الكاتب والمخرج يوسف ي. الخوري: قراءة في بيان مجلس الدفاع الأعلى الأخير/إنّه الامتحان الكبير لقائد الجيش جوزف عون، فهل يُبرهن أنّه قائد مختلف ويُنقذ السلطة من شياطينها بدعم وحب الناس، وهل سيقف عند كلامه ولا يعترض الشعب الغاضب، أم سيكون السكّين التي ستنحر العجل؟

441

اذبحوا العِجْلَ…
الكاتب والمخرج يوسف ي. الخوري/03 حزيران/2021

قراءة في بيان مجلس الدفاع الأعلى الأخير/إنّه الامتحان الكبير لقائد الجيش جوزف عون، فهل يُبرهن أنّه قائد مختلف ويُنقذ السلطة من شياطينها بدعم وحب الناس؟

*يا للعَيْب! مجلس أعلى للدفاع يوجّه الأجهزة العسكرية والأمنية ضدّ أناس مقهورين، ويغضّ طَرْفَه عن “كارتيلات” النفط، والدواء، والأغذية، وعن التلاعب بسعر الدولار، وعن عصابة البنوك، وعن التهريب إلى سوريا…؟

*أتريدون إنهاء الجيش بوضعه في مواجهة مع الناس الذين يُثابرون على حبّه بالرغم من عرقلته تقدّم ثورتهم؟ أم تريدون تعزيز كراهية الناس لقائد هذا الجيش لأنّ شعار “كلّن يعني كلّن” لم يطَلْه بعد؟!!

*أنتم تُريدون أن يقمع الجيش الناس، لأنّه، من دون ذلك، لا بقاء لكم ولا لـِ “كارتيلاتكم” وعصاباتكم ومؤامراتكم على الشعب.

*إنّه الامتحان الكبير لقائد الجيش جوزف عون، فهل يُبرهن أنّه قائد مختلف ويُنقذ السلطة من شياطينها بدعم وحب الناس؟ وهل سيقف عند كلامه ولا يعترض الشعب الغاضب، أم سيكون السكّين التي ستنحر العجل؟

