الحلقة التاسعة من كتاب الكولونيل شربل بركات الجديد: “لبنان الذي نهوى”: عناوين حلقة اليوم/التدهور في الجنوب مجدداً/خسارة شرق صيدا والانسحاب الاسرائيلي حتى الحدود

312

الحلقة التاسعة من كتاب الكولونيل شربل بركات الجديد: “لبنان الذي نهوى”… بحث سياسي لمرحلة المئة عام من تاريخ لبنان الكبير

08 أيلول/2021

عناوين حلقة اليوم
*التدهور في الجنوب مجددا
*خسارة شرق صيدا والانسحاب الاسرائيلي حتى الحدود

في أسفل روابط الحلقات السابقة
أضغط هنا لقراءة الحلقة الأولى من كتاب الكولونيل شربل بركات الجديد: “لبنان الذي نهوى”

أضغط هنا لقراءة الحلقة الثانية من كتاب الكولونيل شربل بركات الجديد: “لبنان الذي نهوى”

أضغط هنا لقراءة الحلقة الثالثة من كتاب الكولونيل شربل بركات الجديد: “لبنان الذي نهوى”

أضغط هنا لقراءة الحلقة الرابعة من كتاب الكولونيل شربل بركات الجديد: “لبنان الذي نهوى”

أضغط هنا لقراءة الحلقة الخامسة من كتاب الكولونيل شربل بركات الجديد: “لبنان الذي نهوى”

أضغط هنا لقراءة الحلقة السادسة من كتاب الكولونيل شربل بركات الجديد: “لبنان الذي نهوى”

أضغط هنا لقراءة الحلقة السابعة من كتاب الكولونيل شربل بركات الجديد: “لبنان الذي نهوى”

أضغط هنا لقراءة الحلقة الثامنة من كتاب الكولونيل شربل بركات الجديد: “لبنان الذي نهوى”

 

