أنطوان سعد: إعتراف غير مباشر لأردوغان بمجاعة لبنان قبل مئة عام

48

إعتراف غير مباشر لأردوغان بمجاعة لبنان قبل مئة عام
أنطوان سعد/موقع مون ليبون/24 أيلول/17

قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، إن كلّ الخيارات متاحة من الإجراءات الاقتصادية إلى الخطوات العسكرية البرية والجوية، للرد على الاستفتاء الكردي، مضيفًا أن أكراد العراق «سيتضورون جوعًا عندما تمنع تركيا شاحناتها من عبور الحدود».

هذا الكلام الذي نقلته الوكالات العالمية والصحف اليوم، له وقع الصاعقة: أيعقل أن يقول إنسان غير مسؤول مثل هذا الكلام؟ فكيف بإنسان مسؤول بيده فعليًا قرار إقفال الحدود التركية مع كردستان؟

“جريمة” الكورد تستوجب ما تستوجبه من مواقف وردود فعل على المستويات السياسية، وهذا حق كلّ سلطة منبثقة ديمقراطيًا من شعبها أن تمارسه، ساعة تشاء. فحرية تقرير المصير التي نصت عليها شرعة حقوق الإنسان، رغم أنها حق طبيعي، لها ثمن كثمن حرية الفرد في أي مجتمع. والحرية باهظة ومكلّفة من دون شك حتى في مجتمعات الدول المتقدّمة حضاريًا وديمقراطيًا، فكيف بدول العالم الثالث؟

بيد أن ثمة بونًا شاسعًا بين اتّخاذ موقف أو قرار يضيّق اقتصاديًا أو سياسيًا على دولة جوار وبين قرار يستهدف شعبًا كاملًا وليس حكومة بإماتته جوعًا بقوله حرفيًا: «سيتضورون جوعًا عندما تمنع تركيا شاحناتها من عبور الحدود». هذا كلام مخيف، ويعكس روحًا قومية عنصرية إلغائية كارهة وكريهة شبيهة بالنازية والصهيونية على السواء. وكلّ دولة مجاورة تفكّر فيه، ولو لم تعلنه، ستكون شريكة في الجريمة بالمقدار نفسه.

قبل مئة وثلاثة أعوام بالتمام، وردًا على النزعة التحرّرية لأبناء متصرّفية جبل لبنان الذين أتعبوا من دون شك حكّام السلطة العثمانية من جراء توقهم للانتهاء من سيطرتهم والتمتّع بالحرية تحت نور الشمس، اتّخذ أسلاف الرئيس أردوغان في الحكومة الثلاثية المؤلّفة من طلعت باشا وأنور باشا وجمال باشا، قرارًا مشابهًا بإقفال الحدود البرّية لمتصرفية جبل لبنان ومصادرة الدواب والمحاصيل الزراعية الكبرى وإعلان التعبئة العامة، على جميع أبناء الولايات المحيطة بها.
في المقابل، قطعت بحرية الحليفَين الإنكليزي والفرنسي طريق البحر على اللبنانيين. فتضافرت “جهودهم” مع “جهود” الأتراك في ارتكاب مجزرة إبادة عن طريق الجوع قد تكون الأكبر بالتاريخ، حاصدة أكثر من ثلث السكان، أي ما يقارب المئتي ألف شخص في جبل لبنان وبيروت، وطرابلس حيث سجّل، كما سجّل في الضبية وتنورين والدامور، وغيرها، أكل أطفال.

جريمة تاريخية، قصّر اللبنانيون من واجبهم تجاهها، مؤكدين مرة جديدة أنهم شعب بلا ذاكرة، ولا عجب بالتالي من أنه لا يتعلّم الدروس ويرتكب الأخطاء ذاتها كلّ يوم، إذ لم تستذكر المجاعة بما يستحقه موت هذا العدد الكبير من الأشخاص وفناء قرى عن بكرة أبيها. لم يقل أحد للأتراك والفرنسيين والإنكليز والألمان والبلغار والنمساويين قدّموا اعتذاراتكم لمئات الآلاف الذين قضوا جوعًا ومرضًا نتيجة قرارات آبائكم. والساحة المخصصة لضحايا المجاعة لن تبصر النور إلا في نهاية الشهر المقبل بعد جهد جهيد بدأ قبل ثلاث سنوات بالتمام والكمال، وبنتيجة إصرار من عملوا على تحقيقها، بجدية من دون تعب أو كلل، وتقبّلوا “انشغالات” بعض المسؤولين بطيبة خاطر.

حفظ لنا التاريخ العديد من الشهادات المؤثّرة عن تلك المأساة التي ضربت اللبنانيين. وعملًا بمبدأ ستة وستة مكرّر، لا بد من استعراض شهادتَين مؤثّرتين عن هول المجاعة التي ضربت لبنان من دون تمييز بين المناطق والطوائف:

عنبرة سلام الخالدي شقيقة الرئيس الراحل صائب سلام، وعمة رئيس الحكومة تمام سلام التي روت في مذكراتها “جولة في الذكريات بين لبنان وفلسطين”، الصادر عن دار النهار في الصفحة 107: “ومنهنّ من أراقت ماء وجهها أمام ضابط تركي متعجرف، أضاعت معه أعزّ ما تملك لكي تعيل أطفالاً أضرّ بهم الجوع، بعد أن طالت غيبة عائلهم في جحيم ميادين القتال، دون أن يظهر له أثر…”

كانوا يدفعون بالشباب العرب إلى القتال في مقدم الجبهات، ثم يعتدون على نسائهم. وقد بلغ الضيق بسكان بيروت مبلغًا عظيمًا، بحيث تُضيف الراحلة الكبيرة عنبرة سلام في مذكراتها في الصفحة عينها: “وبعد أن كنا نرفض رفضًا باتًا أي حكم أجنبي، صرنا نسمع الأصوات الخافتة تردِّد جهرًا: “لتأتِ القرود وتحكمنا، فهي خير من هذا الحكم الجائر”.

ميريام بيز، النيوزيلاندية المولودة في بريطانيا، زوجة اللبناني الياس بو صادر من الشوير، كتبت يومياتها خلال المجاعة المنشورة، بالإنكليزية والعربية (نقلها الزميل جمال دملج) في دار سائر المشرق: “يا إلهي كم أنّ هذا الزمن صعب… فهل يمكن لمن سيبقون على قيد الحياة بعد الحرب أن ينسوه؟
أحد أصدقائي ذهب بدوره إلى بيروت، وقال إنّه وجد على جانب الطريق جثّة رجل قضى جوعًا، وكانت شقيقته المسكينة تحاول دفنه، ولكنّها كانت خائرة القوى، ولم تتمكّن من حفر القبر، فإذا بالذئاب تنهش لحمه ولا تُبقي منه سوى العظام.

الكثير من الصور المأساويّة المشابهة كانت تحدث هنا بشكل يوميّ… وكنّا نشاهدها بالعين المجرّدة”.
كأن الرئيس أردوغان بموقفه أمس يعلن أن القدرة على اتّخاذ قرار بإبادة شعب ما جوعًا، كامنة في نفوس زعماء الأتراك.
http://www.monliban.org/monliban/ui/topic.php?id=3032