محمد أبي سمرا: نوّار الساحلي و”بابيون” زفاف ابنته.. ينتظران أحكام حزب الله

191

نوّار الساحلي و”بابيون” زفاف ابنته.. ينتظران أحكام حزب الله
محمد أبي سمرا/المدن/27 تموز/2021

حملت “عاطفة” نائب حزب الله السابق نوار الساحلي “الأبوية”، على مخالفته شعائر حزبه: حضوره حفل زفاف ابنته الباذخ، على عادة الأثرياء الجدد اللبنانيين، وارتدائه بذلة لامعة زاهية و”بابيون”. وابنته لا يبدو أنها تقيم وزناً لالتزام والدها الحزيي ولا لشعائر حزبه ونواهيه ومحرماته. فهي منذ سنوات كثيرة لا تقيم في كنفه، بل في لندن حيث تعمل درست وتعرفت إلى عريسها. ثم أنها ابنة طليقته، ربما في خضم إصابته بلوثة “الإسلام الرسالي” أو “الجهادي” الحزب اللهي، الذي عصف به، ربما في مطلع الألفية الثالثة، أي متأخراً زمناً عن رعيله.

معصية العاطفة الأبوية
و”عاطفة” الساحلي “الأبوية” قد لا تشبه تلك التي حملت زميله نائب حزب الله، نواف الموسوي، الذي ناصر ابنته قبل سنتين تقريباً، وأقدم على نجدتها أثناء اعتداء زوجها النافذ في حزبه عليها. وقيل إن الموسوي هاجم مع مرافقيه المسلحين مخفراً لقوى الأمن الداخلي لنصرة الإبنة، بعدما حاول زوجها مطاردتها على أتوستراد الدامور الساحلي وترويعها وخطف طفلتيها من سيارتها لحرمانها من مشاهدتهما.

لكن هاتين العاطفتين الأبويتين المتباينتين في مناسبتهما وأشكال التعبير عنهما، أدتا إلى نتيجتين متشابهتين تقريباً، أو إلى النتيجة نفسها: خضوع النائبين الحزب اللهيين لإرادة حزبهما وانتظار حكمه عليهما، لإنقاذهما أو خلاصهما من ما انزلقا إلى اقترافه من معاصي، بسبب انقيادهما إلى تلك العاطفة الأبوية التي يعلمان أنها تتنافى مع حزب الله في “أخلاقياته” وعقيدته وسلوك ملتزميه أو مكلّفيه.

فالموسوي استقال أو أُوحي أن يستقيل من حزبه المقدس، وأعلن أنه يظل على ولائه له ولقدسيته أبد الدهر. أما نوار الساحلي فأعلن براءته من فعلته أو غفلته عنها معتذراً: “حضرتُ حفل زواج ابنتي الذي أقامه صهري، ولم أقدّر أنه سيسبب بأذيّة جمهورنا العزيز (أي جمهور حزب الله). لذا أعتذر من أهلي وأحبتي عما حصل”، بعدما “تسبب بإساءة غير مقصودة للحزب الذي أحب وانتمي إليه. ولذلك فأنا أعلّق أنشطتي الحزبية في انتظار أن تتخذ القيادة القرار، وأنا سألتزم به مهما كان”.

أعراس البذخ و”الفشخرة”
لكن ردود الفعل الإعلامية والاجتماعية على فعلتي الموسوي والساحلي جاءت متباينة تبايناً تاماً: ففيما لقيت فعلة الموسوي تضاماً كبيراً من الرأي العام، وخصوصاً في أوساط مناصري حقوق النساء، بسبب انتفاضته ضد الظلم الذي تتعرض له النساء في ما يتعلق بحرمانهن من حضانة أطفالهن، والعنف الزوجي الذكوري الواقع عليهن -وهذا رغم بعض الاعتراضات على سلوك الموسوي العنيف والمخالف للقانون في نصرته ابنته- أثارت فعلة الساحلي سخطاً واسعاً على وسائط التواصل الاجتماعي. والسخط مداره البذخ والتبذير الكبيرين في حفل زفاف ابنته الذي حضره، فيما يغرق لبنان وجمهور حزبه في العوز والفقر. وكانت حملة سخط شبيهة قد أثارها قبل سنوات حفل زفاف نجل النائب “الاشتراكي” غازي العريضي، المنقطع النظير في بذخه المنفِّر.