التدهور في الجنوب مجددا
كان الاسرائيليون وبعد الانسحاب إلى الأولي قد اقاموا مراكزهم جنوب هذا النهر وبقيت مناطق المشرف والدامور جنوبا حتى نهر الأولي تتبع للجيش اللبناني والقوات اللبنانية. وكانت القوات تنتشر في منطقة شرق صيدا حتى جزين وقد انضم الأهالي إلى هذه القوات لتنظيم الدفاع عن مناطقهم بعد انسحاب الاسرائيليين. وكان اللواء لحد يحاول تنظيم جيش قادر على الدفاع عن المناطق الجنوبية التي تخاف من الفوضى وعودة جماعة سوريا، ومن هنا كان التنافس مع القوات اللبنانية حول المتطوعين للدفاع عن منطقتهم.
كانت القوات اللبنانية تعتبر قوات مسيحية لها تاريخ من النضال بالدفاع عن مناطق كانت محاصرة من قبل المنظمات ومجموعة الأحزاب التابعة للسوريين بينما لم يستطع الجيش والذي لا يمكنه أن يكون من لون واحد أن يشكل أملا كبيرا للصمود أمام هجمات الميليشيات المتطرفة، كان هذا هو الطرح الذي واجهه الجيش الجنوبي عند محاولة طلب متطوعين من هذه القرى لتشكيل قوة لحمايتها عند انسحاب الاسرائيليين ما يضمن بقاء السكان من جهة وعدم تعرضهم للتهجير كما حصل في الجبل.
كان حلم الرائد حداد أن يصل إلى منطقة جزين وشرق صيدا حيث يصبح اقرب إلى الجبل الذي كان يحلم أن يتعاون مع الدروز فيه لتأمين اتصال بين المناطق وقطع الطريق على تدخل سوريا في لبنان بمنع عناصرها من العبور من البقاع نحو الساحل كمقدمة لتحرير كل الأرض اللبنانية. ويوم جرت مجازر الشوف والحقد الذي نتج عنها بين المسيحيين والدروز الذين يجب أن يشكلوا برأيه دعامة لبنان بقطع الطريق على أعدائه أنقلب حلمه إلى يأس جعله يفقد لذة الحياة فعجل برحيله.
كانت مناطق جزين وشرق صيدا قادرة على تأمين عدد من المتطوعين لتنظيم كتيبة اضافية من الجيش، يمكنه بمساعدة الأهالي الموالين عند الضرورة، أن يحمي هذه المناطق ريثما تتم عودة التفاهم مع بقية القوى المحلية من حوله، كون حركة أمل في منطقة اقليم التفاح لم تكن تعتبر معادية، وإذا ما تفهم أهالي صيدا لأهمية ضبط المسلحين الفلسطينيين، يمكن التوصل إلى وضع مستقر يعيد اللحمة بين اللبنانيين خاصة وأن الاسرائيليين يتحضرون للخروج من لبنان. فإذن ضبط الحدود وتسلم الجيش الجنوبي مداخل المنطقة لمنع جماعة سوريا من العودة إليها، يمكن أن يسهم باستقرار الأوضاع بانتظار التفاهم بين اللبنانيين وعودة سلطة الدولة.
كان تسلم جيش لبنان الجنوبي مداخل الجنوب عند انسحاب الأسرائيليين، أي معبر الأولي والتلال المشرفة على الوادي شرق صيدا وحتى جزين، يمنحه القدرة على ضبط الأمن في الجنوب اي عدم السماح بعودة المسلحين والسلاح الثقيل إلى المناطق جنوب هذا النهر. وهو بمساعدة جماعة أمل قادر أن يؤمن استقرار في المناطق الشيعية بدون أن يتدخل مباشرة إلا في حال طلب المساندة. بينما تكون مدينة صيدا المعزولة عن التدخل السوري المباشر وتحت سيطرة قوى محلية من أبنائها بقيادة مصطفى سعد، الذي كان يسعى إلى عودة الاستقرار بانتظار الدولة ولا يرغب بسيطرة الفلسطينيين، تكون هذه مدينة مفتوحة للجميع وقادرة على استعادة دورها كعاصمة الجنوب. بينما يبقى الشوف تحت سيطرة محلية من الدروز الذين أبقوا على اتصال مع الاسرائيليين من