الحلقة الخامسة من كتاب الكولونيل شربل بركات الجديد: “لبنان الذي نهوى”/عناوين حلقة اليوم: لبنان خلال حرب1975/التمدد الفلسطيني وصمود اللبنانيين

391

الحلقة الخامسة من كتاب الكولونيل شربل بركات الجديد: “لبنان الذي نهوى”… بحث سياسي لمرحلة المئة عام من تاريخ لبنان الكبير

عناوين حلقة اليوم
*لبنان خلال حرب 1975
*التمدد الفلسطيني وصمود اللبنانيين

04 أيلول/2021

أضغط هنا لقراءة الحلقة الأولى من كتاب الكولونيل شربل بركات الجديد: “لبنان الذي نهوى”

أضغط هنا لقراءة الحلقة الثانية من كتاب الكولونيل شربل بركات الجديد: “لبنان الذي نهوى”

أضغط هنا لقراءة الحلقة الثالثة من كتاب الكولونيل شربل بركات الجديد: “لبنان الذي نهوى”

أضغط هنا لقراءة الحلقة الرابعة من كتاب الكولونيل شربل بركات الجديد: “لبنان الذي نهوى”

 

لبنان خلال حرب 1975
بعد عملية الجيش ضد الفلسطينيين في ايار 1973 بدأ العد العكسي للاستقرار في البلد، وبدأ الكل يتحضر للأسواء. من هنا قامت الاحزاب المسيحية بتدريب عناصرها على القتال أسوة بالفلسطينيين والاحزاب اليسارية. وصار للحزب الاشتراكي قيادة عسكرية تنسق مع عرفات، ولحركة أمل قيادة عسكرية تحاول اثبات وجودها ضمن اللعبة، بينما كانت الاحزاب اليسارية الأخرى كالحزب الشيوعي ومشتقاته تعتبر الثورة الفلسطينية هي مرجعها، وتنتظر قيامها بالسيطرة على البلد كونها تتبنى الخط اليساري العالمي، بينما تأتمر أحزاب البعث بقياداتها في سوريا والعراق المؤيدة لأعمال المنظمات. وكان لا بد للأحزاب اليمينية بأن تساند الجيش، ولكنها لم تجد مصادر للتسلح، فأذا بها تدرب عناصرها على استخدام السلاح لتكون عونا للجيش كتلك الوحدات التي سميت بالانصار والتي كان نظمها الجيش في الجنوب.
إذا عشية بدء العمليات العسكرية في 13 نيسان 1975 كان الوضع كالتالي: المنظمات الفلسطينية مع الأحزاب اليسارية، كالشيوعيين والبعث بشقيه السوري والعراقي والناصريين والقوميين يسيطرون على بيروت الغربية وعلى طريق الجنوب وفي كافة المخيمات الفلسطينية المدججة بالأسلحة، بينما يسيطر الحزب الاشتراكي على قرى الشوف بالتنسيق مع المنظمات، وتسيطر حركة أمل في بعض مناطق البقاع خاصة مناطق العشائر، أما في طرابلس فقد كانت حركة فاروق المقدم تسيطر على الأحياء الداخلية من المدينة وتنسق مع جماعات المنطمات. وفي المناطق الخارجة عن هذه كانت الدولة لا تزال تفرض وجودها من خلال القوى الأمنية والجيش.
صيف 1974 اتخذ الجيش قرارا بتدريب العناصر المؤيدة له بعد أن فاق تغلغل الفلسطينيين وأعوانهم كل تصور، فنظمت مخيمات تدريب في جبال كسروان باشراف بعض العسكريين التابعين لمخابرات الجيش، ولكن بدون أن يظهر الوضع علنا، وقد تدربت افواج عديدة من المواطنين الذين لم يكن موضوع السلاح يهمهم، ولكن الوضع العام كان يبدو خطرا على وجود لبنان.
أما من الناحية السياسية، فقد بدا وكأن العالم الحر تخلى عن دعم السلطة اللبنانية، ما ظهر جليا يوم زار هنري كيسينغر وزير خارجية الولايات المتحدة الذي كان يفاوض الأسد حول شروط اتفاق فصل القوات بينه وبين اسرائيل، زار لبنان عرضا وتقصّد النزول في مطار رياق العسكري، كاشارة منه بأن لبنان غير قادر على السيطرة على أمنه ولا على مطار بيروت، وأن العاصمة تعتبر ساقطة تحت حكم عرفات المباشر.
