الحلقة العاشرة من كتاب الكولونيل شربل بركات الجديد: “لبنان الذي نهوى: عناوين حلقة اليوم/نهاية عهد الرئيس الجميل وحكومة ميشال عون/نتائج الطائف مدريد وأوسلو

385

الحلقة العاشرة من كتاب الكولونيل شربل بركات الجديد: “لبنان الذي نهوى”… بحث سياسي لمرحلة المئة عام من تاريخ لبنان الكبير
09 أيلول/2021

عناوين حلقة اليوم
*نهاية عهد الرئيس الجميل وحكومة ميشال عون
*نتائج الطائف مدريد وأوسلو

في أسفل روابط الحلقات السابقة
أضغط هنا لقراءة الحلقة الأولى من كتاب الكولونيل شربل بركات الجديد: “لبنان الذي نهوى”

أضغط هنا لقراءة الحلقة الثانية من كتاب الكولونيل شربل بركات الجديد: “لبنان الذي نهوى”

أضغط هنا لقراءة الحلقة الثالثة من كتاب الكولونيل شربل بركات الجديد: “لبنان الذي نهوى”

أضغط هنا لقراءة الحلقة الرابعة من كتاب الكولونيل شربل بركات الجديد: “لبنان الذي نهوى”

أضغط هنا لقراءة الحلقة الخامسة من كتاب الكولونيل شربل بركات الجديد: “لبنان الذي نهوى”

أضغط هنا لقراءة الحلقة السادسة من كتاب الكولونيل شربل بركات الجديد: “لبنان الذي نهوى”

أضغط هنا لقراءة الحلقة السابعة من كتاب الكولونيل شربل بركات الجديد: “لبنان الذي نهوى”

أضغط هنا لقراءة الحلقة الثامنة من كتاب الكولونيل شربل بركات الجديد: “لبنان الذي نهوى”

أضغط هنا لقراءة الحلقة التاسعة من كتاب الكولونيل شربل بركات الجديد: “لبنان الذي نهوى”

نهاية عهد الرئيس الجميل وحكومة ميشال عون
كانت نهاية عهد الرئيس الجميل الذي ورث البلد موحدا لا وجود فيه للسوريين في محيط العاصمة ويتمتع بمساندة العالم له والقوات المتعددة الجنسية كما كانت اسرائيل تفاوضه لسحب قواتها من لبنان بالتنسيق مع الجيش اللبناني وتسليمه الأمن في كافة المناطق التي تنسحب منها. ولكن الرئيس الجميل وبسبب تردده وخوفه من ردة فعل السوريين حاول التقرب منهم ما أعطى لهؤلاء القدرة على سلبه كل نقاط القوة التي كان تمتع بها وإعادته لموقع الذي لا يحكم حتى على محيط قصره والذي يعادي الكل، من القوات اللبنانية إلى قسم كبير من ألوية الجيش التي لا تأتمر بأوامره، إلى وجود حكومة يستجدي موافقتها بدل أن يفرض عليها خطته ومشاريعه، ويسيطر السوريون على أغلب البلاد بواسطة زمر من المسلحين وعصابات من المرتزقة يديرها لصالح دمشق مشاريع زعامات تختلف كل الاختلاف عن رجال الدولة. وقد خسر دعم الغرب والتلويح بالتحالف مع اسرائيل وثقة العرب، وأهم شيء الأمن والاستقرار اللذين كان يعتقد بأنه يمتلك مفاتيحما، وإذا به لا يملك حتى أن يجمع مجلس النواب لانتخاب خلف له، ولذا فقد أصبح يبدو وكأنه آخر رئيس لجمهورية لبنان.
كان الرئيس الجميل قد استبدل العماد ابراهيم طنوس بالعميد ميشال عون قائد اللواء الثامن لقيادة الجيش. وكان هم القائد الجديد العماد عون التمكن من حماية مواقع قواته في سوق الغرب، والتي تشكل حماية القصر الجمهوري ومقر قيادة الجيش في اليرزة، ومن ثم الاتصال بقادة الألوية المعارضة والذين لا يأتمرون بأوامره، خاصة اللواء السادس الذي شارك بعدة معارك في المنطقة الغربية تحت إمرة حركة أمل لاعادة تنسيق دفع رواتب العسكريين والعمل على جعل مناطق عمل هذه المجموعات لا تتضارب مع خطة القيادة العامة في الدفاع عن السكان، أي عدم التداخل فيما بينها، ومن هنا فقد اصبح العبور مثلا بين الشرقية والغربية يتم عبر معبر المتحف الذي ينسق فيه اللواء السادس عبور المواطنين ويضبط خطوط التماس التي عادت للظهور بين شطري العاصمة.
