حنا صالح/انهيار «التسوية» المهينة

30

انهيار «التسوية» المهينة
حنا صالح/الشرق الأوسط/06 تشرين الثاني/17

الصدمة التي أحدثتها استقالة الرئيس سعد الحريري، زلزال سياسي فاجأ أقرب المقربين منه، كما أربك كل الوسط السياسي اللبناني. الصدمة والإرباك والزلزال، كلها تعابير استعارة، عن أن ما جرى في حقيقته، هو انهيار «التسوية» المهينة، التي وإن نجحت في إخراج البلد من الفراغ السياسي الذي فرضه «حزب الله»، طيلة ثلاثين شهراً، فهي كانت في جوهرها أشبه بانتقال سريع لوضع البلد تحت الاحتلال الإيراني. كان المبدأ الأساسي لتلك «التسوية» الرئاسية – الحكومية، تحييد لبنان. وتحييد لبنان عن نيران المنطقة، كان المسألة الجوهرية في خطاب القسم الذي تمّ وصفه بالصيغة المقبولة، وشكلت هذه المسألة حجر الزاوية في البيان الوزاري. للتاريخ، وحده الرئيس سعد الحريري أخلص لهذا المبدأ وقدّم الكثير، ووصل بالتنازلات التي قدمها حدّ الإعلان أن كل القضايا الخلافية سيتم تأجيلها ولن تُعرض على مجلس الوزراء، كي لا تُربك العمل الحكومي، رغم ما حملته هذه المقاربة من خطورة، فإذا لم تُبحث القضايا الخلافية على طاولة مجلس فهل تُبحث في الشارع مثلاً؟ خصوصاً مع خروج أبرز الأطراف الأخرى على كل المقاربة السياسية التي أسست لـ«التسوية».

في الثاني من سبتمبر (أيلول) الماضي، وبعدما خطف «حزب الله» تضحيات الجيش وانتصاره الميداني في حرب «فجر الجرود»، وحال دون إكمال الجيش انتصاراً كان باليد، وذهب لعقد الصفقة المشينة للبنان مع إرهابيي «داعش»، بعد عقده صفقة العار مع إرهابيي «النصرة»، كتبتُ في هذه الزاوية عن «تشقق جدار التسوية»، ويومها أطلق الحريري من واشنطن موقفاً مستهجناً، عندما أعلن أنه كان على معرفة وتأييد للقرار الذي بموجبه أوقف الجيش عملياته، مقدماً مخرجاً غير مقنع عما جرى. رغم حجم التنازل فإن الجهة التي استقبلت تأليف الحكومة بالعرض العسكري المُسيء في بلدة القصير المحتلة والمهجرة والمدمرة، انتقلت للضغط السياسي لأخذ البلد إلى المحور «الممانع» الذي تقوده طهران، من خلال استخدام ورقة تصدير الإنتاج الزراعي الكاسد نتيجة، أو ورقة عودة النازحين السوريين الذين تفاقمت معهم أزمات البلد السابقة أصلاً لهذا النزوح. وراح وزراء يفتحون على حسابهم مع الحكومة السورية، وتُوِّج هذا الضغط باللقاء الذي جرى في نيويورك بين الوزيرين جبران باسيل ووليد المعلم. إنها سلسلة من الوقائع بينها إعلان الرئيس الإيراني حسن روحاني أنه «ما من قرار يُتخذ في لبنان إلاّ بعد أخذ رأي طهران»، إلى التصريحات الفجة لـولايتي قبل ساعات من الاستقالة، التي أطلقها من السراي الحكومي متحدثاً عن انتصارات هذا المحور الذي أدرج لبنان ضمنه، بعدما بدت كل الزيارة كما قيل أشبه بتفقدٍ لإحدى المستوطنات الإيرانية!