في 26 شباط 1975 قرر الصيادون في مدينة صيدا الجنوبية القيام بتظاهرة ضد شركة بروتيين وهي شركة مساهمة حاولت تنظيم أعمال الصيد في اعالي البحار لتغذية السوق اللبناني الذي لم يكن صغار الصيادين بقادرين على اشباعه، ما جعل اسعار الاسماك ترتفع بشكل غير طبيعي في بلد طول شواطئه يزيد عن 200 كلم بينما عرضة لا يتجاوز70 كلم في أقصاه. ولكن الاحزاب والمنظمات ومن وراءهم كانت له أهداف تتجاوز مخاوف الصيادين، ولذا فقد قرر النائب معروف سعد، وهو رئيس بلدية صيدا يومها ونائب عنها، أن يشارك في تظاهرة الصيادين لكي لا تستغل للتخريب. ومن هنا كان على راس المظاهرة، وقد افتُعل حادث فور اقتراب شاحنة تابعة للجيش حيث بدأ عناصر المنظمات الذين يشاركون في المظاهرة باطلاق النار، ويقال بأن من كان يسير بجانب معروف سعد، وهو من جماعة الصاعقة السورية، هو من أطلق النار عليه من مسدس قلم عيار 5 ملم أدى إلى مقتله لينسب للجيش. وقد لفلفت القضية ولم يعرف كيف قتل معروف سعد، إنما قام اليسار وبدفع من عرفات وأعوانه، بوضع اللوم على الجيش لكي يسيطروا على الشارع في صيدا خاصة كونها مدينة سنية كبيرة.
لم يكد جو الفتنة يمر بعد اقل من شهرين إلا وقد افتعل حادث عين الرمانة. كان مخطط الفلسطينيين، كما قلنا سابقا للسيطرة على بيروت بكاملها ومنع الجيش من الوصول إليها، بقطع الطرق من تل الزعتر باتجاه مخيمات صبرا وشاتيلا. وكان مقاتلوا مخيمي تل الزعتر وجسر الباشا قادرين على القيام بنصف المهمة والقوى التي تسيطر على مخيمات بيروت (صبرا وشاتيلا وبرج البراجنة ومار الياس) قادرة بسهولة للوصول حتى الشياح بدون اي عناء، ولكن يبقى منطقة عين الرمانة وفرن الشباك عائقا للاتصال بعناصر جسر الباشا وتل الزعتر، ولذا يجب التخلص منهما. من هنا كان التخطيط باحداث مشكل صباح 13 نيسان 1975 يطلق فيه النار على المتواجدين باستقبال الشيخ بيار والرئيس شمعون اثناء حضورهما القداس في أحدى كنائس الحي، ومن ثم وبعد أن تبدأ الفوضى والخوف، تتدخل عناصر مسلحة بمهمة محددة وواضحة لاحتلال الشارع الرئيسي والمباني المجاورة له في عين الرمانة، ثم تلحقها قوى أخرى تكمل السيطرة على فرن الشباك، ومن ثم تنتشر عناصر أخرى حتى مخيم جسر الباشا وتل الزعتر مرورا بمستديرة الشيفرولي فتكون هذه الجهة قد قطعت الطريق على اي تدخل من قبل ثكنة الفياضية أو قيادة الجيش. كان تحرك الفلسطينيين والتحضير للعملية يجري تحت ستار من السرية المطلقة ولكن حشد المقاتلين يلزمه مبرر لا يلفت الأنظار ومن هنا كان الاحتفال بيوم شهداء بلدة “الخالصة” الفلسطينية حيث تجمعت قوات فلسطينية من كافة المنظمات بكامل أسلحتها في مخيم شاتيلا للقيام باستعراض بالمناسبة، ولكن الهدف الأساسي كان تنفيذ المهمة التي تقضي بالسيطرة على هذا الممر ومن ثم دفع العناصر المحشودة لاكمال الانتشار، وقد اشترك في العرض العسكري يومها أكثر من خمسمئة مقاتل بكامل اسلحتهم كانوا استقدموا من كافة مخيمات بيروت.
تجنبا لأي اشتباك مع المسلحين الفلسطينيين كانت قوى الأمن الداخلي اللبنانية قد فرضت منعا لاجتياز المسلحين الفلسطينيين داخل عين الرمانة وفرن الشباك وأعطتهم خط مرور محدد في تلك الناحية يمر على بولفار كميل شمعون بين دوار الشيفروليه ودوار الصالومي ثم يتجه غربا باتجاه كنيسة مار مخايل في الشياح وكان أقيم حاجز للدرك على مدخل عين الرمانة من الجانبين لمنع الاخلال بهذا الاتفاق وقد التزمت المنظمات بتنفيذه حتى ذلك اليوم.