في الأول من حزيران سنة 1987 اغتيل الرئيس رشيد كرامي رئيس الوزراء وتم تعيين الرئيس سليم الحص رئيسا للوزراء بالوكالة كون عهد الرئيس الجميل كان شارف على نهايته. وبعد سنة على هذا التعيين بقيت حكومة الحص تدير الأمور بدون الصفة الشرعية الكاملة.
لم يؤمن النصاب في مجلس النواب ليتم انتخاب رئيس جديد لأن السوريين أرادوا أن يبدو البلد غير قادر على الاستمرار ومن شروطه تأمين دوام السلطة المنتخبة. ولذا، وبعد محاولات حثيثة، وقبل انتهاء عهده، عين الرئيس الجميل حكومة عسكرية انتقالية لتشرف على انتخاب رئيس للبلاد، وقد كانت سابقة تعيين هكذا حكومة في نهاية عهد الرئيس بشارة الخوري ناجحة، إذ أمنت حكومة برئاسة قائد الجيش يومها اللواء فؤاد شهاب، انتخاب كميل شمعون لرئاسة الجمهورية. ولكن السوريين أصروا على بقاء الرئيس الحص الغير شرعي وحكومته خلافا للدستور، ما دفع بالعماد عون لعدم استعجال انتخاب رئيس جديد للبلاد في ظل غياب التفاهم ورفع اليد السورية عن التدخل، فحاول تنظيم الوضع الداخلي قبل التوصل إلى انتخابات، ما جعله يصطدم بالتعنت السوري الذي تطور إلى منع أعضاء الحكومة العسكرية من المسلمين الاستمرار بمهمتهم تحت الضغط والتهديد، ومن ثم رفض الرئيس الحص التنازل عن حكومته المفترض أن تكون حلت بتأليف الحكومة الجديدة، ما جر العماد عون للتصادم مع السوريين فأعلن حرب التحرير حيث عادت أجواء القصف السوري الذي دمر الأشرفية وغيرها من المناطق في 1978 إلى الأذهان ومن ثم انهت مفاعيل القرار الدولي 436 الذي كان صدر على أثرها ومنع السوريين من الدخول إلى المناطق الشرقية.
كانت محاولة العماد عون السيطرة على البلاد مجددا باعادة هيبة الدولة قد أفشلها داخليا موقف الحص الذي قبل بمجاراة السوريين، وكان الوضع في المنطقة قد تغيّر كون العراق كان خرج من حربه مع إيران منتصرا ويحظى بتأييد دول الخليج وأغلب الدول العربية. ولم يكن الرئيس صدام حسين قد نسي الموقف السوري الداعم لإيران في الحرب. من هنا كان اعتقاد عون بأن دعما عربيا للبنان لمواجهة سوريا سيرفع يدها عن البلد، ما يعيد له استقراره وسيادة الدولة فيه. وهكذا بدأ العمل على التقرب من العراق ومواجهة سوريا حيث توجه إلى جامعة الدول العربية لمساندته معتمدا على تاييد العراق ضد سوريا. وقد نجح بكسب تعيين مؤتمر وزراء الخارجية العرب المنعقد في تونس لجنة سداسية برئاسة وزير خارجية الكويت وعضوية كل من وزراء خارجية الأردن والأمارات والجزائر وتونس والسودان لمتابعة الوضع ورفع التوصيات التي جاءت لصالح لبنان والتي رفضتها سوريا جملة وتفصيلا. وقد كان لمفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ حسن خالد موقفا أمام اللجنة العربية في الكويت أغضب السوريين ما دفعهم إلى اغتياله في 16 أيار 1989, فقام مؤتمر القمة العربية المنعقد في الجزائر بطلب اشراف لجنة ثلاثية مؤلفة من العاهل السعودي والعاهل المغربي والرئيس الشاذلي بن جديد رئيس الجزائر على محادثات بين سوريا ولبنان لحلحلة الأمور والتوصل إلى اتفاق ما. من هنا وبعد زياراته المكوكية المتعددة اقترح الأخضر الابراهيمي المبعوث الخاص لهذه اللجنة أن يقام مؤتمر يجمع النواب اللبنانيين خارج لبنان للتشاور بحل كامل للقضية اللبنانية. ولذا فقد قام الملك السعودي بدعوة النواب اللبنانيين للاجتماع في مدينة الطائف السعودية ووضع حل بعيدا عن أجواء العنف في بيروت وعن الضغوط السورية المباشرة.
