الدكتورة رندا ماروني: ذكرى 13 تشرين وحبة الأسبرين

539

ذكرى 13 تشرين وحبة الأسبرين
الدكتورة رندا ماروني/14 تشرين الأول/17

تشرين وحبة الأسبرين، أم تشرين وهلوسة الهرويين، كالجرعات المهدئة نقولها تهذيبا إذا لم نقل كجرعات الهرويين المهلوسة تأتي الخطابات الرنانة المزورة للتاريخ والمعاكسة للوقائع والراسمة في عقول الأتباع رسما وهميا مزينا مزيفا لا يمت إلى الحقيقة بصلة، جرعات تليها جرعات تصور واقعا إفتراضيا لتجعل منه حقيقة مثبتة في عقول مخدرة منفصلة تماما عما يدور حولها، مسلمة أمرها دون أدنى مقاومة ولو حتى تحليلية ناقدة أو فاحصة لمحتوى مفقود، مطمئنين ساكنين فالحق عاد لأصحابه وسيد القصر متربعا في قصره والقافلة تسير والناطق خائن. يا لهول ما وصلنا إليه من تدجين وتلقين وإدمان على التحريف، تحريف للأهداف والمعاني وإستخفاف بتاريخ طويل من النضال في سبيل الحرية والقضية.

فتاريخ 13 تشرين ليس حدثا تفصيليا في تاريخ لبنان ولا تاريخا لنصر محقق، بل ذكرى لهزيمة ألحقها بنا العدو إستبسل فيها شهداء دفاعا عن الوطن، حبذا لو كانوا يدرون حينها أن من قادهم وخرج مناهضا أنه سيعود مواليا حليفا ساعيا إلى التطبيع تحت عناوين ومسميات وهرطقات عدة، نعم نقول هرطقات لأن من يسترجع تاريخ العلاقات اللبنانية -السورية يفهم أنه لا جدوى من أي محاولة لبناء علاقة تصب في الإتجاه الصحيح.

في عشرين كانون الأول من العام 2000 نفى العماد ميشال عون مقتل أي من العسكريين خلال المعركة مع جيش النظام السوري، الذين كانوا متمركزين في دير القلعة التابعين للواء العاشر في الجيش اللبناني، وكذلك الراهبان الأنطونيان ألبير شرفان وسليمان أبو خليل، حيث شاهدهما الأهالي وتحدثوا معهما بعد هدوء المعارك، لكن الجيش السوري أسرهم واختفت آثارهم جميعاً، وشوهدوا في قافلة للجيش السوري في بلدة قرنايل وجرى تجميعهم في بحمدون تحت إشراف الأمن السياسي ونقلوا من هناك إلى السجون السورية، وأضاف، إذا قتلوا خلال المعارك كما يدعون فأين رفاتهم؟ وهل يعقل أن يختفي رماد 35 عسكريا وراهبين هكذا؟ وتابع، إن المعتقلين ليسوا مفقودين ولا مخطوفين بل أسرى لدى الجيش السوري وخصوصا أنهم لم يفقدوا في ظروف مجهولة، ومن أسرهم معروف جدا وليس ميليشيا بل القوات السورية.

ما جاء على لسان العماد عون أتى مناقضا لمعلومات موثقة ولشهود عيان أفادت عن قيام جيش النظام السوري بأسر جنودا ومدنيين وكهنة في دير القلعة في بيت مري ثم جمعهم في غرفة صغيرة ورمى عليهم الرمانات اليدوية ثم نقل جثثهم إلى مكان مجهول.

هذا عدا عن جريمة ضهر الوحش في حق سبعة عشر عسكريا من الكتيبة 102 المجوقلة حيث أعدمهم نظام الأسد بعد الإستسلام برصاصة في اليد اليمنى وأخرى في العين كما ورد في تقارير وفاتهم، كما سجل ذلك التاريخ إرتكاب مجزرة بسوس حيث أعدم ثلاثة عشر مدنيا بينهم طفلان، وإعدام الرائد جورج زعرب بعد إستسلامه في الحدث في الفيلا ماريا.

تاريخ أسود كان يستوجب شهادة حق ومحاولة للإقتصاص من الفاعلين، فيما نشهد في المقابل خطابات رنانة لا فحوى فيها سوى قلب للحقائق معتبرة هذا التاريخ هزيمة للمحتل، هذا المحتل الذي هو اليوم نفسه الحليف المبجل، كما نشهد محاولات متتالية تصب بإتجاه التطبيع مع نظام أجرم في حق الشعب اللبناني كافة دون إستثناء.

وطالما لم يقدم النظام السوري إعتذارا علنيا من الشعب اللبناني عما تسبب به من زهق أرواح ودمار وخراب وسياسات معادية إستعلائية فوقية، ولم يشرع إلى رسم الحدود بين البلدين ولم يعترف بلبنانية مزارع شبعا ولم يقدم تقريرا وافيا يتضمن مصير المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية وإعادتهم إلى عائلاتهم أكانوا شهداء أم ما زالوا على قيد الحياة، وطالما لم يقدم على أي محاولة حقيقية تصحيحية لما جنت يداه الملوثة بدماء اللبنانيين، تبقى الذاكرة الجماعية شاخصة في الأذهان وأقوى من أي محاولة تطبيع مهما علا شأن الساعي لها، فذكرى تشرين لن تمحوها جرعة زائدة من الأسبرين.
ذكرى تشرين
ديوان حزين
يسرق نصر
إحتلال ظالمين
ينكر وقائع
نكرانا مهين
يزخرف خطبا
زخرفة مجانين
يرقص بها
شمالا ويمين
يحول هزيمة
لبطولة سلاطين
ورائحة الموت
لعبق الرياحين
فيما الحقيقة
طنين وأنين
من تحت التراب
تصرخ مخادعين
ملونين أنتم
بسواد التلاوين
تبرؤون الخطيئة
تنكرون قرابين
تنطق حناجركم
تخدير وتسكين
تسطرون بطولات
وتصيغون تشرين
في جرعة زائدة
وحبة أسبرين.