السلاح وهو قضية خلافية كبرى، والموقف منه هو ما عجّل عملية الانهيار. في زمن اجتياح «حزب الله» الحدود وقتاله الشعب السوري، وانكشاف دوره في اليمن بعد البحرين ووقوع خلية العبدلي بيد الأمن الكويتي الخ… ووجود قرار أميركي بتحميل إيران، وأذرعها العسكرية، المسؤولية عن زعزعة الاستقرار في المنطقة، ويتزامن ذلك مع طرح قوانين أمام الكونغرس الأميركي بفرض عقوبات مالية واقتصادية شديدة ستطال كل لبنان، وكذلك قرار يحثُّ أوروبا على عدم التمييز بين جناحيه: عسكري وسياسي، والحث على وصم الحزب بالإرهاب، وتشهد إسرائيل أوسع حملة عسكرية إعلامية بمشاركة جنرالات متقاعدين من أميركا وأوروبا، وتحمل عنواناً مخادعاً: كيف نتلافى الحرب الثالثة مع لبنان؟ وتُبرز الحملة ما ستسفر عنه هذه الحرب من ويلات على لبنان وشعبه أولاً وأخيراً، بعدما تُحدد «حزب الله» كالطرف المسوؤل عن ذلك… تكررت في بيروت الأحاديث الرئاسية عن عدم قدرة الجيش، وعدم القدرة داخلياً وخارجياً على التسليح، لأن أحداً في الحكم لا يرغب أي مساس بمزاريب الفساد، وصولاً لتكرار الإعلان عشية كل زيارة رئاسية للخارج أن «سلاح (حزب الله) بات مكوناً من مكونات قضية الشرق الأوسط وحله مرتبط بحلِّ هذه القضية». وهكذا انهار جوهر «التسوية» الطويلة، التي في ظلها تغول «حزب الله» في الهيمنة وقضم قرار البلد، بعدما بات يلعب دور حكومة الظل الممسكة بكل الخيوط، فيحدد للبنانيين جدول الأعمال النافذ.

خطاب الاستقالة، الذي فضح للملأ معطيات عن عمل أمني يستهدف شخص الرئيس الحريري، كشف حجم التدخل الإيراني في الشأن اللبناني، من خلال إمساك «حزب الله»، الدويلة داخل الدولة، بكل مفاصل القرار، فدخل لبنان واقعياً مرحلة جديدة، مرحلة من الثابت أنها مطروحة أبعد من لبنان وأمام المجتمع الدولي وتحديداً الولايات المتحدة، التي استمعت لرئيس حكومة يعلن الاستقالة من المسؤولية احتجاجاً على حجم التدخل الإيراني، تدخّل كان أشبه باحتلال مقنع فبات الآن مكشوفاً. الأمور في لبنان وصلت إلى القعر، كنتيجة لهذا الإصرار على تفجير «تسوية» أخذت لبنان إلى محور معاد لطبيعته وتركيبته وللمحيط العربي الحقيقي الذي يحضنه ويبلسم جراحه، ولم ينس المواطن اللبناني من ناصره بعد حرب تموز. كذلك متصادم مع المجتمع الدولي ومع الشرعية الدولية، التي من القرار 425 إلى القرار 1701 وفّرت للبنان الحماية والرعاية والدعم المنزه. والسؤال الكبير ماذا سيكون رد فعل «حزب الله» الذي كشفته الاستقالة عندما نزعت الغطاء عن حقيقة ما يجري في البلد؟ بعضهم وصف الحدث بأنه انقلاب وأنه 1559 سعودي أميركي، في إشارة للقرار الشهير الذي شكل الأساس لإخراج الاحتلال السوري من لبنان عام 2005… لكن بالانتظار، دخل البلد في أزمة حكم، ولو اعتمدت قوة المنطق من الممكن الذهاب إلى تسوية جديدة بشروط الدولة ودستورها، وهنا تكمن بالضبط المصلحة الحقيقية للعهد ورئيسه وبيده الكثير من الأوراق التي قد تلملم البلد، أما إذا تقدم منطق القوة، و«شمشون» الجبار، فالبلد وأهله وكل مصيره أمام منطق آخر يأخذ البلد إلى المجهول