كانت لعبة السوريين تقوم على اظهار هشاشة التركيبة اللبنانية والنظام الديمقراطي المعتمد فيه وتحويره باظهاره وكأنه نظام امتيازات لفئة قليلة من اللبنانيين مقابل حرمان الفئات الأخرى والتي تتألف من المسلمين ما يمكن معه اللعب على عواطف الدول العربية كون الموضوع يتعلق بحقوق المسلمين في لبنان. من هنا فقد فرض على النواب بين الترهيب باستمرار العنف والترغيب ببعض الهدايا والوعود خاصة في مجال الأمن والاستقرار للقبول بما سمي اتفاق الطائف وكانت المشكلة الرئيسية في هذا الاتفاق بأنه خلق دولة مسخا بثلاثة رؤوس لا يمكن فيها اتخاذ قرار. فبينما كانت صلاحيات رئيس الجمهورية شبه مطلقة في النظام السابق فقد اصبح وكأنه يرأس شكليا ولا يحكم بينما زادت صلاحيات رئيس الوزراء وأصبح المجلس النيابي غير قابل للضبط مطلقا كونه لا يمكن حله إلا بقرار منه. وقد ألغيت طائفية الوظيفة ما جعل التوظيف بدوائر الدولة مجال تزعم بدون اي رادع قانوني فشكل وضعا شاذا أرهق الخزينة لاحقا. وبما أنه لم يعد هناك من راس للدولة صار كل رئيس من الثلاثة “فاتح على حسابه” كما يقول المثل اللبناني ومن هنا وظّف الرئيس بري لاحقا أعدادا غير مطلوبة في ملاكات الدولة وكثر التعاقد الغير ضروري في المؤسسات وكما يحلو له، بينما وزع الرئيس الحريري المشاريع الكبرى على أعوانه أيضا بدون حساب. وصارت الدولة قائمة على سياسة الاستدانة وتعتمد على المساعدات التي كانت في البدء مطلوبة للنهوض، ولكنها أصبحت سياسة الدولة. وقد قامت الميليشيا الإيرانية بالامتناع عن دفع الرسوم والاشتراكات للدولة بحجة “المقاومة”، ما أفقد شركة كهرباء لبنان موردها الأساسي فبدأت خسائرها تزيد، ومع الوقت تبع طريقة عدم الدفع أغلب الذين “لهم ظهر” بالدولة ما أرهق الشركة كليا، ومنع تطويرها وصيانة شبكاتها وتجديد مولداتها فزادت مشاكلها. وهذا جزء بسيط من المشاكل التي رافقت عودة الهدوء إلى البلد لتقع الدولة شيئا فشيئا تحت عجز كبير كانت تحاول تسديده بواسطة الاستدانة مجددا.
ولكي تضمن سوريا سيطرتها على البلد بالكامل كانت حرب الألغاء التي قامت بين الرئيس عون وقواته من جهة وسمير جعجع قائد القوات اللبنانية من جهة ثانية، وهي الحرب التي قضت نهائيا على اي مقاوم للاحتلال السوري، حيث تم بعدها السيطرة الكاملة لسوريا ونفي عون إلى باريس بينما وضع جعجع في السجن بعد عملية احتيالية قامت بها المخابرات السورية وبعض اركان السلطة. وهكذا وخاصة بعد حرب الكويت في 1991 التي شاركت فيها سوريا ضد العراق، أطلقت يدها في لبنان بدون أن يكون هناك منازع أو رقيب أو اي نوع من الرادع الأخلاقي، ما جعلها تغتال الرئيس معوض لأنه لم يقبل باحتلالها للمناطق الشرقية بالقوة ومن ثم انتخاب الرئيس الهراوي الذي أطلق يد أزلامها كليا.