خلال مناطق سيطرة الجيش الجنوبي في جزين وجيل الريحان حتى منطقة حاصبيا الدرزية والتي يعتبر سكانها من مؤيدي الجيش الجنوبي والعاملين ضمن قواته. وفي هذه الخطة كان للقوات اللبنانية المحلية دور تنسيق مع الجيش الجنوبي ومساندة الأهالي لحماية القرى المسيحية في مناطق الزهراني وشرق صيدا واقليم الخروب من أعمال تخريب أو تسلل كما هو الحال مع عناصر امل في القرى الشيعية وجماعة معروف سعد في صيدا. ولكن يجب أن تقبل هذه القوى بأن الأمن الخارجي هو مسؤولية الجيش الحنوبي والتنسيق مع الجيش الاسرائيلي أي القوة الأكبر في المنطقة حتى اشعار آخر، يتم عبره.
نقطتان اساسيتان لم تسمحا بتنفيذ هذا التصور؛ من جهة الصديق كان اصرار القوات اللبنانية، بضغط من الرئيس على ما يبدو، على أخذ دور الجيش الجنوبي وعدم تخليها عن الدور الدفاعي لصالحه، وبالرغم من الخسارة التي تعرضت لها في الجبل ومنطقة الشحار الغربي، ما قلّص عدد المتطوعين في الجيش الجنوبي وبالتالي قدرة هذا الجيش على الانتشار وتأمين الدفاع عن المنطقة بشكل جدي. والنقطة الثانية من قبل الأعداء وكانت بمحاولة قتل معروف سعد في صيدا بالانفجار الذي طاله فور انسحاب الاسرائيليين لاثارة الراي العام وتحويل صيدا إلى مركز معادي لا بل رأس الحربة في عودة سيطرة جماعة سوريا وتفشيل مخطط الأستقرار الذي كان اللواء لحد وجيش لبنان الجنوبي يسعيان له.
أما الحدث الثالث فكان تحرك جماعة أيران ممن سيطلق عليهم لاحقا اسم “حزب الله” من الضاحية الجنوبية باتجاه صيدا بموكب كبير من السيارات واحراقهم للعلم اللبناني في المدينة فور خروج الاسرائيليين ومباشرة بعد زيارة رئيس الجمهورية لها. وقد كان الرئيس يهدف بزيارته هذه اعطاء اشارة لعودة سلطة الدولة إلى صيدا بينما ما فعله جماعة ايران كان رفض هذه الدولة وسلطتها وافهام الرئيس الجميل بأنه لن تكون له اي سلطة في الجنوب.
كان الجيش الجنوبي وعندما لم يتمكن من انشاء كتيبة محلية لحماية منطقة شرق صيدا قد أعاد انتشاره ليشمل منطقة جزين، ابتداء من تلة المشنقة إلى الشرق من كفرفالوس باتجاه جبل نيحا الذي يشكل مدخل الشوف. وكان للجيش الجنوبي في البقاع ايضا تصور لمساندة السكان ومنع تهجير المسيحيين يقوم على أبقاء ثكنة عسكرية في مشغرا من سكان البقاع الغربي الذين كانوا يتبعون القوات اللبنانية وينسقون مع الجيش الجنوبي، وذلك لتمكينهم من البقاء بالقرب من قرى المنطقة وتأمين نوع من الاستقرار فيها ومنع تعرض أهلها للتهجير. وقد تم انشاء مقر لهذه الوحدة في المدرسة المهنية في مشغرا حيث يمكن تأمين المساعدة والاتصال بالجيش الجنوبي في منطقة الريحان عن طريق عين التينة ميفدون الصريرة. ولكن مرة أخرى كان التهرب من الارتباط بالجيش الجنوبي من قبل من يسكن القصر سببا لاقناع هؤلاء على الانسحاب إلى بيروت بدل مشغرا وقطع أي ارتباط بالجيش الجنوبي ما جعل هذه المنطقة تقع مباشرة تحت السيطرة السورية. وفيما بعد شكلت هذه المنطقة المعبر لجماعة إيران من البقاع أي منطقة القوات السورية إلى الجنوب حيث كانت تسيطر حركة أمل في القرى الشيعية، وهذا ما سيغير لاحقا التوازن ويسمح بانتشار هذا الحزب وهيمنته على الجنوب بعد البقاع.