***********
منذ يومين، وبينما كنت في مختبر طبّي منتظرًا دوري لإجراء فحوصات روتينيّة، سمعتُ سيّدة أنيقة تقول لسيّدة أخرى:
– “ما تطَوْلي علَيْنا، كِلْ ما تنزلي من الجبل حاكيني تَ نلتقى”.
أجابتها صديقتها:
– “بدّك تشوفي أزمة البنزين إذا رح يضَلّ فينا نروح ونِجي”.
أجابت الأولى:
– “خلص ma chère حلّوها، صارت التنكي بـِ 61000 ليرة وبكرا بتفتح كلّ المحطات”.
بِلا أدنى شكّ، استفزّني بأنّ سيّدة متعلّمة ولها مكانتها الاجتماعيّة، تعتقد بأنّ أزمة البنزين ستُحلّ بمجرّد أن ترفع الدولة جزءًا من الدعم عن صفيحة البنزين، وأن يُصبح سعر الصفيحة واحدًا وستّين ألف ليرة لبنانيّة.
أنجزتُ الفحوصات، وكنت لا أزال صائمًا، فتوجّهت مباشرة لتناول طعام الفطور في سناك وميني ماركت أولاد عمّتي، حيث التقيتُ بمزارع طيّب من ضيعتنا بثيابه الرّثّة المتواضعة. إستقبلني مرحّبًا ببسمته المعهودة، وعفويّته الحارة، وكأنّه صاحب المكان. لحظة دخولي كان أحدهم يُخبر المزارع بأنّ صفيحة البنزين أصبحت بـِ 61000 ليرة. فقال (المزارع) ضاحكًا:
– “خبريِّة دَوْلِتنا مع زيادة سعر البنزين مِتِل خبريِّة العِجْل الْ عِلِق راسو بدكّوجِة الفخّار”.
سألت صاحبنا المزارع أن يُخبرنا قصّة هذا العجل، فقال:
– “عِلِق راس العجل جوّات الدكّوجي وما عِدْش حدا يقدر يطَيْلعو. وصل “فَهيم” الضيعا اللي كل الناس بتحترمو عَ عِلْماتو وفِهماتو، قاموا طلبوا منّو يساعدن بشي طريقة تَ يشيلوا راس العجل من الدكّوجي. فكّر “الفهيم” شوي وقلّن: أسهل شي تِدْبَحوا العجل. تْحَمَّسوا الأهالي ودَبَحوا العجل متل ما نصحهُن، بس بقي راس العجل بالدكّوجي!! صاروا إْهالي الضيعا يتطلّعوا ببعضن وبالْـ “فَهيم” لَحَدِّيت ما صرخ “الفهيم” وقال: حلّيتها حلّيتها… هلّأ كسروا الدكّوجي وشيلوا منها راس العجل”.
أدهشني وصف المزارع لواقع دولتنا، فتجمّدتُ حائرًا بين أن أطلق قهقهةً أو أبكي خجلًا على حالنا من مستوى الطبقة التي حكّمناها بمصيرنا.
نعم!! مستوى حكّامنا وعقمهم الفكري لا يتجاوزان سذاجة السيّدة التي تعتقد أنّ أزمة البنزين ستنتهي مع رفع سعر الصفيحة، كما لا يتجاوزان “التبصّر” عند “فَهيم” الضيعة غير الفهيم وغير الواعي لأهميّة ترتيب الأولويّات.
بالأمس، إلتأم مجلس الدفاع الأعلى في البلاد وصدر عنه بيان، إن دلّ على شيء، فهو يدلّ على أنّ المجتمعين ليسوا ذوي حِنكة عالية على ما يتّضح من بيانهم.
في الشكل، تبيّن أنّ تسعة وزراء (مستقيلين) شاركوا في الاجتماع، ما يدفع المتابع إلى السؤال ما الذي يمنع فخامة الرئيس من دعوة مجلس الوزراء المستقيل إلى الإلتئام إستثنائيًّا لحلّ مشاكل البلاد المتعاظمة، طالما الوزراء يتجاوبون مع دعواته؟!!
في المضمون، اكتفى “العبقريّ”، كاتب البيان، بنقل الكلام كما ورد في الجلسة عن لسان فلان أو علتان، فنسب إلى فخامة رئيس البلاد القول “إنّ الغاية من الاجتماع هي البحث في الوضع الأمني”، لا سيّما مع حلول فصل الصيف، إذ يُتوقّع أن يكون الموسم السياحي واعدًا! لن أتوسّع في التعليق على نوايا فخامته كي لا يتمّ استدعائي للمساءلة أمام القضاء، لكنّي أريد أن أتوقّف عند جهل المستشارين وعند سطحيّة “العبقري” ناقل كلام الرئيس وكاتب البيان النهائي.
بحسب ما جاء في النص، يُفهم أنّ الرئيس يهتم بالأمن فقط لأنّنا مقبلون على موسم سياحي، وكأنّ الأمن خارج هذا الموسم غير ضروري، وأنّ لا همّ عند الرئيس سوى حفنة من الدولارات يأتي بها المغتربون إلى البلاد!
أوَليس من بين المستشارين “الأذكياء” مَن يلفت نظر الرئيس إلى هكذا هفوة؟!!
أَوَلم يكن بإمكان “العبقريّ”، كاتب البيان، أن يتجنّب هكذا إساءة بحقّ الرئيس ويصوغ جملته بشكل مختلف والقول مثلًا: “إنّ غاية الاجتماع هي تأمين أجواء مستقرّة للمغتربين، وعدم تعريض سلامتهم، تداركًا لقطع الاتّصال بين لبنان المقيم ولبنان المغترب…”؟
ثمّ نقل البيان إشارة فخامته للقوى الأمنيّة بعدم التهاون مع مَن يقطع الطرقات لأنّه “يتسبّب بمعاناة كبيرة للمواطنين، إضافة الى ما يعانون منه نتيجة الأوضاع المالية والاقتصادية الصعبة في البلاد”.