نتائج الطائف مدريد وأوسلو
في خلال هذه الفترة تسلم رفيق الحريري رئاسة مجلس الوزراء في الحكومة الثانية لعهد لرئيس الهراوي وكان أهم قراراته ترك السلطة للسوريين في مجال السياسة الخارجية والدفاعية على أن تطلق يده في مجال الاعمار واعادة الحياة للدورة الاقتصادية في البلد. وكان المسؤولون السوريون يشاركون الرئيس الحريري المغانم التي تنتج عن المشاريع الكبرى وتلزيماتها ما سهل له أتخاذ القرارات والتحكم بالداخل ولو تحت رحمة هؤلاء الجشعين. ولكنه على الأقل ساهم في نهضة اقتصادية نوعا ما ولو بدون اساس متين.
كان اتفاق الطائف فرض حل كل المليشيات وتسليم الأسلحة الثقيلة للدولة على أن يصبح الجيش والقوى الأمنية هي الوحيدة التي تشرف على الأمن. ولكن السوريين تركوا الجنوب جرحا ناذفا لتدريب حزب الله الساعد الإيراني الذي سيستعملونه في السيطرة على البلد كلما تجرأ أحد على المطالبة بخروجهم. وكان هذا الجهاز يتبع لحليفهم الإيراني الذي سيستعمله ليس فقط للسيطرة داخل لبنان وإنما لتحقيق مشاريعه في المنطقة كلها تحت شعار محاربة اسرائيل وعملائها وتصدير الثورة كمقدمة لتحرير الأرض السليب.
كان اللواء لحد قد ايد اتفاق اللبنانيين في الطائف وعرض على الرئيس الهراوي تسلم جيش لبنان الجنوبي وخروج الاسرائيليين نهائيا من لبنان. ولكن الخطة السورية كانت تطمح لابقاء الجنوب جرحا ناذفا كما حصل في 1978 لكي لا يجتمع اللبنانيون ضدها ويطالبونها بالانسحاب. ولكن بعد حرب الكويت واشتراك دول عربية مع الولايات المتحدة باخراج قوات صدام قرر الرئيس بوش الأب اجراء مفاوضات بين اسرائيل وسوريا ولبنان للتوصل إلى اتفاق بينها واستتباب الأمن عبر الحدود. وقد بدأت مفاوضات مدريد حول هذا الموضوع، حيث صرح الرئيس بري بأنه لا يوجد بين لبنان واسرائيل مشاكل حول الحدود وكل ما في الأمر هو تنفيذ القرار الدولي 425 اي خروج القوات الاسرائيلية من لبنان إلى داخل حدودها الدولية، وهكذا وطيلة فترة التفاوض لم يكن هناك ما يدور بين الوفدين الاسرائيلي واللبناني وكانا ينتظران الاتفاق بين سوريا واسرائيل، ما لم يحصل، ربما لخوف الرئيس الأسد على حكمه من تحرك الداخل السوري، كونه يقمع كل تحرك تحت ستار عملاء العدو، وفي حال انتهت هذه النغمة فلن يقدر أن يواجه الشعب الذي سيطالبه بالتحرر من قيود الحزب الواحد وتحكم المخابرات والأقلية العلوية بالدولة. ولذا فقد تهرّب الوفد السوري من التوصل إلى اي اتفاق. مع أن الاسرائيليين وافقوا على العودة الى الحدود الدولية. ولكن السوريين تمسكوا بحدود 1967 حيث كانت سوريا قد احتلت جزءا من الأراضي الفلسطينية في 1948 كما اشرنا سابقا وأرادت استبقاءها، فتعقدت الأمور لأن بقاء سوريا على الضفة الشرقية للبحيرة يعطيها الحق باستعمال جزء من مياهها ما لم ترضَ به اسرائيل. ولكن الاسرائيليين، وعندما شعروا بأن السوريين غير جديين بالمفاوضات ولكي لا يغيظوا الولايات المتحدة، فتحوا مفاوضات سرية مع عرفات، كونه كان قد وقف مع صدام حسين في غزو الكويت ففقد كل الدعم من الدول العربية. من هنا قبوله باي حل يعيد له موقعا على طاولة القرار. فتوصل الفريقان الفلسطيني والاسرائيلي إلى اتفاق حول مفهوم الادارة المحلية للفلسطينيين وعودة عرفات وجماعته إلى الأراضي الفلسطينية مقابل اعترافهم باسرائيل وترك العمل المسلح والسعي عبر التفاوض لحل شامل لكل الأمور العالقة.