والحق أن مثل هذه الاحتفالات بزواجات أبناء اللبنانيين وبناتهم، تكاد تشمل معظم فئاتهم، كلٌ على قدر مقدرته ومرتبته وماله. وهي تحولت شعيرة اجتماعية وأهلية راسخة ومتغيرة حسب الأوقات والأحوال والإمكانات المادية. لكنها صارت معبودة ومتضخمة وفاقعة في أوساط ما يسمى الأثرياء الجدد، وأصحاب تسلق المكانات والمناصب والسلطان السياسي والاجتماعي والمالي، ممن يسمون حديثي النعمة.

وما فعله الساحلي يكاد يكون عادياً ولا يختلف في شيء عما يفعله أمثاله من النواب وأصحاب الحظوة على اختلاف أنواعها، لولا أنه نائب سابق وعضو معروف في حزب الله، الذي ليس من عادات نوابه ومسؤوليه أن يحتفلوا بزواج أبنائهم وبناتهم على هذا النحو الباذخ في عبادة ملذات الحياة الدنيوية، بدل عبادة صور الحرب والقوة والاستشهاد والورع الديني الكربلائي الحسيني.

ويبدو من سياقات ما تعرض له الساحلي على وسائط التواصل الاجتماعي والإعلامي أنه لم يكن “مهندس” حفل زواج ابنته الباذخ. فالابنة ووالدتها منفصلتان عائلياً ونمط عيش وعمل عن الأب والزوج، ربما منذ زمن بعيد، يعود إلى زمن تبني نوار الساحلي “الاسلام الرسالي” أو “الجهادي” لحزب الله. والابنة الصبية مقيمة وتعمل في لندن. وحفل زفافها الباذخ أقيم في فيلا جدها لأمها طليقة الساحلي، حسبما ورد في تعليقات صحافية، ذكرت أن والدتها يسارية الهوى، وغير ملتزمة دينياً، لا هي ولا ابنتها العروس. وعريسها من عائلة بيروتية معروفة ويعمل في شركة مالية في لندن. ومثل هذه النماذج من الزواج وحفلات الزفاف تحظى غالباً بعبادة اللبنانيين وتثير شهواتهم المتأججة لها.

كسر القتامة والتجهم
ويبدو أن الساحلي جاء إلى حفل الزفاف الباذخ الذي لم يكن هو “مهندسه”، بل جاء بدافع “عاطفته الأبوية” وكأنه “غريب” مدعو للمشاركة ومباركة زفاف ابنته. وقد تُحسب له (وليس عليه) جرأته في كسر القتامة والتهجم اللذين يلابسان قيافة وسحنات وسلوك نواب حزب الله وجهازه “المدني”. فللمرة الأولى ربما نشاهد نائباً أو أحد أعضاء جهاز حزب الله “المدني” في مثل هذه الاحتفالات الباذخة، مرتدياً بذلةً أنيقة و”بابيون” أو ربطة عنق، وليس قميصاً قاتماً مزرر الياقة.

لكن إقدام الساحلي على فعلته هذه غير المألوفة في عالم حزب الله، أثارت سخطاً مضاعفاً: السخط العادي والدارج لدى فئات واسعة من اللبنانيين على البذخ وما يسمى باللغة المصرية “الفشخرة” في حفلات زفاف الأثرياء الجدد وأصحاب المكانات. وهو سخط غالباً ما ينطوي على عكسه: انسحار مكتوم بعبادة مثل هذه المظاهر الباذخة وحبها الجارف والحلم بها. وقد لا يكون هذا من تقاليد الساحلي وعاداته، بل من صنيع زوجته السابقة وأمها وأهلها. وهناك ثانياً السخط الآخر الذي تعرض له الساحلي لأنه نائب سابق في حزب التقشف والقتامة و”المقاومة”، الذي تنفر تقاليده من مظاهر الثراء واحتفالاتها الباذخة، بل تدينها وتعتبرها من صنائع الفساد والإفساد والمحرمات. وهناك ثالث سخط مستجد بسبب الحال المزرية التي يتخبط فيها اللبنانيون في هذه الأيام العجاف، فيما يحضر الساحلي حفل زفاف ابنته الذي يكلف عشرات آلاف الدولارات الطازجة. وهذا وفي وقت حمل الغضب بعض الفتيان والشبان المفقرين في صور على مهاجمة المطاعم التي يكثر فيها المغتربون العائدون من مهاجرهم الإفريقية للاصطياف في مدينتهم وبين أهلهم المقيمين.

