فيديو وبالنص/مقابلة من جريدة النهار مع المطران عوده: أقول للحكام “عودوا إلى ضمائركم” وعلى اللبنانيين تجنّب الانجرار وراء زعماء يستغلّونهم

57

فيديو وبالنص/ مقابلة من جريدة النهار مع المطران عوده: أقول للحكام “عودوا إلى ضمائركم” وعلى اللبنانيين تجنّب الانجرار وراء زعماء يستغلّونهم

ميشيل تويني/النهار/22 تموز/2021

متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الارثوذكس #المطران الياس عوده مقل في الكلام من خارج عظته الاسبوعية التي تروي ظمأ الشرفاء في لبنان، لانه يتحدث باسم الاكثرية المظلومة والمتألمة، ويرفض الانتماءات العمياء التي قادت البلد الى الحضيض. من هنا بات كثيرون يرفضونه لانه يضيء لهم على واقعهم المرير الصعب الخروج منه بالنسبة لهم. اما الاخرون فينتظرون موقفه الاسبوعي. المطران الياس عوده خص “النهار” بالمشاركة في برنامج “لحظات” عبر “تلفزيون النهار” عبر الموقع الالكتروني وموقع فايسبوك.

بدأت الحديث مع المطران عودة بلحظة خوف، سألناه عما اذا كان يخاف على مستقبل لبنان ؟

أجاب: طبعاً أخاف إذا بقي الوضع على ما هو عليه. إذا لم يجرِ إصلاحٌ حقيقي وتغييرٌ في النظرةِ إلى الحكم على انه خدمةٌ عامةٌ لن يستقيمَ الوضع. نحن في دولة ينخرها سوس الفساد والاستنفاع والاستزلام والمحسوبية. معظم الذين يعملون في السياسة يستغلون الدولة والمواطن. اذا لم تتغيّر النظرة الى ماهية العمل السياسي مستقبل لبنان في خطر نحن نعيش بوادره. وقت يكون الوضع مثل وضعنا لا يعود هنالك اصلاح وتغيير.

اما اللحظة الثانية فهي لحظة مع الثورة، يقول المطران للطبقة السياسية الحاكمة التي حتى الان لم تنجح بتأليف حكومة في ظل اكبر انهيار يعيشه البلد، “أقول لكل الطبقة الحاكمة ولا أستثني أحداً: عودوا إلى ضمائركم واسترشدوا بتعاليم ربكم. أنتم وكلاء عن الشعب للعمل من أجل خيره. وسوف يحاسبكم الشعب. كذلك سوف تقدّمون حساباً أمام ربكم.

أما الشباب فأنصحُهم ألا يفقدوا الأمل وألا يتركوا الوطن. عليهم التمييز بين مَن يخدمُ مصلحتَهم ومَن يخدمُ مصلحتَه. كما عليهم المحاسبة. على الشباب مسؤوليةٌ عظيمة هي انتخابُ طبقةٍ جديدة تتحلّى بالصدق والنزاهة والوطنية والإخلاص. عليهم تجنّب الانجرار وراء زعماء يستغلّونهم. عليهم رفض كل استعباد لهم ولطاقاتهم. عليهم الثورة على كل ظلم وخطأ. لكن الثورة تهدف إلى التغيير لا إلى التدمير. أعمال العنف والشغب ليست ثورة بل هي أداة تدميرية للوطن وللشعب. ماذا ينفع تكسير أعمدة الكهرباء أو اقتحام الإدارات أو المصارف؟ أليست من مال الشعب؟ أنصح الشباب أن يطالبوا بحقوقهم إنما بحضارة ودون إخلال بالأمن. الكلمة الجريئة تفعل أكثر من العنف”.