هذا التطور أفقد السوريين كل الأوراق التي كانوا يحاربون من أجلها، فقد قطف عرفات ورقة فلسطين، وهي الشمّاعة الأساسية لسوريا وسبب اصرارها على وضعية الحرب والاحكام العرفية في الداخل السوري، وابتزاز الدول العربية تحت شعار “الصمود والتصدي لمشاريع الهيمنة”. فإذا بهذه تسقط كلها دفعة واحدة ويصبح عرفات مجددا الضيف المعزز والمكرم على موائد العالم ومجالسه، ويخطب في الأمم المتحدة حاملا غصن الزيتون مبشرا بالسلام.
من هنا يفهم المراقبون قبول الرئيس الحريري اعطاء السوريين ما يريدون في لبنان، لأنه كان باعتقاده بأن الحل الشامل هو مع الفلسطينيين وأن سوريا لا بد ستستجيب للتفاوض، وأن السلام سيعم المنطقة، ما سيفيد لبنان فتلغى كل ديونه، ويعود للعب دور الوسيط التجاري بين دول المنطقة. من هنا فهو لم يشدد على اي دور سيادي، معتقدا بأن السوريون لا بد سيلتحقون بقطار السلام. ولكن مخطط السوريين تبدّل ودار باتجاه إيران، فنشط عمل حزب الله ليقوم بأعمال عدوانية تظهره البطل الجديد في الصراع الدائم. ومن هنا نفهم عدم تصدي اسرائيل لهجماته، لكي لا يصبح بطلا قوميا. ولكن سوريا كانت تدفعه في كل مرة لزيادة التعدي، ونشر الافلام الدعائية عن عملياته ضد “العدو الصهيوني” عدو العرب، لكي يكسب تاييدا في العالم العربي يؤثر على الشارع في عواصمها التي كانت لا تزال تعيش حالة من النوستالجية لأيام عبد الناصر و”انتصارات عرفات العالمية”.
من هنا نفهم تصرف اسرائيل أيضا في عملية “الحساب” وعملية “عناقيد الغضب” واللتان كانتا مجرد قصف محدد ودقيق لتجنب الاصابات ما أمكن بين المدنيين. وكانت اذاعة صوت الجنوب التابعة لجيش لبنان الجنوبي تنقل للمستمعين التعليمات عن أماكن القصف المنوي تنفيذه لكي يهرب الأهالي أو يبتعدوا عن مواقع القصف لتقليل الأضرار. بينما كان الحزب يسعى لأكبر قدر من الاصابات ضمن صفوف المدنيين لكي يكبر تاثيره الدعائي. ولذا قرر نصب صواريخه بالقرب من مقر الأمم المتحدة في بلدة قانا حيث كان الأهالي يلتجؤون للحماية. وقد أنذر الاسرائيليون يومها الكتيبة الفيدجية التي يتبع هذا المركز لعناصرها بضرورة أبعاد هذه الصواريخ عن مركزهم وإلا تعرضوا للقصف. وبعدما اشتبك عناصر القوات الدولية مع حزب الله وبالرغم من جرح أحد الجنود الفيجيين، لم يقبل جماعة الحزب بنقل الصواريخ، فاتخذت القيادة الدولية قرارا بنزول عناصرها إلى الملاجئ فور بدء الحزب باطلاق الصواريخ. وما كان من الاسرائيليين إلا أن ردوا على الموقع حيث اصابت إحدى الشظايا قارورة غاز انفجرت لتدمر المطعم الذي كان يختبئ فيه حوالي مئة من أهالي البلدة المدنيين معتقدين بأنهم بحماية الأمم المتحدة. فقتل أغلبهم ما أعطى الحزب حدثا اعلاميا كبيرا استغله بشكل واضح. ولم تبادر الأمم المتحدة لشرح اسباب الحادث كون عناصر المركز لم يعلموا الأهالي عن نية القصف، ولا علّق الاسرائيليون عليه لكي لا يحرجوا الأمم المتحدة. وهكذا كان أبناء قانا المدنيين هم ضحية مخططات الحزب واسياده.