فهل تكون عملية دخول البوسطة في ذلك النهار لجث النبض فقط؟ أم أنها كانت جزء من خطة بدء الانتشار خارج المنطقة الغربية والسيطرة على ممر عين الرمانة بتطويع سكانه؟ فقد كانت سيارة فيات بدون لوحات مرت صباح ذلك اليوم وأطلقت النار بشكل عشوائي ما أدى إلى مقتل جوزيف أبو عاصي وجرح ثلاثة مواطنين وقد أكملت السيارة باتجاه الشياح، وبعد اصابتها من جراء اطلاق النار عليها توقفت قبل حاجز الدرك ونزل منها ركابها ليختفوا بين الأبنية ويصلوا إلى منطقة الشياح. كانت هذه الشرارة التي جعلت سكان الحي يتحسبون لمرور اي غريب. وهكذا فقد حاول حاجز الدرك منع البوسطة من المرور ولم يقبل من فيها ذلك، وكأن مرورها مقصود لزيادة المشكل وتطويع السكان. وقد كان يجوب المنطقة المواجهة حوالي عشرين حافلة أو باص كلها عناصر مسلحة تابعة للمنظمات “عائدة” كما قيل من الاستعراض. فهل كانت مهمتهم المساندة والانتشار في أحياء أخرى؟ ولماذا لم تنفذ الخطة بكاملها؟ وهل تكون ردة فعل السكان التي قضت على كل ركاب البوسطة ولم يخرج منهم أحد ليخبر عما يجري هي ما أوقف انتشار المسلحين كونهم لم يعرفوا ما ينتظرهم؟ أو أن القيادة الفلسطينية التي أصرت على ركاب البوسطة بالدخول إل عين الرمانة هي نفسها من أمر البقية بعدم اكمال مهماتهم كونهم لم يستوعبوا ما جرى؟
من قبيل التحليل لا المعلومات لو تمت السيطرة على عين الرمانة بواسطة عناصر البوسطة ومن ثم دخول مجموعات أخرى إلى فرن الشباك والسيطرة على الطريق بين تل الزعتر والشياح فهل كان من الصعب مثلا وصل النبعة بتل الزعتر والسيطرة على الدكوانة مرة واحدة وقلب الموازين؟ فعندها يمكن بسهولة أن تقوم عناصر من النبعة التي كانت تجهزت لهذه الغاية بالسيطرة من دوار الصالومي وحتى الدورة وضهر الجمل فيتأمن ربط تل الزعتر بحي المسلخ والكرنتينا لاغلاق المدخل الشمالي لبيروت. من هنا يمكننا أن نفهم سبب التحرشات التي كانت تقوم بين تل الزعتر والدكوانة قبل تلك المدة وهي مخططة على ما يبدو لكي يرصد مستوى المقاتلين وأسلحتهم وتجهيزهم في هذه المنطقة، ومن ثم كانت عملية مهادنة الأرمن بواسطة الحزب الشيوعي الارمني من جهة وأرمن حلب الذين طلب منهم السوريون منع تدخل الأرمن اللبنانيين في اي معركة خوفا على مصالحهم وسلامتهم بعد التهديد الذي تلقوه من الأسد، كما يقول البعض بأن شخصيات أرمنية من سكان الولايات المتحدة كانت نصحت الأرمن اللبنانيين بعدم التدخل بما يجري على الساحة اللبنانية، ما أبقى الموقف الأرمني الرسمي مائعا وبدون قرار، بينما كان موقفهم الطبيعي التمسك بلبنان الدولة والدفاع عنها، وهذا ما منع على ما يبدو أرمن الدورة والمخيم من مساندة قوى الدولة فيما بعد وقطع الطريق على الفلسطينيين وأعوانهم من السيطرة على منطقة الدورة – الكرنتينا ولو أن الأرمن كأفراد ساهموا بالدفاع عن المنطقة بشكل متميز من ضمن الأحزاب والمجموعات اللبنانية.