 

خسارة شرق صيدا والانسحاب الاسرائيلي حتى الحدود
في أثناء التحضير للانسحاب الاسرائيلي من صيدا ومنطقة الأولي قامت حركة تصحيحية في القوات اللبنانية بقيادة حبيقة ومساندة جعجع انهت قيادة فؤاد أبو ناضر للقوات اللبنانية والذي كان يعتبر بسبب صلة القرابة التي تربطه بالرئيس بأنه يماشي سياسته الفاشلة والتي خسرت اللبنانيين فرصة تاريخية لا تتكرر بسهولة. وكانت هذه الحركة تهدف لتقليص سلطة الرئيس في المناطق المسيحية بعد أن انتهت في المناطق الغربية من العاصمة بفقدانه السيطرة على وحدات الجيش وانسحاب القوات المتعددة الجنسية من لبنان.
كان الجيش الحنوبي قد انسحب من منطقة شرق صيدا كما قلنا وأعاد تمركزه في منطقة جزين ما اضطر القوات اللبنانية لأن تتحمل مسؤولية الدفاع عن القرى المسيحية في منطقة شرق صيدا فور خروج الاسرائيليين. ومن جهة أخرى فقد قرر الرئيس الجميل انشاء لواء عسكري جديد بأغلبية سنية هو اللواء الثاني عشر لارساله إلى صيدا كي يتحمل مسؤولية الأمن فيها وعدم تعريض المواطنين للتهجير كما حصل في الجبل. ولكن ما أن انسحب الاسرائيليون من صيدا ومنطقة جزين حتى أعلنت القوات القبول بتسليم اللواء الثاني عشر مهمة الأمن في المنطقة ما لم تكن قبلت به مع الجيش الجنوبي سابقا، ومن ثم انسحب مقاتلوها بحرا باتجاه بيروت تاركين الطريق مفتوحا لجماعة شعبان الطرابلسية وغيرها من جماعات الرفض للدخول إلى المدينة. ولم يبقى في قرى شرق صيدا سوى الأهالي الذين لم يكن لهم الخبرة القتالية أو التنظيمية الكافية لتحمل مسؤولية الدفاع عن قراهم. ولذا، وعندما تشرزم اللواء الثاني عشر تحت الشعارات الطائفية، ما كان من هؤلاء إلا الهرب باتجاه مواقع الجيش الجنوبي الذي اضطر إلى القتال للدفاع عن المنطقة ووقف تقدم المجموعات المعادية.
كان الاسرائيليون قد انسحبوا إلى جبل الريحان ولم يعد لهم أي تواجد في منطقة صيدا أو جزين ومن هنا كان الجيش الجنوبي قد أصبح هو القوة الوحيدة التي تحمي المنطقة وتؤمن سلامة السكان والاستقرار فيها.
وبعد قتال عنيف أثبت الجيش الجنوبي قدرته على الصمود أمام هجمات هذه الجماعات المسلحة وتلقينها درسا، ما فرض حدودا جديدة ساهمت بحماية منطقة جزين، ومن ثم عودة فتح طريق الجبل لمرور المدنيين باتجاه الداخل اللبناني. وبسبب تواجده في منطقة جزين اضطر الجيش الجنوبي على اقامة مراكز لحمايتها من التسلل والعمليات الحربية على حدودها وبينها وبين منطقة مرجعيون ولذا كان عليه البقاء في جبل الريحان وتلال النبي طاهر شرق النبطية لحماية خطوط امداده وتحركه. وبسبب قلة السكان وعدد القرى في منطقة الريحان كان الدفاع عن هذه المسافة الطويلة من خطوط الامداد مهمة شاقة ولكنها نفذت بكل أمانة ودقة طيلة وجود الجيش الجنوبي في منطقة جزين أي حوالي خمس عشرة سنة.
خلال هذه التحركات العسكرية حصل تهجير لسكان شرق صيدا وسكان القرى المسيحية في الأقليم حيث أفرغت هذه القرى من سكانها الذين هربوا باتجاه المنطقة الحدودية ومنطقة جزين تاركين خلفهم شقاء العمر وتراب الأجداد.
وفي الضاحية الجنوبية لبيروت أعلن عن قيام “حزب الله” كتنظيم شيعي متطرف يسير بارشادات “الولي الفقيه” في أيران ويعتبر وحدة من وحدات الحرس الثوري الإيراني ويسعى إلى اقامة الجمهورية الاسلامية في لبنان على غرار النظام الإيراني الجديد.