كان أكثر ما أفشل الحكم في لبنان بعد هذه الأحداث تهرّب الرئيس الحريري من تحمل مسؤوليته كرئيس حكومة، وتركه التفاوض يجري بين السوريين والاسرائيليين وحزب الله، وكأن لبنان تخلى عن سيادته على أراضيه، ما جعل هذا الحزب يستفرد بقرارات الحرب والسلم ويعتاد على أن يكون وحده صاحب هكذا قرار.
بعد مقتل رابين رئيس وزراء اسرائيل على يد أحد اليمينيين الذين لم يرق لهم تخليه عن الجولان مقابل السلام مع سوريا. وقد كان رابين يدافع عن وجهة نظره هذه بأن الحروب القادمة لم تعد حروب أرض وتحرك جيوش بل حرب صواريخ وطائرات، ومن هنا فإن الدفاع عن إسرائيل بحلول سلام مع جيرانها، ولو بالتخلي عن الأرض، أفضل بكثير من البقاء دوما في حالة الحرب. ومن هنا قبوله بتسليم الجولان لسوريا، ما لم يفهمه العامة من الاسرائيليين، الذين اعتبر بعضهم بأن التخلي عن الأرض، كما فعل شارون وبيغن مع مصر، ولم يؤدي ذلك السلام إلى سلام حقيقي، لن ينفع، طالما هناك من يضمر لاسرائيل شرا. وأن رابين، الذي وقّع اتفاق مع الحسين ملك الأردن ومع عرفات ويحاول أن يوقع مثله مع سوريا، لن يضمن أمن اسرائيل، خاصة في الجبهة الشمالية حيث المرتفعات.
بعد تغيير الحزب الحاكم في اسرائيل وعودة اليمين إلى الحكم وتسلم باراك رئاسة حزب العمل قام هذا بحملة انتخابية تستند على الخروج من ما اسماه “المستنقع اللبناني” وبأنه مستعد للانسحاب من جانب واحد بدون اتفاق مع الدولة اللبنانية وحتى الحدود الدولية. وأن على لبنان أن يحفظ حدوده وإلا فإن اسرائيل لا تعود ملامة إذا ما تعرضت لأي اعتداء، وهي قادرة على الرد حتى في العاصمة بيروت. وقد كانت هذه الطروحات واضحة يعرفها القاصي والداني. ويوم نجح باراك بالانتخابات حدد شهر حزيران سنة 2000 كحد أقصى لخروج القوات الاسرائيلية من لبنان وعلى الأمم المتحدة والدولة اللبنانية تحمل مسؤولياتها.
لم تبادر الدولة اللبنانية للقيام باي تحضيرات للانسحاب الاسرائيلي ولا هي سعت حتى مع الأمم المتحدة لوضع ترتيبات تظهر عن حسن نيتها تجاه المواطنين اللبنانيين في المنطقة الحدودية أو تجاه جيش لبنان الجنوبي، وهي كانت قادرة على استيعاب عناصره بناء على اتفاق الطائف وتحت مظلة الأمم المتحدة كمرحلة أولى ريثما تعيد تنظيمه واستعماله لحفظ الأمن على الحدود. ولكن السوريين لم يقبلوا باي شكل من التفاوض ولا هم سمحوا حتى لقوات الأمم المتحدة بالقيام باي اتصال أو وعود. وقد شكك السوريون علنية بأن تكون لدى إسرائيل النية الجدية للانسحاب، وتمنوا ألا يحصل كونهم يريدون استمرار الأعمال الحربية التي تعطيهم مجال الادعاء بأنهم يحاربون اسرائيل بواسطة اللبنانيين. وقد جرت محادثات سرية بين الاسرائيليين وحزب الله في السويد بحسب بعض المعلومات الصحفية وذلك لوضع شروط محددة لما بعد مرحلة الانسحاب. كانت مطالب اسرائيل فيها منع التعديات عبر الحدود والتزام حزب الله بحمايتها من أي تجاوزات. وقد ربحت اسرائيل من جراء هذا الوضع بحسب راي حكومة باراك انسحابا سهلا بدون التزامات علنية، وهي وفرت على جيشها كل مخاطر الاشتباكات ومصاريف التواجد داخل لبنان وميزانية كبيرة كانت الحكومة الاسرائيلية ملتزمة بها تجاه سكان المنطقة الحدودية من لبنان. وبالمقابل ربح حزب الله؛ أولا انتصارا اعلاميا بأنه أخرج اسرائيل بالقتال وهي انسحبت بدون شروط حتى الحدود الدولية، وربح ايضا بأنه فكك جيش لبنان الجنوبي الذي كان واجهه بعنف طيلة ما يقارب الخمس عشرة سنة ولو بشكل متقطع وبعمليات منتقاة، وبدون الأخذ بعين الأعتبار تاثير عملياته على السكان المحليين، والتي كان على الجيش الجنوبي أن يأخذها دوما في كل حساباته، فقد تألف من سكان المنطقة وكان ملتزما بأن يؤمن لهم الاستقرار ومجالات العمل وحرية التنقل مع الحماية اللازمة والعبور بين المناطق بأمان وبالممكن من الترتيبات الأمنية. بينما كانت عمليات حزب الله تقوم على استهداف مراكز عبور المدنيين أحيانا، ما ينتج عنها قتل واصابة بعضهم من دون سبب سوى وجودهم على المعابر وانتظارهم للتفتيش والعبور.