كل ما قيل عن “حادثة” عين الرمانة مغلوط وغير مبرر. ولكن ما جرى يومها كان غير منتظر من قبل من خطط من الفلسطينيين للهجوم، فهم حاولوا دخول عين الرمانة بباص مدني لكي لا يلفتوا انتباه السكان للهجوم، وهي طريقة تعلموها أثناء التدريب في الدورات القتالية والقيادية بالصين وفيتنام والاتحاد السوفياتي، ولكنها لم تنفع كثيرا في لبنان لتغيّر ردة فعل السكان المحليين، ومن هنا استعمال البوسطة التي بقي سائقها حيا ولكنه خفي ومنع من مواجهة عناصر التحقيق خوفا من أن يفضي بالحقيقة. ثم كانت المفاجأة بأن الأهالي في عين الرمانة، وعندما لاحظوا بأن هذه العناصر مدججة بالسلاح وهي تكاد تصل إلى قلب الحي حيث ستتمكن من السيطرة عليه إذا ما ترجلت وأخذت باطلاق النار، قاموا بمواكبتها من النوافذ والشرفات. وفور توقفها ومحاولة البعض النزول منها واجههم سيل من النيران قضى عليهم ومن ثم استهدف من بقي في البوسطة ومن كان يحاول النزول منها، وهكذا فشلت الخطة لأن المجموعات التي كانت ستدخل إلى فرن الشباك وسائر الأحياء كانت تنتظر اشارة من هذه الفرقة بأنها أتمت السيطر لكي تتدخل، ولما تأخرت الاشارة كانت الحالة قد اصبحت خطرة، وقد وصلت القوى الأمنية وحرّكت قيادة الجيش بعض وحداتها فأوقفت العملية بكاملها بانتظار تعليمات جديدة.
بعد هذه العملية نزل المسلحون إلى الشوارع وبدأت عمليات ضبط مداخل الأحياء والمحافظة على حياة السكان وعدم السماح بتجول الغرباء فيها. والكل يعرف كيف تطورت الأمور بعدها ولا نريد هنا أن نفصّل كامل مراحل الحرب. ولكن المهم بأن عملية السيطرة على العاصمة من قبل المنظمات فشلت. ولا يعني ذلك بأن عرفات وجماعاته توقفوا عن محاولاتهم. وقد كان عرفات يومها قد اصبح القائد الفعلي لمنظمة التحرير والتي يتبع لها ما يسمى بجيش التحرير الفلسطيني، وهو كناية عن الوية عسكرية مدربة في كل من مصر وسوريا والأردن والعراق وترابط في هذه الدول بكامل عتادها وعديدها، وقد وضعت تحت اشراف عرفات بعدما تخلى الشقيري عن هذا المنصب لصالحه. من هنا قرر عرفات استدعاء هذه الألوية للمرابطة في لبنان وبالطبع بالتنسيق مع الأسد كونها ستصل إلى سوريا ومن ثم تدخل إلى لبنان. وهكذا كان فقد وصلت هذه الألوية الأربع لواء القادسية (من العراق) لواء حطين (من الأردن) لواء عين جالوت (من مصر) ولواء اليرموك (من سوريا) وبدأت بالدخول إلى لبنان طيلة صيف 1975 وحتى بداية 1976 وتمركزت في عكار والبقاع وغيرها من الأماكن، ولكنها كانت تتبع بالامرة لعرفات ويوزعها كما يريد وحيثما يتطلب الموقف. من هنا تلك الهدنة التي تمتع بها اللبنانيون في صيف 1975 وخريفه.
لم يكتف عرفات باستقدام جيش التحرير الفلسطيني إلى لبنان ولكنه طلب ايضا بعض المتطوعين الذين بدأوا بالوصول من ليبيا والسودان والصومال ومصر وغيرها من البلدان العربية للالتحاق بصفوف الثورة. ومن ثم احضر قناصة من المرتزقة الأوروبيين للعمل على فصل بيروت إلى شرقية وغربية، كونه كان يخشى أن يعود اللبنانيون ويجتمعوا على معاداته بعد أن يكتشفوا لعبته. ومن هنا كان هؤلاء القناصة يقبضون على القطعة (اي كلما قتل شخص يقبضون ثمن قتله) بحسب مقابلة أجرتها صحيفة الباري ماتش مع أحدهم وكان فرنسيا عمل في هذه الوحدة وقال بأن مهمتهم كانت بقتل كل من يحاول التوجه إلى الأحياء الشرقية أو من هذه الأحياء إلى الغربية. ثم عمل على شراء بعض الصحافيين الأجانب، ونحن نعرف بأن اليسار العالمي عادة يسيطر على الصحافة حتى في دول الغرب، ويسهل اقناعهم مع بعض المال باختلاق قصص وطروحات تظهر الفلسطينيين بأنهم الضحية، بينما الجانب اللبناني هو منطقة “انعزالية” تحاول التمسك “بامتيازات” أعطاها أياها الغرب “المستعمر”. وقد انطلت هذه النطرية على دور الاعلام الغربية وبدأت تنتشر الاحصاءات حتى في الولايات المتحدة بأن المسيحيين لا يشكلون أكثر من 20% من السكان وهم يسيطرون على مقدرات وثروات البلاد بأكملها، ولذا فإن الحرب هي حرب أهلية لاسترجاع الحقوق المهضومة للشعوب “الكادحة” من بقايا الاستعمار البغيض وانعزاليي الطوائف التابعة للغرب.
