علي الأمين/قراءة في مشهد حي السلم: صرخة الأبناء ضد تخلّي الأب

209

قراءة في مشهد حي السلم: صرخة الأبناء ضد تخلّي الأب

علي الأمين/جنوبية/27 أكتوبر، 2017

مشهد حيّ السلم في الضاحية بما تضمنه من ردود فعل غاضبة لمواطنين شيعة ينتمون الى بيئة حزب الله، جاء رداً على إزالة أبنية مخالفة من قبل اتحاد بلديات الضاحية وبلدية الشويفات وبقرار من وزارة الداخلية وبغطاء سياسي من قبل حزب الله، اعتراضات وغضب أصحاب الأبنية المتعدية على الملك العام، المشهد بصوره المتعددة من التعريض إلى الاعتذارات لاقى اهتماماً واسعاً داخل بيئة حزب الله ومن خارجه.

المشهد غير مسبوق في حي السلم في جرأته أو تجرئه على حزب الله والسيد نصرالله، مشهد من البيئة الحاضنة التي أظهرت ولاتزال بنوتها للأب أي السيد نصرالله، ولم يكن مضمون الاحتجاج والشتيمة، ليخرج أصحابه عن هذا العقد الضمني بين حزب الله والمكون الشيعي، الذي يقوم على تعزيز أبوة حزب الله للطائفة المدبر لمصالحها والمدافع عنها.

هذا النوع من العقود الذي رسخه حزب الله في البيئة الشيعية، وفي الضاحية الجنوبية على وجه الخصوص، لا يزال قائماً ومستمراً ويرسخه أنّ الوعي الشيعي العام في لبنان، يضع حزب الله بموقع الأب، منتقدو حزب الله في حي السلم، كانوا يخاطبون السيد حسن نصرالله بصفته الأب، ولكن الأب الذي يعتقدون أنّه خان أبناءه. عقد الأبّوة هذا، هو أحد أبرز أسباب تعطيل الحيوية داخل الطائفة الشيعية، لأنّه ينطوي على تخوين أي حيوية اجتماعية وسياسية لا تحظى ببركة الأب، ومنذ أكثر من عقد ونصف العقد من الزمن، ساهم هذا العقد بعزل الطائفة الشيعية عن الدولة بما هي قانون ومؤسسات ناظمة لحياة المواطنين، وكلما تعمق هذا العقد الضمني بين الأب (حزب الله) وأبنائه (الشيعة)، كان يترسخ لدى البيئة الشيعية هذه، أنّ الدولة ليست هي الملاذ، هي كائن غريب عنهم بل خطر عليهم، ولأنّها غريب فحزب الله يحمي بيئته منها. ولعلّ أكثر المقولات انتشاراً لدى محازبي الحزب ومناصريه حين مواجهة أيّ ازمة اجتماعية او اقتصادية (شو علاقة حزب الله روحو شوفو الدولة).

هذه العلاقة والعقد الضمني وغير الموثق، تحول إلى سلوك اجتماعي، مفاده أنّ المكون الشيعي له خصوصيته، تلك الخصوصية التي تمنعه من الامتزاج مع المكونات اللبنانية الأخرى. وقد عزز حزب الله في مسيرته من هذه الوجهة، أي عزز من التخارج بين المكون الاجتماعي والدولة، فالدولة هي دائماً الآخر وليس النحن بل ليست من نسيجنا، وهي مصدر الشرور ومكمن الخطر.

السيدة التي كانت تتحدث بوجع في حي السلم عن حزب الله والضاحية والسيد نصرالله، كانت تضع اصبعها على الجرح، أي على إخلال حزب الله بأبوته ” ما في بيت ما في جريح، قلت أنّك ستحمينا من الدولة، قدمنا لك التضحيات وسكتنا مقابل دور افترضته لنا…نحن بشهر صفر ان شاء الله البلا ينزل عليكم لأنكم البلا انتم جبتم وجع راس للضاحية.. ما تعدينا عحدا حطينا صورة السيد وميشال عون”.

كانت السيدة تقول مخاطبة السيد نصرالله أو حزب الله، نحن نخرج من الدولة ونُخرج الدولة منا وخضعنا لقانون خاص أنت تضبطه ولكن مقابل أن تمارس دور الأب. كل ما طلبته منّا قدمناه لك في المقابل، قبلنا راضين أو مكرهين هذا النمط من العيش في الضاحية بأنّك أنت الأب وأنت من يقرر في شروط الحياة الأمنية والسياسية وغيرها…ولكنّك أخليت بالعهد…

ما تقدم يمكن إدراجه في سياق قراءة الحدث من الداخل، أو مؤدى منطق الحدث الجواني في بيئة حزب الله من خلال العقد الضمني بين البيئة الشيعية وحزب الله.