اما اللحظة الثالثة فهي لحظة مع الطوائف والدولة المدنية. ناقشنا ضمن هذه الوقفة مع المطران عودة موقفه حيال الدولة المدنية خصوصا ان مجموعات الثورة والاحزاب الجديدة تطالب اليوم بفصل كلي بين الدين والدولة ولا تقبل تدخل رجال الدين في السياسة وتطالب بالزواج المدني؟

يجيب: “طبعاً أنا مع الدولة المدنية، دولة العدالة والمساواة بين المواطنين، وحكم القانون الذي يسري على الجميع. هذه الدولة تصون حق كل مواطن وعلى المواطن أن يقوم بواجبه تجاه دولته وأن يحترم قوانينها ولا يتعدى على حق غيره بحجة انه مسؤول أو قريب مسؤول.

هذه الدولة لا تتعارض مع الإيمان لأنّ المؤمن الحقيقي مواطن صالح يحب وطنه ويحب أخاه المواطن ويؤمن بالحق والعدالة والمساواة بين البشر ويحترم القانون.
أما الزواج المدني فنحن معه إذا كان عاماً ومفروضاً على الجميع كما في معظم الدول والجميع يخضعون لقانون الأحوال الشخصية المدني. ومَن أراد أن يبارك زواجه في الكنيسة فهذا دليلٌ على إيمانه وهو مرحَّب به”.

بعد ذلك سألته عن املاك وممتلكات الكنيسة ولباس رجال الدين الباهظ الثمن والاوقاف والايقونات. لماذا لا يبيع رجال الدين لا يبيع رجال الدين كل تلك المقتنيات لمساعدة الشعب الفقير ؟

يؤكد المطران “ان لباسهم هو لباس متواضع وانهم لا يرتدون الذهب بل التنك وما يعتبر لؤلؤا هو تنك وان الكنيسة تساعد كثيرا عبر الجمعيات والمدارس ولكن تكريم الرب ليس خطأ بل فضيلة ولا يجب على الناس ان يخدعوا بلباس لانه ليس باهظا ومن يطلق تلك التساؤلات فهي لالحاق الضرر بالكنيسة.
وانتقلنا الى لحظة انفجار مرفأ بيروت وسألنا المطران عن شعوره بعد سنة على اكبر انفجار بتاريخ لبنان ادى الى مقتل اكثر من 200 شخص ودمرت الاف المنازل؟

“إنفجار بيروت جريمة العصر. مجرمٌ حقيقي كل مَن ساهم في التسبّب بهذا الإنفجار الذي حصد الضحايا الأبرياء والجرحى وغيّر وجه العاصمة وطمس معالمها. بيروت الجوهرة المشعة فقدتْ بريقها لأنها فقدتْ أبناءها وتاريخَها. أبنيتُها التراثية انهارت أو دُمّر جزءٌ منها. نحن خسرنا دار المطرانية التاريخية التي تعود إلى سنة 1860 كما دُمرّ مستشفى القديس جاورجيوس وأُصيبت مدارسُنا كلُّها ومنها مدرسة الثلاثة أقمار الأقدم في بيروت، كما أُصيبت كنائسُنا وبيوتُ أبنائنا لأن الأرثوذكس كما تعلمين هم سكان بيروت الأصليين ويسكنون بكثافة في الأشرفية والرميل. خسرنا أيضاً أبطالاً من فوج الإطفاء وممرضات كنّ في خدمتهن في المستشفى وخسرنا مرضى وزواراً. بيروت فقدتْ أبناء أعزاء وفقدتْ شيئاً من تاريخِها وتراثِها وحتى الآن لا نعرف الحقيقة وهذا ظلمٌ للضحايا كلِّهم ولأهلِهم. إن لم تتحققْ العدالة ويُدان المجرمون لن يرتاح أهل بيروت. وبدون محاسبة جدّية قد نشهد خروقات أخرى لأمن العاصمة ولأمن لبنان.

أقول لأهالي بيروت لا تفقدوا الأمل واستمروا بالمطالبة بالحقيقة وثقوا أنّ عدالة السماء ايضا لا بدّ آتية”.