فخامة الرئيس، إنّ ما يجب حلّه هو “الأوضاع الماليّة والاقتصادية الصعبة” التي هي مصدر معاناة الناس، وليس “قطع الطرقات” الذي هو نتيجة للمعاناة! فنحن علينا كسر “الدكّوجي” لتحرير رأس العجل، وليس قطع رأس العجل للحفاظ على “الدكّوجي”.
وفي السياق نفسه، نقل “العبقري” نفسه عن رئيس الحكومة المستقيل اعترافه بأنّ العسكري في الجيش اللبناني أو في القوى الأمنية اللبنانية يُعاني من تبِعات “الأوضاع المعيشية والاجتماعية والمالية”، وهو، أيّ المُستقيل، يتفهّم وضع العسكري الذي “تَطلّب منه مواجهة الذين يرفعون شعارات الاعتراض” على أوضاع صعبة هو بدوره يعاني منها! وختم دولة المستقيل بحسب “العبقري” قائلًا: “نحن معنيّون اليوم، بشكل أساسيّ، بمعالجة هذه الفوضى الهدّامة…”!!
يا للعجب من كلام “مسؤول” غير مسؤولّ، فعوض أن يكحّلها أعماها، إذ بالنسبة له، الأساس هو في معالجة قطع الطرقات، وكأنّه بذلك سيُحرّر اللبنانيين من سطوة سلاح حزب الله والاحتلال الإيراني، أو سيُعيد للناس ودائعها التي سرقتها البنوك، أو سيأتينا بالكهرباء 24/24، أو سيبرم عقارب الساعة عكسيًّا ويُرجع مرفأ بيروت إلى سابق عهوده، أو سيسهّل قيام حكومة جديدة في غضون ساعات، أو سيمنع التهريب عبر الحدود الشرقيّة، أو سيوقف هجرة الشباب، أو سيمنع عنّا الجوع الآتي، أو… وأو… وأو… وألف أو!!!!
“مرتا مرتا” تتلهّين بقطع الطرقات، وليس بغير قطع الطرقات الذي ما عاد في الأصل موجودًا، بينما تتغاضين عن ألف علّة وعلّة ستودي بلبنان، إن لم تكن قد أودت به.
دولة المُستقيل، المُلفت في كلامك، كما في كلام فخامة الرئيس، هو أنّكما تعترفان بوجود أزمة، لكن ما لا تُدركانه أو تتجاهلانه، لا سمح الله، هو أنّ علينا كسر “الدكّوجي” لتحرير رأس العجل، وليس قطع رأس العجل للحفاظ على “الدكّوجي”.
نصل إلى قرارات المجلس الستة في هذا الاجتماع. فباستثناء القرار الأوّل كلّ باقي القرارات تحتاج إلى مجلس بلدي لمعالجتها، وليس إلى مجلس أعلى للدفاع.
القرار الأوّل ألمشار إليه يطلب من الأجهزة العسكرية والأمنية عدم السماح “بزعزعة الوضع الأمني بسبب الأوضاع المالية والاقتصادية والمعيشية، وخصوصًا في ما يتعلّق بإقفال الطرق العامة أو التعدّي على الأملاك العامة والخاصة”.
يا للعَيْب! مجلس أعلى للدفاع يوجّه الأجهزة العسكرية والأمنية ضدّ أناس مقهورين، ويغضّ طَرْفَه عن “كارتيلات” النفط، والدواء، والأغذية، وعن التلاعب بسعر الدولار، وعن عصابة البنوك، وعن التهريب إلى سوريا…؟
وظيفة الأجهزة العسكرية والأمنية مواجهة كلّ مَن يقتني سلاحًا غير شرعيّ، وكلّ مَن يعبث بأمن الوطن المعيشي والاجتماعي من التجّار، وليس ملاحقة قطّاع طرق باتوا غير موجودين، أو قَمْع ثورة خَفَت صوتُها ولم يعد لدى “إنتلجنسيّتها” همٌّ سوى الذهاب إلى الانتخابات النيابية ومشاركة أهل السلطة في التربّع على كراسي المنظومة…
تغمزون قناة قائد الجيش لأنّه قال إنّه لن يردع الناس في تحرّكاتهم، فتضعون المؤسّسة العسكرية أمام اختبار خطير ومشكوك في أبعاده! فماذا تبَيِّتون من نوايا؟ أتريدون إنهاء الجيش بوضعه في مواجهة مع الناس الذين يُثابرون على حبّه بالرغم من عرقلته تقدّم ثورتهم؟ أم تريدون تعزيز كراهية الناس لقائد هذا الجيش لأنّ شعار “كلّن يعني كلّن” لم يطَلْه بعد؟!!
أنتم تُريدون أن يقمع الجيش الناس، لأنّه، من دون ذلك، لا بقاء لكم ولا لـِ “كارتيلاتكم” وعصاباتكم ومؤامراتكم على الشعب. وكيف يكون غير ذلك وأنتم تُريدون فصل رأس العجل عن جسمه وليس كسر “الدكّوجة” لإخراج رأسه منها؟
إنّه الامتحان الكبير لقائد الجيش جوزف عون، فهل يُبرهن أنّه قائد مختلف ويُنقذ السلطة من شياطينها بدعم وحب الناس؟ وهل سيقف عند كلامه ولا يعترض الشعب الغاضب، أم سيكون السكّين التي ستنحر العجل؟
إنّه اليوم المائتان وثمانية وخمسون بعد السنة لانبعاث طائر الفينيق.