أول عمليات هذا الحرب كانت السيطرة على ضاحية بيروت الجنوبية وفرض نفسه كلاعب جديد على الساحة المحلية يختلف عن سائر اللاعبين ويتميز بالعمليات الانتحارية التي كانت عمليتا المارينز والمظليين الفرنسيين وبعدهما عملية صور ضد مركز حرس الحدود الاسرائيلي الذي يتألف بغالبيته من الجنود الدروز هي النقاط التي فاخر فيها. وقد حاول بعدها الاستفراد بما سماه عمليات المقاومة والتي كان اليساريون يعتقدون بأن لهم فيها بعض الفضل. ثم ميز نفسه عن بقية القوى الشيعية من حركة أمل واللواء السادس بأنه أطهر نوعا من الانضباط بالتعليمات السورية الإيرانية والبعد عن السعي للمكتسبات المادية كونه أصبح تنظيما تابعا لإيران حتى بالرواتب والمصارفات ولا هم له سوى تجنيد ما أمكن والتشديد على نشر الفكر الخميني والالتزام الديني والثقافي يقواعد :الثورة الخمينية” في المظهر والهدف والتصرف.
بدأ حزب الله هذا منذ الاعلان عن نشوئه بالقيام بعمليات استعراضية لمظاهر القوة عنده والتي استعمل فيها اختصاصه بالعمليات الانتحارية وخاصة السيارات المفخخة والتي بدأت تجوب المناطق وليس فقط ضد الاسرائيليين ومن هنا شهدت المناطق الشرقية والغربية من بيروت عودة التوتر بانفجار السيارات المفخخة التي ترعاها الماكينة السورية بالاشتراك مع حلفائهم الايرانيين. وكانت الضاحية الجنوبية هي مركز اعداد السيارات المفخخة وتوزيعها حول العاصمة لاحداث جو من الفوضى والقلق والتحسب بين اللبنانيين ما يجر إلى عودة الانقسامات والتباغض الذي ينتج عن أجواء الحقد والفوضى التي تدعمها الشائعات من قبل مخبري النظام السوري بعد كل تفجير.
إذا كان هدف النظام السوري الغاء نتائج دخول الاسرائيليين وازاحة عرفات ومنظماته، ما كان سمح بعودة التواصل بين اللبنانيين خاصة في بيروت، والعودة بهم إلى أجواء العنف والتقاتل، منذ عملية قتل الرئيس بشير الجميل، إلى تضخيم عملية المخيمات، ومن ثم حرب الجبل والشحار، وصولا إلى فصل العاصمة مجددا بين شرقية وغربية، ومن ثم عودة الخوف اليومي على حياة المواطنين في كل لبنان، لتهجير ما أمكن واعادة إخضاع من تبقى لسلطة الوصاية، والظهور بمظهر الشعب الغير قادر على حكم ذاته أو على اقامة نظام ودولة ترعى شؤونه، وبالتالي لا يمكن تعليمه أصول ادارة البلاد، كما حصل بعد 1920 مع الانتداب الفرنسي، ولا بد للعالم أن يسلّمه مجددا لسفاح اعتاد التعامل مع مشاكل مثل هذه ويعرف كيف يديرها. وهكذا يمكننا أن نفهم اصرار السوريين على نشر العنف في كل لبنان وتهرّب العالم من المواجهة لمساعدة اللبنانيين.
في هذه الأجواء كانت الحروب تجري، ليس فقط بين جماعة سوريا والجانب المعارض لها، بل وايضا بين الأفرقاء التابعين لها، فتقوم هي بضرب عرفات العائد إلى طرابلس وانهاء منافسته، ومن ثم تبدأ حروب بيروت الغربية، من حرب المخيمات إلى حرب العلم وغيرها، مما يفقد الساحة من الزعماء القادرين على التحكم بالأرض من جهة، والذين لا يمكن ضبط تصرفاتهم إلا بأوامر دمشق وقواتها، وخاصة فروع المخابرات التي تعود للانتشار بين الأحياء شيئا فشيئا من جهة أخرى. وفي هذه المعمعة تبعد دمشق حليفها الجديد “حزب الله” عن ساحة التقاتل الداخلي لتبقي له صورة “المقاوم” للعدو الاسرائيلي.
كان خوف سوريا من جماعة أمل الذين تعاونوا مع اسرائيل كبيرا لأنه يفقدها السيطرة على الساحة الشيعية، ومن هنا يجب التخلص منهم، وهذا ما جرى من ضمن سلسلة الاغتيالات حيث أسقطت الرموز الكبرى من المتعاونين ليهرب البقية ويلتجؤون عند حزب الله أو الجيش الجنوبي. وهكذا كانت سيطرة السوريين تتقدم بخطى حثيثة بين 1984 و1988 حيث سادت أجواء العنف الذي كاد اللبنانيون أن ينسوه في الفترة السابقة.