أمّا النظرة من الخارج فيمكن ملاحظة، أولاً،ان ما جرى في حي السلم هو أول مشهد خطير من مشاهد عجز حزب الله أمام الادعاءات والوعود التي يقدمها لبسطاء الطائفة الشيعية وفقرائها، أي أنّه لا يستطيع فعلاً أن يكون الأب الراعي، وليس قادراً أن يعطي بقدر ما قدم له الأبناء، هو دخل في نظام دولة يعطيه حصة من بين حصص موزعة، لا أكثر.

ثانياً، وفي أحد صور مشهد حي السلم، أنّه وجّه رسالة عميقة لبيئة الضاحية والشيعة عموماً رسالة تقول ليس لكم إلاّ الدولة، ودعوة للخروج من مقولة نحن والدولة، إلى معادلة نحن جزء من كيان الدولة، نحن الدولة والدولة نحن، بمعنى الانتقال من هوية شيعية معلقة بين الكيان اللبناني والكيان المشرع على مجهول، إلى مواطنين لبنانيين شيعة.

ثالثاً، يكشف ما جرى في حي السلم وجه من وجوه استغلال الفقر وضعف الناس، بدفعهم أكثر الى الاصطدام بالدولة “الغريبة والظالمة ومصدر الغدر” وما إلى ذلك من تعبئة إيديولوجية روّج لها حزب الله لتأسيس مجتمعه الخاص و”النقيض” في مقابل منحهم حماية وهمية، هي في الحقيقة عزلة، وهي الثمن المباشر لأبوة رضوا فيها، اي الانفصال عن الوطن والدولة.

فالدولة في الوعي الذي رسخه حزب الله في بيئته ولا يزال، هي شيء منفصل، كأن نتحدث عن دولة في زيمبابوي وليس في لبنان. فحزب الله الذي أسس لمنهج الخروج على الدولة ومارسه، يدرك أنّ هذا الخروج تطلب في المقابل ترسيخ هذه الفكرة في السلوك الاجتماعي في بيئته الشيعية الحاضنة، عبر الإعلاء من الخصوصية التي توصل إلى العزلة عن بقية المكونات، لذا كان انفعال تلك المرأة التي خاطبت السيد حسن نصرالله صادقاً، رغم اعتذارها لاحقاً، الصدق هنا ليس في ما يمكن أن يصفه البعض بوقاحة المتعدي على الأملاك العامة، بل يكمن في أنّ هذه المرأة التي تربت ونشأت على خطاب أنّ الدولة هي الغريب، كانت صادقة في إشارتها إلى إخلال الأب بمسؤولياته تجاه أبنائه. وأساس فكرة الأبوة وعقدها بين حزب الله وبيئته الشيعية، تقوم على أنّ الابن هو قاصر وعاجز وغير مدرك، وعلى الأب أن يتكفل بأموره. مهمة الأب ان يحمي الأولاد من كل آخر، وعلى رأسهم الدولة.

رابعاً، شرخ صغير أصاب زجاج الأبوة الشفاف وينذر بتفسخه، خاصة أنّ حزب الله (الأب) الذي أغدق الوعود على بيئته (الأبناء) بمسلسل “الانتصارات” الذي لا ينتهي، وقدم له الأبناء قرابين لهذه الانتصارات، ينكشف على ضعف في تلبية احتياجات الأبناء أو بعض حقوقهم، فحتى وهو يعتّد أمام جمهوره كيف يحلق في سماء الإقليم، يقف عاجزاً أمام أيّ تغيير إيجابي ينقذ أبناءه من “تعدي” الدولة، أبناؤه الذين علمهم أنّ الدولة خطر عليكم ومصدر بؤسكم وأنا والدكم الذي من حضنه تبدأ الحياة الكريمة وبخروجكم منه لا كرامة لكم.

هذه الملاحظات غير معنية بما يمكن أن يبادر إليه حزب الله من معالجات لن تتجاوز فكرة الاعتذارات وتقديم التعويضات للمتضررين، والأرجح أنّه سيعمد إلى إعادة قراءة عملية إزالة التعديات وكيفية مقاربتها من جديد، بل لن يتوانى عن القيام بما يؤكد لبيئته أنّه أقوى من الدولة “الغريبة” وأنّ سلطته تبقى هي الأساس مادامت متنزلة من الله وأنبيائه وأئمته. من صور الاعتراضات على حزب الله في حي السلم وصولاً إلى الشتم غير المقبول، وما تلاه من اعتذارات بالصوت والصورة، صور متصلة ومتناغمة لا تكمل المشهد البائس إلا باستحضار نائب الضاحية علي عمار عبر شرحه العرفاني لتجليات عملية هبوطه مقبلا حذاء الأب الأكبر السيد حسن نصرالله.