شارل الياس شرتوني/مسرحية التأليف الحكومي وتفكيك أوصال الجمهورية المتداعية

88

مسرحية التأليف الحكومي وتفكيك أوصال الجمهورية المتداعية

شارل الياس شرتوني/27 تموز/2021

«Un train cache un autre» “قطار يخفي قطارا آخر”، مثل فرنسي

أكثر ما يلفتني في هذه المهزلة القائمة منذ سنتين تقريبا هو الاجتهاد الدؤوب في مجال حيثيات التأليف الحكومي، التي تمتد بين بيت الوسط وقريطم والقصر الجمهوري ودول الارض قاطبة، كما تبلورها المشاورات مع كل السفارات ورحلات سعد الحريري اللامتناهية بحثا عن حكم لبلد غير موجود. هذا البلد ليس إلا وهما دستوريا لا مقابل له سوى الفراغات التي تلفه برمته، وتحيل قاطنيه الى التفتيش عن الحلول في كل مكان الا حيث يجب ان تكون، أي فيما بينهم. هذا هو نتيجة للثقافة السياسية ما قبل الدولاتية التي تحكمها الولاءات الأولية لدى الجماعات، وانهيارات السلم الاهلي على مدى ستة عقود، وتلك التي تقيم الفصل بين السيادة الوطنية والدولتية ومتخيل الأمة الإسلامية والعربية (في الماضي القريب)، ومحاور نفوذها في القاهرة ودمشق وبغداد وطرابلس الغرب وجدة وطهران واسطنبول، مرورا بالحركات المسلحة من فلسطينية وجهادية وروافدها. إذا عدنا الى شأننا الحاضر، يترامى إلينا، حسب هؤلاء وأدواتهم الاعلامية، أنه لا حكومة دون تسوية إيرانية-اميركية، أو دون تفاهم إيراني-سعودي…، وإلا فاللبنانيون معلقون في فضاء أزماتهم الحياتية القاتلة الى أجل غير مسمى. أما المعادلة الاخرى التي تحكم التأليف الوزاري فهي التي تعود الى التفاهمات الزئبقية بين أركان الاوليغارشيات المافيوية والنوادي السياسية المغلقة (نادي رؤساء الحكومات السنة)، ومراكز القوى الشيعية (الثنائى الشيعي) على قاعدة تحكيم الخلافات فيما بينها، وتلافي الصراعات المعيقة لسياسة وضع اليد الشيعية على الديناميكيات السياسية والعامة في البلاد، وتأمين تفاهمات متحركة مع الاقطاع الدرزي واستفزازه من وقت لآخر من ضمن لعبة تحريك الردائف التي استحدثت عند كل الطوائف والاحزاب والتجمعات السياسية، ومتابعة سياسة الخرق والاستتباع في الاوساط المسيحية من خلال رئاسة الجمهورية القاصرة والصورية ومصالح ميشال عون وجبران باسيل وسليمان فرنجية والنواب المسيحيين الملحقين، مع سعي حثيث لتطويع استقلالية الكنائس وضرب الكنيسة المارونية، الحاجز الأوحد أمام سياسة وضع اليد وتصفية المتكآت البنيوية للاستقلال اللبناني.

ناهيك عن وضع اليد على القرار المالي والاقتصادي من أجل تدمير القواعد البنيوية لأية سياسة إصلاحية مالية كمقدمة لسياسة السيطرة التي تحكم اداء الفاشيات الشيعية في البلاد دون معارضة حاسمة لها في أوساطها. إن الوقت الضائع الذي راكمناه على مدى سنة و تسعة أشهر كان كفيلا بحل معظم المسائل المالية على قاعدة خريطة طريق تقوم على تحكيم صندوق النقد الدولي، واجراء الاصلاحات الهيكلية على الصعيد المالي انطلاقا من إعادة النظر بتقسيم العمل المصرفي، وإعادة رسملة القطاع المصرفي، ومراجعة وضعية ودور البنك المركزي، واستعادة الأموال المهربة والمنهوبة بناء على تحقيق مالي جنائى، ومقاضاة المتهمين أمام القضاءات اللبنانية والاجنبية، واعادة تحريك الاقتصاد انطلاقا من تثبيت الاستقرار السياسي، وتحفيز الاستثمارات في القطاعات الزراعية والصناعية والخدماتية انطلاقا من تطبيقات الاقتصاد المعرفي وعلاقته العضوية بالتدريب العلمي والمهني، والحاضنات البحثية الجامعية وغير الجامعية، بدلا من سياسات التضليل التي تدور حول سياسات الدعم المنهوبة والمهربة والتصرف بما تبقى من أموال المودعين، ولعبة سعر صرف الليرة اللبنانية بين بلف البنك المركزي (القرارين ١٥١، ١٥٨)ومافيات الصيرفة التي تديرها المافيات الشيعية، والهيركات الذي أكل ما تبقى من الاموال المودعة، والتلويح ببيع ممتلكات الدولة المنهوبة أساسًا، وبيع الذهب، والسطو على منابع الغاز والنفط المحتملة. في الوقت الضائع بين السنة الماضية والسنة، خسر لبنان ٨ مليارات دولار بين السرقة المباشرة والمقنعة والتهريب، وسمعته وقدرته على تحفيز الاستثمارات وإعادة اقلاع اقتصاده. الفاشيات الشيعية والاوليغارشيات المافيوية لا هم لها سوى تحصين سرقاتها وتحميل اللبنانيين تبعات تدميرهم للمالية والاقتصاد في البلاد، ومتابعة سياسة وضع اليد على الاملاك العامة واحتياطي الذهب.هل من جواب للحريري والميقاتي على هذه الاسئلة، الجواب كلا.

