعيدة، على معالجة جدية للوضع في لبنان. وهنا يبرز دور بكركي المحوري، في مسيرة التدويل الإنقاذية لملء الخواء الوطني، الذي أحدثته الطبقة السياسية المارقة. فبكركي تدعم ثورة الشعب اللبناني، وتطالب بتحقيق الحياد الناشط والإيجابي وبمؤتمر دولي، إستنادا” على المرجعيات التالية: المرجعيات اللبنانية: وهي الدستور، ووثيقة الوفاق الوطني (إتفاق الطائف 1989)، وإعلان بعبدا (2012)، المعتمد كوثيقة رسمية من قبل الأمم المتحدة. المرجعيات العربية: ينتمي لبنان إلى العالم العربي ،وهو عضو مؤسس لجامعة الدول العربية ويلتزم ميثاقها ومقررات قممها. المرجعيات الدولية: وهي شرعة الأمم المتحدة، والشرعة العالمية لحقوق الإنسان، وقرارات مجلس الأمن الدولي المتعلقة بلبنان لا سيما القرارات 1559 و 1680 و 1701، وإتفاقية الهدنة مع إسرائيل الموقعة في آذار 1949. ولكن، ما هي خريطة الطريق التنفيذية من أجل تحقيق هذا التدويل ؟ إن مفتاح الحل يكمن بالعمل الديبلوماسي الجاد، لإقناع أصحاب القرار الدولي بأن مصلحتهم هم، هي بخلاص لبنان وليس بإندثاره، وأن تقدم لهم خارطة طريق قابلة التحقيق، مرتكزة على تدويل الوضع اللبناني، بمعنى إتخاذ مجلس الأمن قراراً، يضع قرارات مجلس الأمن 1559 و 1680 و 1701 تحت الفصل السابع، ويوسع مهام القوات الدولية (unifil) ويتخذ قرارا بوضع لبنان تحت الإنتداب الدولي، وفقاً للفصل 12 و 13 من شرعة الأمم المتحدة، وذلك لأن لبنان بلد مخطوف، ليس بمقدوره أن يحرر نفسه، ولأن اللبنانيين باتوا غير قادرين على حكم أنفسهم بأنفسهم، ولأن لبنان محتل، ولأن الدولة اللبنانية باتت في خبر كان، وبالتالي فقدت عضويتها حكماً في الأمم المتحدة، ولأن لبنان أسير قضية إنسانية غير قابلة للمعالجة لبنانياً، في ظل سلطة مجرمة، والأهم أن لبنان بات قنبلة موقوتة، للأمن والإستقرار والسلام في المنطقة.

في إطار الوصاية الدولية الآنفة الذكر، يجب تشكيل سلطة مؤقتة عسكرية-مدنية، على شاكلة ما حدث في السودان، مشكلة من نخبة عسكرية ونخبة مدنية، تعلق الدستور وتعمل تحت الرقابة الدولية، على تنظيف مؤسسات الدولة كافة من آثار المحاصصات والفساد، بهدف العودة في مرحلة لاحقة إلى تنفيذ الدستور. فتجرى حينذاك إنتخابات نيابية وفق قانون جديد، ثم إنتخابات رئاسية وتشكيل حكومة، مما يشكل تمهيداً، لرفع الوصاية الدولية وتعافي لبنان السريع في كل المجالات، ولا سيما في المجالين الإقتصادي والمالي، على قاعدة إعادة ثقة الشعب وثقة المجتمع الدولي والعربي، والإنتشار اللبناني بالدولة اللبنانية. عندها، تصبح الطريق معبدة داخلياً وخارجياً، لإستحصال لبنان على حياده الناشط والإيجابي، صوناً لكيانه ودولته وشعبه على المدى الإستراتيجي. ويبقى كل الأمل في أن شبيبة الثورة، سوف تعرف كيف تحافظ على لبنان، وتمنع إعادة إنتاج طبقة سياسية مارقة، بعد قيام السلطة المؤقت، بإقتلاع آثارها في مؤسسات الدولة كافة.