شذرات سيرة عائلية
وهناك روايات من موطن نوار الساحلي في الهرمل، تقول إنه في بدايات ميله إلى “إسلام حزب الله الرسالي”، اتصل ببعض الأثرياء المغتربين من داعمي الحزب إياه، ومن طريقهم تمكن من الحصول على ترشيح حزب الله له لمقعد نيابي في بعلبك – الهرمل في دورتي 2005 و2009 النيابيتين. وكان ميله ذاك ربما أدى به إلى الانفصال عن زوجته الأولى، والاقدام على زواج ثانٍ من امرأة ملتزمة دينياً، وتناسب خياره الجديد وانخراطه في حزب الله.

ويقول بعض عارفي الساحلي في الهرمل أنه لم يكن متديناً، بل “علمانياً” ولا يميل إلى أي حزب سياسي. وفجأة أطلق لحيته وأقلع عن تناول الكحول، وصار يسمى الحاج نوار، وطلّق زوجته الأولى أو أنها هي من هجرته أو خلعته.
والمعروف في الهرمل أن آل الساحلي عائلة صغيرة كان بينهم بعض الحزبيين العروبيين واليساريين في الستينات والسبعينات اللبنانية. أما جد نوار، نايف الساحلي، فمن أوائل من امتلك سيارة في الهرمل، واستخدمها لنقل الركاب بين الهرمل وبيروت. وكان صاحب طموح ويمتلك سمعة طيبة وعلاقات اجتماعية واسعة في منطقته. وقد اجتهد في تعليم أولاده، ومنهم والد نوار، محمد نايف الساحلي الذي درس الحقوق في جامعة دمشق، وكان على علاقات في أوساط المحامين في سوريا، وانشأ مكتب محاماة في بيروت، بعدما عمل مدرساً في الهرمل.

ويقال إنه كان نائب رئيس المجلس الإسلامي عندما كان شفيق الوزان رئيسه. ثم كان عضواً في اتحاد المحامين العرب، وترشح مرة إلى الانتخابات النيابية في بعلبك – الهرمل ونال حوالى 4 آلاف صوت. وعندما صعد نجم رياض طه في الهرمل ضد زعامة صبري حمادة دعمه محمد نايف الساحلي. أما نوار نفسه المولود سنة 1967، فدرس الحقوق في الجامعة اللبنانية، ثم نال دبلوم دراسات عليا في الحقوق من جامعة ليل الفرنسية، وعمل محامياً في التمييز في سلك القضاء اللبناني، وتزوج وأنجب من زوجته الأولى أربع بنات وصبي.

والأرجح أن موجه “الإسلام الرسالي” أو “الجهادي” أخذت نوار الساحلي المحامي في بداية الألفية الثالثة، فانتسب إلى حزب الله، وسرعان ما اختاره عضو مجلس بلدي في الهرمل، وفي العام 2005 اختاره نائباً في البرلمان، ثم في دورة العام 2009. لكن الحزب إياه لم يلبث أن استبدله بمرشح آخر في الدورة الانتخابية التالية، وهو إيهاب حمادة. وظل نوار الساحلي محازباً معروفاً في حزبه إلى أن زاد في شهرته أخيراً حضوره حفل زفاف ابنته الذي أشعل موجة الاستياء على وسائل التواصل الاجتماعي.

أخيراً، ها هو نائب آخر أو أحد مقدمي جهاز حزب الله “المدني” ينتظر حكم جهازه الحزبي عليه، ليرضى به مهما كان الحكم.