على صعيد آخر كانت مصر قد أعادت فتح قناة السويس في الخامس من حزيران 1975 فتحولت التجارة بين اوروبا والخليج، والتي كانت توقفت عن استعمال ميناء بيروت المشتعلة حيث دمرت ونهبت موجودات المرفأ والمنطقة الحرة وسرقت بعض البنوك ووصل القتال إلى حي الفنادق، تحولت مجددا إلى قناة السويس وهكذا شيئا فشيئا عادت الأمور إلى طبيعتها ما قبل عبد الناصر (ومن هنا نفهم سكوت السادات على ما كان يحصل في بيروت يومها)، بينما يقتتل اللبنانيون والفلسطينيون، كما حدث في نهاية عهد الأمير بشير وبعد اتفاق محمد علي باشا مع الأوروبيين على سحب جنوده من سوريا ولبنان والتركيز على حكم مصر وبدء مرحلة التقدم التي شهدتها يومها ومنها فتح قناة السويس، بينما سقط لبنان في آتون الصراع بين الموارنة والدروز الذي خطط له العثمانيون لعدم قدرتهم على استعمال القوة المباشرة وبسبب حقدهم على اللبنانيين الذين ساندوا المصريين أثناء حملة ابراهيم باشا، ما أفقد لبنان دوره وأضطر الفرنسيون لارسال حملة عسكرية سنة 1860 لوقف القتال وتثبيت الأمن. وقد أعاد يوسف العظمة استعمال نفس الأسلوب في 1920 عندما شجع بعض العصابات الشيعية لقتال المسيحيين في الجنوب. ما كنا ذكرناه سابقا. فهل كانت أحداث 1975 في لبنان مدروسة لكي يتوقف العمل في مرفأ بيروت ريثما تعود الحركة الملاحية لاستخدام قناة السويس بكل الثقل المطلوب واعادة وضع مصر على خط التطور الذي كانت فقدته مع حركات عبد الناصر؟ وهل أن السادات عرف كيف يعيد دور مصر السلمي ولو بعملية عسكرية سريعة أعطته المجال لفتح خيوط مع القوى الاقتصادية العالمية بينما كان لبنان يفقد شيئا فشيئا دوره بسبب عدم وجود رجالات على مستوى الأحداث تعرف أن تحافظ له على دور في مصالح الشعوب، وصار مرتهنا للتجاذبات التي لا تؤدي سوى لتدميره وجعله بؤرة للتقاتل والفشل؟ وماذا جنى ياسر عرفات من كل هذه اللعبة سوى سقوط مقولته الوطنية في مستنقع لا يزال الفلسطينيون يغوصون فيه، وبنفس الوقت حافظ الأسد الذي كان يعتقد بأن سياسة التفريق في لبنان تحميه وتلهي السوريين عن حكمه فإذا بسوريا تسقط في آتون النار الطائفية التي أشعلها في لبنان وينقطع مزراب الرفاه الذي كانت سوريا تستفيد منه بما يدفع لها من عائدات الترنزيت؟

التمدد الفلسطيني وصمود اللبنانيين