كان خروج عرفات ومنظماته من لبنان قد أفقد البنوك اللبنانية ودائع مصرفية كبيرة كانت تدفعها الدول العربية لجماعة عرفات وتصب كلها ضمن النظام المالي اللبناني، ويوم خرج وجماعته من لبنان توقف ضخ هذه الأموال، ما جعل الاقتصاد اللبناني يتعرض لنكسة زادتها حدة عودة أجواء التوتر والعنف، ما جعل الليرة اللبنانية، والتي لم تفقد قيمتها طيلة الأحداث، تبدأ بالانخفاض، ويعرف اللبنانيون موجة عدم استقرار مالي إضافة إلى عدم الاستقرار الأمني والسياسي.
بعد استقرار الوضع العسكري في الجنوب وتركز الحدود وتنظيم الأمور والمواقع، صدر البيان الأول لحزب الله في 16 شباط 1985 كما اشرنا سابقا، والذي أعلن التزامه بأوامر “الولي الفقيه” ومحاربته “الأميركيين والفرنسيين وحلفائهم ووضع حد لأي كيان استعماري على أرضنا” وسعيه “لتقديم الكتائب لسلطة العدالة بسبب الجرائم التي ارتكبوها ضد المسلمين، والدعوة إلى اختيار حكومة اسلامية”. ثم بدأ حزب الله هذا بالقيام بعمليات استعراضية منها؛ أختطاف طائرة تي دبليو آي TWA حيث ظهر نجم عماد مغنية لأول مرة حين قتل بدم بارد راكبا أميركيا وألقى جثته على أرض مطار بيروت. ومن ثم بدأت عمليات السيارات المفخخة على حواجز المنطقة التي زادت من معاناة المدنيين العابرين بين المناطق كون الإجراءات على الحواجز أصبحت تزداد تعقيدا، ما دفع المواطنين إلى عدم التنقل بينها بصورة طبيعية، وخاصة بين مناطق سيطرة الجيش الجنوبي وغيرها من أنحاء الوطن، وكانت كل عملية مهما صغر تأثيرها تعتبر حدثا مهما يدفع الاعلام إلى الكلام عنه ويصور بأنه عملية “نوعية” ضد اسرائيل، وهي جزء من “المقاومة” التي يختص حزب الله بها منفردا. فقد عرف السوريون منذ أن فرضوا على الرئيس الجميل اسقاط اتفاق 17 ايار، بأن اسرائيل لن تقبل بحرب استنزاف لقواتها في لبنان، وبالتالي فقرارها الانسحاب عاجلا أم آجلا، وتقوم الخطة السورية على ابطاء هذا الانسحاب ما أمكن، لاستعماله كعلّاقة لكل مشاريعها في لبنان، تحت شعار محاربة العدو و”تحرير” الأرض.
من هنا وبعد أن تأكد حبيقة رئيس اللجنة التنفيذية لقيادة القوات اللبنانية الجديدة بأن اسرائيل منسحبة من لبنان وبالرغم من أنه قام بفتح مكتب في القدس بصلاحيات ما يشبه سفارة لبنانية هناك، إلا أن هذه الخطوة جاءت متأخرة ولم تؤدي إلى تحسين العلاقات بين القوات اللبنانية وأسرائيل. ومن هنا توجه حبيقة لاجراء محادثات مع جنبلاط وبري باشراف سوري انتهت بما سمي بالاتفاق الثلاثي الذي وقع في 28 كانون الأول 1985 ولكنه لم يرضي الجميع ما أدى إلى قيام جعجع بانتفاضته وطرد حبيقة من بيروت الشرقية في 15 كانون الثاني 1986 وشرزمة القوات اللبنانية مجددا. ويقول اللواء لحد بأن حبيقة سأل الاسرائيليين عن معارضتهم لهذا الاتفاق أثناء المباحثات بينه وبين بري وجنبلاط، وكان جواب الاسرائيليين اعمل ما تراه مناسبا ملصلحة لبنان ولا يهمك راينا لأن اسرائيل قادرة على الدفاع عن نفسها، ما بدى وكأنه التخلي النهائي عن كل علاقة كانت تربط القوات اللبنانية باسرائيل.
وهكذا، كانت سوريا تكمل اطباقها على الوضع اللبناني والعودة إلى ما قبل حزيران 1982. فبعد تفريغ رئاسة الجميل من قوتها وعودة سيطرة جماعات سوريا على بيروت الغربية مع التبديل الطفيف بين عرفات وحزب الله، وبعد الشرخ الذي توصلت لاقامته بين ألوية الجيش وسيطرتها المباشرة على طرابلس، وبعد افتراق القوات اللبنانية عن حليفها الاسرائيلي بشكل كامل، عادت للقبض مجددا على كل الأوراق في لبنان. وكما استُعمل عرفات ومنظماته لضرب الاستقرار في البلد (منذ اتفاق القاهرة 1969 وما بعدها) والتعلق بسوريا لضبط الفوضى، جاء هذا الجهاز الجديد المسمى “حزب الله”، والذي جُيّر إلى الحرس الثوري الإيراني للتدريب والأدلجة وتفريق اللبنانيين بشكل عامودي وخلق