إن سياسة اضاعة الوقت ليست بحادثة أو مفارقة، هي إرادية بامتياز وتتوخى تبديل الديناميكيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمدنية والعقارية تمهيدا لتعديلات جيوپوليتيكية ناظمة للاستراتيجية الانقلابية الشيعية. إن اللعبة الدستورية لا تعدو كونها محاكاة ظاهرية لتغطية سياسة وضع اليد الفعلية، أو في أحسن الاحوال الاتيان بحكومة من “الخبراء” الذين لا قوام لهم ولا استقلالية معنوية عمن أتى بهم، للمناورة وإضاعة أوقات إضافية تتآكلها أزمات تشارف الاستعصاء واللاعودة. الفاشيات الشيعية تحصن دورها التحكيمي ومرجعيتها الناظمة من خلال توزيع الأدوار، وترتيب التبعيات، وبلف المجموعة الدولية واسقاط وساطاتها الواحدة تلو الأخرى. إن اكثر ما يلفتني ويضحكني في الأن معا، هو التبصير في اداءات الاوليغارشيات والتندر حول علاقاتها الدولية والعربية، وآخرها موقع نجيب الميقاتي على الخطوط الفرنسية والاميركية، والسعودية، والخليجية والسورية الأسدية والمافيوية. أما التبصر السياسي في حقيقة أدوارهم فيفضي إلى أن هؤلاء كومپارسات وضيعة عند محاور النفوذ العربية والاسلامية، وفاسدين يعملون على خطوط تقاطع العمل المافيوي الاقليمي والدولي، وسياسيي الامر الواقع الذين تتعاطى معهم الديموقراطيات الغربية على أساس غياب البدائل الديموقراطية.

إن الاتيان بأحد أبرز وجوه الاوليغارشيات المافيوية التي نهبت البلاد على مدى ثلاثين سنة، والإطاحة المبرحة بطروحات الحراكات المدنية والديموقراطية، والتوهم بأن هذا السياسي الفاسد والمتعدد العمالات هو بصدد الخوض في مشروع إصلاحي جدي يوقف التدهور الخطير، ويدخل البلاد في الديناميكية الاصلاحية التراكمية، هو قمة في السذاجة والتوهم . سعد الحريري ونجيب الميقاتي وميشال عون هم اسماء مستعارة لمرجع واحد، السياسة الانقلابية لحزب الله. ميشال عون سقط عند المسيحيين ولم يعد سوى لاعب ثانوي في لعبة تتجاوزه، مع عودة التفاهم بين الاوليغارشيات السنية الممثلة بنادي رؤوساء الوزراء وأركان الفاشيات الشيعية على القاعدة التي حددها نبيه بري ” علينا إدارة خلافاتنا فالمسيحيون راحلون”.إن إبقاء الوهم الفرنسي حول تسوية إصلاحية مرحلية وانتظار الاستحقاقات الدستورية من أجل العبور الى مرحلة جديدة، يقع في دائرة التمني، لأنه لا عودة الى حياة مؤسسية فعلية خارجا عن تحكيم المؤسسات الدولية وولاية الأمم المتحدة تحت الفصل السابع، والا فنحن في صلب الاهتراء المديد الذي سوف يدخل لبنان في حيز الفراغات الاستراتيجية المتنامية والمفتوحة على كل نزاعات المنطقة وأطرافها. إن عملية المرفأ الارهابية ليست بحادث أمني وتكنولوجي سببته إدارة فاسدة ولا كفايات مهنية لها، إنها العنوان الأبرز والاكمل لمداخلة الفاشية الشيعية وطبيعة تطلعاتها ومشاريعها القادمة.