مع بداية سنة 1976 استؤنفت مجددا العمليات العسكرية الهجومية التي خطط لها عرفات وجماعته. وقد دخلت منظمة الصاعقة السورية على الخط وقامت بتهجير بعض القرى في عكار مثل بيت ملات وتل عباس ودير عشاش وغيرها. ومن ثم هددت بالهجوم على القاع وقرى أخرى في البقاع. ثم بدأت الهجوم المركز للسيطرة على بيروت بشكل منظم واحتلال الشوارع والأحياء. ولكي تأمن عدم مواجهة الجيش اللبناني الذي خاف منه حتى السوريون، قرروا اختراقه بواسطة أحد الضباط الذي كان مسؤولا في منطقة سوق الخان بالقرب من مواقع الفلسطينيين على مداخل منطقة العرقوب التي كانت تسمى “فتح لاند”، وهو يتبع عملانيا إلى ثكنة مرجعيون حيث يرابط اللواء الأول في الجيش اللبناني. وقد قام الملازم أول أحمد الخطيب الذي كان اللواء محمد الحاج كتب في اضبارته بأنه “ضابط فاشل لا يستطيع أن يقوم بعملين مهما صغرا كأن يمضغ العلكة ويسبح بالمسبحة في نفس الوقت”، باقناع بعض العسكريين للتمرد على أوامر القيادة والتنسيق مع الفلسطينيين. وهذا الضابط اشترته المخابرات السورية والفلسطينية وفيما بعد تنصّل منه السوريون فقبض من الليبيين، ولكن المهم بأن مهمته كانت أن يقوم بالسيطرة على بعض المواقع الصغيرة في الطريق إلى مرجعيون بمساعدة الفلسطينيين الذين يتمركزون في العرقوب، ومن ثم يتوجه مع هؤلاء لاحتلال ثكنة مرجعيون. كانت القيادة التي علمت بالموضوع بعد وقوعه قادرة على حسم الوضع فورا، ولو فعلت لقصّرت عمر الأزمة، وكان الاقتراح الأسرع للملمة الموضوع بأن تقوم طائرة من سلاح الجو بقصف تلك المركبة المتوجهة إلى مرجعيون فتنتهي القضية ويتماسك الجيش، ما رفضه قائد الجيش يومها اسكندر غانم لغاية في نفس يعقوب، وقد يكون خاف من غضب السوريين وهو ابن البقاع الغربي الذي كانت الفصائل الفلسطينية تسيطر عليه. ولكن بمجرد أن وصلت ملالة فيها عناصر الخطيب ويتبعها بعض الآليات الفلسطينية إلى ثكنة مرجعيون حتى تبلبل الوضع وتمت السيطرة على الثكنة سريعا، ولو أن عددا من العسكريين تمكنوا من أخذ بعض العتاد والاسلحة والفرار بها إلى قرية القليعة المجاورة ومنع جماعة الخطيب والفلسطينيين من التقدم صوب مواقعهم.
عملية الخطيب هذه والتي أخذت طنة ورنة كانت كافية لتفشيل الجيش وبدء عملية سقوط الثكنات التي كان عرفات يتمناها ويعمل لها. وهكذا أصبح الوضع أكثر سهولة، فسيطر الفلسطينيون باسم الخطيب على الثكنات الواحدة تلو الأخرى وعين ضباطا لقيادة المناطق يأتمرون بأوامر عرفات وجماعته، فغاب دور الجيش في تلك الفترة ما سمح لسوريا بادخال جيشها إلى لبنان بدون مقاومة. أما في القليعة فقد تمكن العناصر الهاربين إليها من ثكنة مرجعيون بمساندة الأهالي من ضبط الوضع خاصة عندما ساندتهم مجموعة معتصم تل النحاس التي كانت مجهزة لمواجهة اي اعتداء اسرائيلي وبحوذة عناصرها عدد من الدبابات ومدافع الهاون. ومن ثم شارك أنصار الجيش في القرى المحيطة، وخاصة كفركلا القريبة من الحدود، ما قطع الطريق بين مرجعيون وبنت جبيل وسمح بخلق منطقة تمرد على جماعة الخطيب.