شرخ كبير في كيان الوطن وتساوي المواطنين وتعاونهم، ليكون الوسيلة المثلى لاعادة نشر الفوضى وتفتيت ما تبقى من التجانس والتكامل بين اللبنانيين. وقد مزّق صورتهم الجميلة في أذهان الشعوب، خاصة الغربية منها والعربية التي تعرّفت عليهم عن قرب إن في المدارس والتعليم أو في العمل بالمشاريع العمرانية الكثيرة، وكانت تشعر بأن هؤلاء اللبنانيين هم رأس الجسر الحضاري بين الشرق والغرب. ولذا كان الاعتماد على هذا الحزب والتصميم على جعله يسيطر، أولا على الطائفة الشيعية، وثم من خلالها يمكن أن يكون حصان طروادة في تفتيت الكيان اللبناني والحاقة بسوريا الأسد، وهي التي يدغدغها حلم البعث والسيطرة على الدول الجارة. سيما وأن الحرب الدائرة بين العراق وإيران كانت حامية الوطيس إتخذ فيها السوريون موقفا معاديا لزميلهم بعث العراق، معتقدين بأن الإيرانيين سوف يقومون عنهم “بالعمل الوسخ” ومن ثم يعودون هم ليحكموا ما تبقى من العراق بعد انهاكه والانتهاء من السيطرة المتجددة على لبنان.
بعد أن أمن السوريون سيطرتهم على الأوضاع الداخلية في لبنان وعلى ضعف الرئيس الجميل وحكمه وعلى تحكمهم بسائر المجموعات الخائفة مجددا على المصير، وبعد أن ضمنوا الهاء مخابرات الدولة اللبنانية بأمور حول بيروت وعدم اكتراث الحكم في لبنان بما يجري في الجنوب، بدأت عمليات استعراضية لحزب الله ضد جيش لبنان الجنوبي. وكانت هذه تقوم على اعداد عناصر تتدرب في البقاع على العملية ومن ثم تستقدم في نفس الليلة التي ستتم فيها العملية إلى مناطق قريبة من مواقع الجنوبي حيث يدفع بأعداد كبيرة تفوق عدد المدافعين بعشر مرات ما يؤمن غزارة نيران تتكفل بالسيطرة على الموقع لدقائق كافية لأخذ بعض الصور المهمة كثيرا في عملية الانتصار المعنوي على “العدو الصهيوني” والنضال الأعلامي الذي يتباهى به هذا الحزب وأسياده.
ثم انتقل دور هؤلاء إلى عمليات اختطاف رهائن غربيين للضغط على الحكومات لاعطاء إيران بعض ما تحتاجه في حربها ضد العراق وكانت هذه في وضع لا تحسد عليه في سنوات 1987 و1988. في تلك الفترة قام الحزب، وبعد سلسلة عمليات ضد الجيش الجنوبي خسر فيها عددا كبيرا من عناصر النخبة لديه، باختطاف الكولونيل الأميركي هيجنز رئيس فريق المراقبين الدوليين في لبنان UNTSO والذي كان يسعى لتنسيق انسحاب جيش لبنان الجنوبي من مرتفعات “الحقبان” التي تشرف على قرى ياطر وكفرا في مقابل تعهد حركة أمل بعدم السماح بمهاجمة قرى صربين وبيت ليف الواقعة ضمن المنطقة الحدودية والسماح لأبناء القرى تلك من الجانبين بالعمل في أراضيهم التي تركت منذ عدة سنوات بسبب خطورة موقعها. وكان مسؤول حركة أمل في صور يومها عبد المجيد صالح ينسق هذا الموضوع مع الكولونيل هيجنز الذي توصل لاقناع الجيش الجنوبي بالانسحاب من الحقبان. ولكن ما جرى بعدها من رد حزب الله باختطاف الكولونيل هيجنز وقتله جعل حركة أمل، وأثناء عمليات المداهمة والتفتيش التي قامت بها بمساندة قوات اليونيفيل ضد جماعة حزب الله، تتمكن من طرده من كل الجنوب. من هنا خيم الاستقرار في المنطقة الجنوبية وعاد الهدوء يسيطر على الوضع لمدة طويلة قام خلالها حزب الله هذا، وبعد خسارته لأي علاقة بالجنوب، بمسلسل من الخطف ضد الرعايا الأجانب في بيروت ما أفرغ العاصمة من الصحافيين والأساتدة الجامعيين وحتى بعض الديبلوماسيين. وكانت سوريا بالطبع هي من سيقطف نتائج هذه التصرفات العشوائية وتستعيد نوع من العلاقة المخابراتية مع دول الغرب.

الصور من اليمين/عقل هاشم/سعد حداد/عقل هاشم وانطوان لحد/طفل يبكي ابيه قتل بحروب حزب الله/لوكو حزب الله مع صورة نصرالله.