كانت خسارة لبنان الدولة من جراء الانسحاب الاسرائيلي كبيرة فهو ولو ربح عودة الامن عبر الحدود وانتهاء عمليات حزب الله العسكرية مؤقتا وفتح المعابر بين المناطق وانتهاء مرحلة القصف والتفجيرات وتهديد المواطنين الدائم بخطرها، إلا أنه خسر سيادته على المنطقة التي انسحبت منها اسرائيل واستبدلها بسيادة منقوصة يهيمن عليها حزب الله ويحدد من يحق له فيها أن يعتبر مواطنا ومن لا، وهو يرسم علاقات الدولة بأبنائها. ومن جهة أخرى فهو يفاخر بأنه حرر الجنوب وأخرج اسرائيل، وهذا عبئ ستحمله الدولة اللبنانية مدة طويلة لم تنته بعد، ولن تستقر الأوضاع في الجنوب كون الدولة لم تنتشر، وكان من انتشر على الحدود هو الحزب، وهو ولو منع أي تعدي عبرها، إلا أنه بقي ميليشيا خارجة عن سلطة الدولة تحتل المنطقة الحدودية وتبقيها قابلة للاشتعال في اي وقت أرادت سيما وأن أوامره تأتي من سلطة بعيدة خارج الحدود هب إيران. وبالرغم من أن الدولة اللبنانية قبلت بترسيم الحدود بينها وبين اسرائيل والتي كان الجيش اللبناني قام في ستينات القرن الماضي بوضع نقاط جودزية على طولها، ومن ثم قامت اسرائيل بعد 1968 بوضع شريط مجهز بوسائل مراقبة الكترونية عليها، إلا أن حزب الله أخترع قضية مزارع شبعا لابقاء سلاحه وتدريب عناصره وفرض سلطته على الدولة. من هنا كان لبنان الذي قبل مرة أخرى بأن يفاوض عنه حزب الله والسوريين، قد خسر تفرّد الدولة بالسيادة على أرضها والسيطرة على كل الأسلحة وبالتالي منع الفوضى والتهديد واستتباب الأمن.
أما في الجانب الاسرائيلي فقد ربح باراك رئيس الوزراء انسحابا سريعا بدون مشاكل صحيح، ووفر على دولة اسرائيل موازنة كبيرة وعلى جيشها عمليات ومهمات متواصلة، وأمن بوجود حزب الله عدم التعدي عبر الحدود والسيطرة على عمل المنظمات الفلسطينية المتبقية داخل لبنان، والتي لا تعمل بدون الأوامر السورية، صحيح، ولكنه في نفس الوقت تسبب بعمليات داخل اسرائيل قام بها الفلسطينيون الذين اعتبروا أن نجاح حزب الله، ولو اعلاميا، في دفع اسرائيل إلى الخروج من لبنان بدون اتفاق مع الدولة، هو مثال يحتزى، وأن العمليات الانتحارية والتفجيرات داخل اسرائيل ستعطيهم نجاحا وتفرض اتفاق على الاسرائيليين وتلبية مطالبهم. ومن هنا فقد قامت موجة من التفجيرات داخل اسرائيل وموجة من الرفض في الشارع العربي، ولم يعد عرفات وخطه السلمي مقبولا بل كان يجب عليه العودة إلى أعمال العنف. ومن هنا صعود نجم حماس وعودة الانقسام في الداخل الفلسطيني وموجات التفجير المتلاحقة وما تبع ذلك من انقسام بين غزة والضفة.