أما في معتصم البياضة فقد قرر الرائد شاهين الانسحاب مع مجموعته باتجاه البقاع بعد سقوط ثكنة صور بيد جماعة عرفات بالتنسيق مع القيادة على ما يبدو. وقد تبع الطريق الموازي للحدود ودار حول مركز تل النحاس لكي لا يصطدم بمجموعة القليعة التي سمحت له بالمرور باتجاه المطار العسكري الفرنسي ومنه الى سهل الخيام. وقد وصل إلى البقاع عبر الحاصباني ومرج الزهور بعد أن كان تجاوز عقبات الجيش العربي بمباركة سورية. وهنا بدأت تظهر لعبة الأسد الهادفة إلى تقسيم ولاء الجيش وتفتيفه كليا. ولذا فعندما سأل العميد لحد قائد منطقة البقاع القيادة عن التصرف، وكان مركزه في ثكنة أبلح، كان الجواب عدم الاشتباك مع السوريين. من هنا كان قراره يومها تسليم الثكنة للرائد شاهين الذي تعهد بحماية العسكريين ومنع الاعتداء على القرى المسيحية في المنطقة مقابل انسحاب لحد وضباطه إلى اليرزة. ولكن الرائد طحان لم يرض بهذا الحل فانسحب إلى زحلة مع فرقة من عسكرييه وبعض الآليات والذخائر واعتصم فيها. ومن ثم بدأ الرائد شاهين بالعمل مع السوريين تحت اسم “طلائع جيش لبنان العربي”. من هنا ظهرت على الأرض أشكال من تقسيم القوى بين المناطق المسيحية ومناطق سيطرة عرفات وجماعته ومناطق سيطرة السوريين المباشرة. ولذا فقد قرر الخطيب تحييد اسرائيل في المنطقة الحدودية فقام بالاتصال بالاسرائيليين والتعهد لهم بعدم السماح بالقيام باية عمليات عبر الحدود.
أما فيما سمي المناطق الشرقية فقد تبلبلت الناس خاصة بعد أن كانت تعتمد كليا على وقوف الجيش وحسمه للمعركة فأخذت الأحزاب تسعى للاستيلا على الأسلحة المتواجدة في الثكنات العسكرية في المناطق الشرقية سيما وأنه كان هناك شبه حظر على بيع السلاح إلى لبنان ما شمل فقط الجانب المسيحي كون البقية أي التابعين لعرفات كانت لهم مخازن الأسلحة في دول حلف وارسو مفتوحة على مصراعيها بالاضافة إلى مخازن بعض الدول العربية.
كانت الأشهر الأولى من سنة 1976 دقيقة وخطيرة للغاية فبالرغم من ثبات بعض المناطق في بيروت الشرقية بوجه جماعة عرفات من عين الرمانة والحدث وكفرشيما انتهاء ببسابا وصعودا باتجاه الجبل فإن الدولة سقطت والجيش المعتمد عليه لم يعد متماسكا ولا فعالا وقد بات سقوط المناطق الشرقية قضية وقت ورغبة عرفات بتحديد موعد الهجوم النهائي.
في هذه الأثناء جرّب جماعة الجيش العربي بمؤاذرة الفلسطينيين القيام بهجوم على قرية القليعة حيث تتمركز المجموعة التي هربت من ثكنة مرجعيون. وبعد قتال عنيف لم يستطع المهاجمون الاقتراب شبرا واحدا من مراكز الدفاع عن البلدة، وبسقوط بعض الجرحى في جانب عسكريي القليعة نقل هؤلاء، بسبب عدم وجود اي مكان للمعالجة، إلى الشريط الحدودي في بلدة كفركلا حيث كان الاسرائيليون ساعدوا امرأة لتلد ابنتها في خيمة كان يداوم فيها طبيب عسكري، وقد خلصت المرأة وابنتها وسمعت كل المنطقة بتلك الحادثة. وقد نقل الاسرائيليون الجرحى إلى مستشفى صفد للمعالجة. وبعد انتهاء الهجوم قام قائد المجموعة بالتوجه إلى الشريط الحدودي لشكر القيمين على هذا التصرف الانساني. وهكذا بدأ ما سمي لاحقا “بالجدار الطيب” الذي تطور من مساعدة الجرحى إلى بعض المساعدات الانسانية الأخرى من الماء والطحين فالذخيرة وغيرها من المساعدات العسكرية.
وفي بيروت فتحت عيون المسؤولين في المنطقة الشرقية على هذا الحدث الذي جرى في الجنوب واعتبرت اسرائيل مشروعا مهما يمكن الاستفادة منه لشراء الأسلحة خاصة وأن العدو مشترك. وهكذا انتقل بعض المسؤولين بحرا باتجاه المياه الاقليمية الاسرائيلية لطلب بعض المساعدات من ذخائر واسلحة للتمكن من الصمود والمقاومة.
في هذه الأثناء كانت الذخائر التي يقاتل بها جماعة الاحزاب المسيحية تأتي من تجار أسلحة يحصلون عليها من الفلسطينيين وأعوانهم، ولكن فتح الباب الجنوبي، الذي وصلت معه النسخة الاسرائيلية الصنع من بندقية الفال البلجيكية وذخائرها، غيّر الموقف وأعطى نوعا من الأمل. فقد كان الضابط بول فارس ومجموعة من الضباط حاولوا بعد عملية الخطيب أن يقيموا في بيروت الشرقية ما سمي “بجيش لبنان” ولكن عدم وجود مصادر تمويل وتسليح أفشلت الفكرة ما جعل التعاون مع الاسرائيليين الأمل الوحيد بالخلاص.
