بيار ريحان/ولا يزال الحلم يُرهقنا

151

ولا يزال الحلم يُرهقنا…

عاينت بصعوبة جثة بشير، الراس ملفوف بالشاش الطبّي الأبيض، الرضوض والغبار واضحة على الجسد، وفي هذه اللحظة… شعرت أنّ صليب الحلم عاد ليقع على كواهلنا، وهو لا يزال يرهقنا.

بيار ريحان/فايسبوك/15 أيلول/2021

يوم انتُخب القائد بشير رئيسًا للجمهوريّة اللبنانيّة، سقط عن جباهنا عرق النضال والمقاومة، وخفّت الأحمال عن أكتافنا، ويوم اُغتيل بشير سقط صليب الحلم على كواهلنا ولا يزال يُرهقنا حتّى اليوم.

سأروي في هذه السطور ما عشته في مثل هذه الليلة قبل تسعٍ وثلاثين سنة، وها إنّي أستذكره وأوثّقه، للمرة الأولى، في الساعات نفسها التي كُلّفت بعدها بالتوجّه إلى مستشفى أوتيل ديو للتعرّف على جثة بشير.

عشية انتخاب بشير رئيسًا، كنت مولجًا من قبل جهاز الأمن في القوات اللبنانيّة بتنظيم المجموعات الأمنيّة لتسهيل مرور النوّاب وحفظ أمنهم على الطرقات المؤديّة إلى المدرسة الحربيّة في الفياضيّة، حيث ستجري عمليّة الانتخاب. تعمّدت أثناء انعقاد الجلسة أن أتواجد في أقرب نقطة من قاعة الانتخاب لأكون أوّل مَن يعرف النتيجة. وبالفعل كنتُ من بين الأوائل الذين خرج إليهم خبر انتخاب بشير بالتوازي مع المؤسسات الإعلاميّة التي تنقل الحدث مباشرة عبر الأثير. سعادتي لم تكن توصف، حتّى أنّي كنت أشعر بنبضات قلبي تنخطف بين الفينة والأخرى من البهجة.

تأكّدنا من خروج النوّاب سالمين من منطقة الفياضية، ثم انضممنا، أنا وبعض رفاقي، إلى المحتفلين في ساحة ساسين بالأشرفية حيث كانت “الزلاغيط” والزمامير والرصاص ابتهاجًا تعمّ المكان، وفي هذه اللحظات شعرت بأنّ كلّ ما قاومنا من أجله لبس حلّة الانتصار، وبأنّ تعب المتاريس ودخان الجبهات تحوّلا إلى سماء صافية زرقاء، وشعرت نفسي مجرّدًا من موبقات الحرب ومندفعًا بحريّة وخفّة نحو السحاب.

واحد وعشرون يومًا والشعور هذا يسكن كلّ جارحة في جسمي، حتّى جاءت الساعة التي سمعت فيها دويّ الانفجار من منطقة بسوس المواجهة من الشرق لمنطقة الأشرفية. توجّهت بسرعة إلى مركزي في مبنى جهاز الأمن حيث كانت الصورة لا تزال ضبابيّة. روايات غير دقيقة وغير مؤكّدة كانت تصلنا من هنا وهناك. “بشير بخير”. “حَمَلَته من مكان الانفجار طائرة هليكوبتر وكان يلوّح من على متنها للجماهير”. عمّال الإنقاذ اتّصلوا بالـ HK (إيلي حبيقة) الذي كان مكتبه مواجهًا لمكتب بول عريس الذي تواجدت أنا فيه تلك الليلة، وقالوا له “أنّ بشير تحت الأنقاض، لكنّهم تأكّدوا من أنّه حيّ”…الخ. 

حضر الشيخ أمين الجميّل. دخل إلى مكتب الـ HK، اختلى به لفترة وجيزة، ثمّ لدى خروجه سلّم علينا وقد بدا مرتاحًا غير قلق، وهو الأمر الذي أشعرنا أنا ورفاقي بأنّ الأمور جيّدة، وما هي إلّا دقائق على مغادرة الشيخ أمين حتّى حضر “مندي” (مناحيم نافوت)، الرجل الثاني في الموساد الإسرائيلي، ودخل مباشرة إلى مكتب الـ HK. “مندي” لم يحضر بسبب الانفجار، لكن صودف وجوده في بيروت للاستفسار عن سبب منع دخول فريق المرافقين النخبويين الإسرائيلي المكلّف بحماية بشير إلى لبنان، وكان بشير قد استشاط غضبًا في وجه زاهي بستاني الذي رتّب إحضار هذا الفريق، وأمر جهاز الأمن بمنع الفريق من تجاوز مطار بيروت، رافضًا بشراسة أن يضمّ فريق حمايته إسرائيليين.

تجاوزت الساعة الثامنة مساءً والأمور كانت لا تزال ضبابيّة. خرج الـ HK من مكتبه مرافقًا “مندي”، رأيته ينظر إليّ من بعيد ووجهه متجهّم، وما أن غادر الزائر حتّى طلب منّي الـ HK التوجّه إلى مستشفى أوتيل ديو للتعرّف على جثّة بشير. تجمّد الدم في عروقي، الشباب انحبست أنفاسهم، سألت رفيقي جان شمعون الواقف بقربي مرافقتي، فلبّى.

وصلنا إلى المُستشفى وكان الرفيق جورج مِلكو ومجموعته يمنعون أيًّا كان من الدخول، وما أن وصلت وأبلغته بمهمّتي حتى فتح لي الحاجز ودخلنا أنا وجان بعد ان دلّنا مِلكو إلى المبنى الموضوعة فيه جثامين الشهداء الذين سقطوا بالانفجار.

المبنى مظلم وخالٍ من أيّ حركة كمدينة أشباح. الممر طويل لا ينتهي. جثث الشهداء متروكة على الأرض فوق بعضها البعض. لم نكن نعرف إذا كنّا سنبحث بينها على بشير. تراجع جان وسند ظهره على الحائط قائلًا لي: “أنا ما بقدر”. تابعت وحدي حتّى التقيت بشاب لم أستطع أن أميّز ما إذا كان من مظليّي القوّات. سألته إذا كان لديه أي علم عن مكان الجثّة المُشتبه بأنّها لبشير، فأدخلني غرفة البراد وسحب جارورًا. عاينت بصعوبة الجثة، الراس ملفوف بالشاش الطبّي الأبيض، الرضوض والغبار واضحة على الجسد، وفي هذه اللحظة… شعرت أنّ صليب الحلم عاد ليقع على كواهلنا، وهو لا يزال يرهقنا.

بيار ريحان: (الصورة في اسفل لي في ساحة ساسين نشرتها جريدة “النهار” غداة انتخاب بشير، وحصلت عليها من أرشيف الراحل لقمان سليم)