وفي لبنان هلل الجميع لحزب الله وأعطي صورة المقاوم الوطني، ولم يعد أحد يرى فيه ذلك المنغلق العائد من الازمنة الغابرة في عقيدته وتصرفاته وفرضه الحجاب واقامته لدولة بكل أجهزتها خارج الدولة اللبنانية تفرض ما تريد ساعة تشاء، ومن هنا بدأ الرئيس الحريري وغيره من اللبنانيين يشعرون بأن وحش الارهاب والتزمت والتخلف عاد لينمو داخل المجتمع اللبناني، وهذه المرة مدعوما، ليس فقط من سوريا، بل وايضا من دولة اقليمية كبيرة ليست واحدة من الدول العربية. فهم حاولوا تصوير الخلاف بين اللبنانيين بأنه خلاف حول عروبتهم أو تميزهم عن هذه العروبة، وإذا بهؤلاء يفتحون ابوابا جديدة ويأتمرون بالولي الفقيه، الذي من جملة مطامعه محاربة العرب وتقسيم دولهم والسيطرة عليها. فهل هذا ما كان يرمي إليه باراك باعطائه دعما لحزب الله لكي يصبح الخط الفارسي عدو العرب التاريخي واقعا ومرتجى في أذهان الكثيرين من سكان الدول العربية النفطية من العراق إلى اليمن؟ أم أنه لم يتنبه أيضا إلى أي مدى ستندفع الأمور؟ فإذا كان رابين دفع حياته من أجل السلام مع سوريا بعد أن قبل بمصافحة عرفات ونسيان ماضيه العنيف، وقلب الصفحة من أجل التوصل إلى سلام حقيقي ودائم مع الفلسطينيين ينهي الصراع الطويل في الشرق الأوسط ويوعد بمرحلة جديدة من الاستقرار والتعاون بين الدول، فإن باراك بدعمه لمشروع حزب الله، نتاج الخمينية التي تحلم بأمبراطورية قمبيز وكسرى وبالسيطرة على الشرق الأوسط، من تركيا حتى اليمن ومن افغانستان حتى مصر والبحر المتوسط، قد وضع أساس المرحلة القادمة من الصراع خارج الحدود وتحويل المنطقة إلى برميل من المتفجرات التي تنتظر الشرارة، وها هي تلك الشرارة تنطلق من جنوب لبنان وعبر حزب الله إلى كل البلاد العربية، ومن ثم عبر الجاليات اللبنانية إلى دول بعيدة يخطط نظام الملالي أن يقيم فيها خلاياه التخريبية للاستعمال متى ظهرت الحاجة.
بعد الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان توفي الرئيس الأسد وانتخب ابنه الدكتور بشار الأسد، والذي كان استدعي من لندن بعد مقتل أخيه باسل، رئيسا لسوريا. وفي لبنان كانت التحركات السياسية قد بدأت للمطالبة بخروج القوات السورية كونه لم يعد هناك من مبرر لوجودها سيما وأن اتفاق الطائف ينص على البدء بأعادة الانتشار منذ تاريخ العمل بالاتفاق. وكان البطريرك صفير قام بزيارة مصالحة إلى الشوف محاولا اعادة المهجرين ونسيان الماضي الأليم ومن ثم قامت الحركات الطلابية بالمطالبة بخروج السوريين فتعرضت للقمع عدة مرات. وفي نيسان 2001 كان قد نشأ بمباركة صاحب الغبطة تجمع قرنة شهوان الذي يطالب من ضمن مشروعه السياسي بخروج القوات السورية وانتشار الجيش على كامل الأراضي اللبنانية. وقد بدأ فيما بعد تجمع أوسع أطلق عليه تجمع البريستول ضم عددا أكبر من السياسيين لتوحيد الراي حول استعادة السيادة الكاملة وخروج السوريين مشكورين.