في هذه الأثناء جرت عملية احتلال الدامور وهي مدينة كبيرة على الساحل يمكنها قطع الطريق على قوات عرفات في حال تمركزت فيها قوات معادية له. ولذا فقد هاجمتها قوات الصاعقة وفتح والمجموعة اليسارية بالرغم من أنه كان للحزب الاشتراكي موالون كثر فيها لم يتمكن الحزب حتى من حمايتهم، وقد هجّرت المدينة في طقس عاصف وهرب سكانها بزوارق الصيد في بحر هائج باتجاه بيروت الشرقية. وقيل يومها بأن الرئيس فرنجية أمر بقصف المهاجمين بالطيران وقد انطلقت مقاتلات الهوكر هنتر بالفعل ولكنها عادت أدراجها لأن تهديد السوريين كان شديدا ايضا هذه المرة.
ثم بدأ اطباق عرفات وجماعته على بيروت الذي كان حاسما ولو على مراحل، وهو انطلق من منطقة الصنائع باتجاه الفنادق كمرحلة أولى ومن ثم شيئا فشيئا باحتلال نادي الضباط والستاركو والأسواق وصولا إلى أطراف المرفأ وشارع اللنبي حيث أقيم خط دفاع ثابت من المرفأ نحو ساحة الشهداء وصولا إلى السوديكو حيث توقف الهجوم من جراء تنظيم المقاومة اللبنانية هناك، ومن ثم إلى منطقة سباق الخيل وبدارو فخط صيدا القديمة بين الشياح وعين الرمانة حتى الحدث كفرشيما. هذا في بيروت بينما قامت قوات عرفات بالتعاون مع الحزب الاشتراكي بالدخول إلى المتن والوصول إلى الزعرور وبولونيا وغيرها من المناطق، ومن ثم قاموا بالهجوم على شكا واحتلالها. ولكن تنادي الأهالي في شتى مناطق الشمال والبترون وجبيل وكسروان دفع بأعداد كبيرة من المقاتلين الذين ساعدتهم بالطبع الذخائر والبنادق الواصلة حديثا فأنهوا الهجوم وأعادوا تحرير شكا مكبيدين الأعداء خسائر كبيرة بالأرواح تحت قيادة موحدة كانت الأمرة فيها للعميد فيكتور خوري الذي كان عين قائدا لثكنة المدينة الكشفية والتي استحدثت لتجميع العسكريين بعد سقوط الثكنات بيد الخطيب وجماعة عرفات. وهو الذي اصبح فيما بعد قائدا للجيش بعد دخول قوات الردع.
كان قائد الجيش العماد حنا سعيد الذي خلف العماد اسكندر غانم من أبناء القليعة الجنوبية وقد نظّم بقايا الجيش وجمعهم في تجمعات على طول البلاد وعرضها محاولا اعادة بناء قوات الجيش حتى ولو لم تكن متواصلة جغرافيا بانتظار أن تقوم بالتوسع ومد سلطتها للالتقاء مع بعضها لاحقا. وهكذا فقد أنشاء تجمع القبيات الذي ضم عسكريي منطقة عكار الذين لم يلتحقوا بقوات الخطيب، وتجمع زحلة الذي ضم بالاضافة إلى مجموعة الطحان كافة العسكريين وقوى الأمن الذين لم يلتحقوا بالجيش العربي ولا بالطلائع. ومن ثم أنشأ تجمع جزين الذي ضم ايضا عسكريي المنطقة، وتجمع القليعة وتجمع رميش في أقصى الجنوب. وأمر باعادة تفعيل الثكنات في صربا والفياضية وأنشأ ثكنة المدينة الكشفية في البترون وغيرها من المراكز التابعة للجيش. وهكذا وبواسطة هذه التجمعات العسكرية بدأت تتوضح صورة المقاومة اللبنانية الحقيقية لسيطرة عرفات وسوريا والتي حافظت على الاستقلال ورسمت حدود الكرامة.

الصور في أسفل/بوسطة عين الرمانة/الشهيد جوزيف أوعاصي/عنوان افتتاحية جريدة النهار/عنوان جريدة الأنوار