ادمون الشدياق: الذاكرة الوطنية والصراع في لبنان

29

الذاكرة الوطنية والصراع في لبنان
ادمون الشدياق/17 تشرين الأول/17

يشهد التاريخ مرة بعد مرة ان الاستيلاء على لبنان كان يبدو دائماً للغازي قريب المنال كالسراب ولكن في الواقع صعب التحقيق. وهذا كان واقع الحال مع الإمبراطوريات التي جاءت قبل الاحتلال العربي او مع باقي الدول التي انبثقت عن هذا الاحتلال او حكمت باسمه حتى قيام الجمهورية اللبنانية.

كان لكل حقبة من حقبات تاريخ لبنان مقوماتها وسماتها التي تميزت بها. والتاريخ الحديث للبنان الذي ابتداء مع وصول الأمير فخر الدين الثاني الى سدة الامارة لم يشذ عن هذه القاعدة. وبرأي ان السمة الرئيسية التي ميزت هذه الحقبة هي الصراع المرير المستميت بين حاملي لواء الاستقلال والتعددية والقومية اللبنانية وحركات التذويب المعادية لهذه القومية.

إذ أن الحروب والهجمات التي تعرض لها لبنان في هذه الحقبة من تاريخه وحتى يومنا هذا، كانت كلها حروب وهجمات عسكرية ذات أبعاد أيديولوجية تبغي القضاء على الاستقلال اللبناني، وعلى القومية اللبنانية والهوية اللبنانية المميزة.

فهي لم تكن حروباً بالمعنى التقليدي، لكسب جغرافي او عسكري، بل حروباً تذويبية الغائية للكيان اللبناني المميز.
وهذا الصراع للحفاظ على الاستقلالية والاستقلال الذي ذهب ضحيته عمالقة في تاريخ لبنان من أمثال الأمير فخر الدين ويوسف بك كرم والقائد الشيخ بشير الجميل كلما تقادم عليه الزمن اشتد مرارة وخطورة.

وأخطر حلقات خطة تفتيت استقلال الكيان اللبناني برأي هي محاولة رافعي شعار التعريب والتذويب القضاء على الذاكرة الوطنية وغسل دماغ الأجيال الطالعة بقولبة التاريخ اللبناني وتزويره والعمل على استئصال الجذور الحضارية للمجتمع اللبناني واستخدام كل وسائل الإعلام المرئي والمسموع والإلكتروني التابعة للدولة لبث هذه السموم نظراً لما هذه الوسائل الإعلامية من تأثير على الأجيال الصاعدة.

ونقول بأنها أخطر حلقات مؤامرة تفتيت استقلال الكيان اللبناني، لأن باقي الحلقات تستهدف ضرب المقومات المادية والمؤسساتية والاجتماعية للكيان اللبناني واحتلال الأرض ولكن هذه الحلقة تستهدف ضرب المقومات المعنوية واحتلال العقل والقلب اللبناني وهذا هو الخطر، الخطر.

وهو ما حذرنا منه قائدنا الشهيد الشيخ بشير الجميل عندما قال: “التاريخ مليء بأمثلة لدول احتلت دولاً أخرى وحاولت تركيع شعوبها، لكن التاريخ مليء أيضاً بأمثلة شعوب رفضت الاحتلال وقاومته ومنعت أن يكون أكثر من احتلال أرض ومساحات من دون أن يتعدى ذلك الى العقل والقلب والنفس”.

نعم أن العقل والقلب والنفس هي تلك المساحات من ال 10452 كلم2 التي لا يمكن لجيش غريب أن يطأها إلا إذا كنا ضعيفي الأيمان.
وهي المساحات التي أن حافظنا عليها استعدنا استقلالنا كاملاً وانتصر شهدائنا ووطننا لا محالة في النهاية.

وبالتالي ضعفت كل حلقات المؤامرة وتلاشت مهما كانت مدمرة.

وهي ذخيرة عود الصليب التي أن وضعناها على قبر لبناننا كفيلة في أن تقيمه في اليوم الثالث وأن تستعيد استقلاله.

ولكن مفاتيح هذه الذخيرة هي الأيمان أولاً والعمل الدؤوب ثانياً ومعرفة وحفظ وفهم تاريخنا العظيم عن ظهر قلب كما الابانا والسلام ثالثاً ًورابعاً وخامساً لكي يكون بأمكاننا ان ننقذ الحاضر ونستحق ان نتطلع الى المسنقبل.