ونسأل المطران الياس عودة عن سبل التخلص من طبقة حاكمة فاسدة:
“في إنجيل هذا الأحد نقرأ: “لا تقدرون أن تعبدوا اللهَ والمال”. مشكلة الإنسان قلة الإيمان وعدم القناعة وعبادة المال. هذا هو سبب الفساد الذي نعيشه والذي أوصلنا إلى الهاوية. في أحد الأمثال التي نقرأها على لسان الرب يسوع أن إنساناً جمع محاصيل كثيرة لم تتسع لها مخازنُه فهدمها وبنى أكبر منها تتسع لجميع غلاّته ونام مطمئناً لما يملك، فقال له الله “يا غبي، هذه الليلة تُطلب نفسُك منك، فهذه التي أعدَدْتَها لمن تكون؟” (لو5:12).

الغنى ليس بالمال بل بالمحبة والعطاء. نحن في بلد انهار لأنّ المسؤولين فيه لا يهتمون للشعب بل لمصالحهم ومستقبل أولادهم وأقاربهم. إدارات الدولة تعج بالفساد وبالموظفين التابعين للزعماء عوض أن يكونوا مختارين لكفاءتهم. هذا ما جعل مؤسسات الدولة غير نافعة. في الماضي كانت مؤسسات الكنيسة من مدارس وجامعات ومستشفيات تعوّضُ النقصَ وتقوم بما على الدولة القيام به. أما الآن فمؤسسات الكنيسةُ لم تعد قادرة على الاستمرار بسبب الانهيار الاقتصادي والحاجات التي تضاعفت وأصبحت تفوق القدرة. مطرانية بيروت مثلاً تحاول منذ سنين طويلة القيام بواجبها الإنساني والوطني في مجالات التعليم والإستشفاء والمساعدات الاجتماعية ومد يد المعونة لكل محتاج ولا تدع اليدَ اليمنى تعلم بما تفعل اليد اليسرى. والدولة شبه غائبة والمسؤولون منشغلون بمصالحهم. بعد الكارثة التي حلّت ببيروت تضاعفت المسؤولية وشحّت الموارد. كان علينا مساعدة أبنائنا في ترميم منازلهم لكي يبقوا في منطقتهم، بالإضافة إلى ترميم مؤسساتنا، المستشفى والمدارس والكنائس ودار المطرانية. كذلك تأمين المنح الدراسية لكي يستمر أولادنا في المدرسة والاهتمام بكبار السن وحاجاتهم. هذا واجبنا ونحن نقوم به بفرح. جمعية القديس بورفيريوس التابعة للمطرانية توزّع حصصاً غذائية دورياً لآلاف العائلات بالاضافة الى حليب للاطفال ومواد معقمة وادوية وقد رمّمت حوالي 150 بيتاً وجهّزتها بما يلزم من أدوات كهربائية. أما مجموع المساعدات المدرسية فبلغت المليارات، لكن أين الدولة وما هو دورها؟ أليس من واجبها تأمين الحياة الكريمة لمواطنيها؟

مع هذا أقول للبنانيين لا تيأسوا. اتكلوا على الله وهو لا يترككم. وطالبوا بحقوقكم لأن واجب الدولة الاهتمام بمواطنيها. لا تتكيّفوا مع كل واقع يفرضونه عليكم. وحاسبوهم. الانتخابات قريبة والكلمة لكم.

وفي اللحظة الثقافية سألنا المطران عن كتاب مفضل ينصح الشباب فاجاب “أنا أقرأ كثيراً في اللاهوت والفلسفة والتاريخ والأدب وطبعاً الكتاب المقدس. وأنصح الشبابَ والكهول بالقراءة لأنها تغذي العقل والنفس. طبعاً أنصحهم بقراءة الكتاب المقدس لأنّ فيه إجابات عن كل أسئلتهم. في كلّ مرة أقرأ نصاً من الإنجيل أو الرسائل أكتشف بُعداً جديداً. إنها خير نصوص للتأمّل والتعلّم. وهي تهذّب النفس وتفتح لها افاقاً واسعة.
https://www.annahar.com/arabic/section/76-%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9/19072021091826394